زملاء

ماري عيسى : رسالة إلى الاهالي في مخيمات اللجوء

لعل المآسي التي يعانيها السوريون لها بداية وليس لها نهاية وعلى الاقل بالمنظور القريب سواء داخل سوريا او خارجها..وما يحتاجه السوريون اليوم إضافة إلى المساعدة الصبر والحكمة والوعي … فمعاناة اللاجئين خارج سوريا رغم اختلافها عن معاناة من هم بالداخل من التعرض للاعتقال والخطف والمجازر والحصار وغلاء الاسعار والموت المجاني من القصف العشوائي وغيره..إلا انها لا لا تقل خطورة عمن هم بالخارج.
فللاجئون خارج سوريا حكايا أخرى مع المعاناة أولها استغلال حاجتهم للهرب من جحيم الموت في سورية عبر طرق وهمية للسفر وقوارب غير آمنة وغير معدة أصلا للسفر والابحار مما عرض الكثير للغرق في البحر وآخرها ماحدث يوم الخميس في 29-11-2013 حيث غرق طفل عمره سنة ورجل ستيني وثلاث شباب آخرين قبالة السواحل التركية اثناء محاولتهم الوصول إلى جزيرة ليسيوس اليونانية على متن قارب يحمل اربعة عشر سورياً. ونجد آخرون يضطرون لبيع أعضاءهم البشرية بعد أن ينفذ ما حملوه معهم من ذخيرة أمام حاجتهم للمال وانعدام فرص العمل وصعوبة الحياة في البلد المضيف وبلد اللجوء، عدا الظروف الطبيعية الصعبة من برد الشتاء وحر الصيف والاوضاع غير الصحية في خيمات يعيشون بها تضم عشرات الافراد.
ولعل أبشع ما يعانيه اللاجئون اليوم ما تتعرض له النساء السوريات اللاجئات وهو المتاجرة بهن وتزويجهن المبكر من قبل أسرهن بقصد الستر والحماية من الضياع والاغتصاب. فتحولت مخيمات اللاجئين السوريين في الاردن ولبنان وتركيا إلى مايسمى سوق السبايا أو سوق النخاسة كما يحدث عادة في الحروب حيث بتن فريسة سهلة وصيدا ثمينا فى أيد «الباحثين عن المتعة» من أغنياء الخليج ودول شمال إفريقيا من أعمار مختلفة. فيكثر الطلب للزواج من الصغيرات الجميلات بمهور قليلة تبدأ من خمسين دولارا وحتى خمسمائة، وبدون أي تعارف بين الطرفين، بحجة سترهن بعد التشرد. ولعل خروج فتاوى لبعض الدعاة تحث المقتدر بالزواج منهن جعل الامر يتزايد ويتفاقم محميين بقانون حق أريد به باطل..فإصلاح الوضع ليس بتزويج الفتيات كيفما اتفق ومقابل مبلغ من المال فنساؤنا لسن للبيع، وهذا ما نريد أن يعرفه الجميع. بل بالبحث عن فرص عمل لهن أو تقديم المساعدة بدون مقابل إن فعلا كان المحسن يريد المساعدة. ولهذا قبل فترة كان إطلاق حملة «لاجئات لا سبايا» من قبل مجموعة من النشطاء السياسيين السوريين لرفض تلك الظاهرة في إهانة وانتهاك حقوق المرأة السورية بحجة الزواج، وقد وجدت صدى كبيراً من خلال التضامن الشعبي والإعلامي لها لمنع هذا الزواج المقونن، واستغلال خوف الأهالي والفتيات من المستقبل داخل المخيمات. لكن سرعان ما عادت الظاهرة للظهور فالزيجات مستمرة ولا يكاد يمر يوما دون ان يكون هناك احتفالا بزواج يهلل له الاهل معتقدين ان حبل النجاة مد لهم ليعودوا ويصابوا بإحباط بعد ما تتعرض له بناتهن من تعذيب واستغلال.
وقد نشر مركز السلام لضحايا الاتجار بالبشر والعنف على الفيسبوك قبل يومين قصة “غز ل ” ذات الثمانية عشر ربيعا التي تزوجت اسبوعا من سعودي مقابل 3100 دولار . رغم ان غزل كانت تحب شابا يقطن قرب بيتها في حمص الذي كان يبلغ 20 عاما وكان من المقرر ان يتزوجوا لولا الصراع الذي يدور في سوريا..لكن وصولها بعد ذلك لعمان كلاجئة مع أهلها ومواجهتها للظروف الصعبة اضطرها للزواج من السعودي لمدة اسبوع، لتساعد اهلها في المصروف الذي لا يرحم .. وهي اليوم نادمة على زواجها بتلك الطريقة الغير إنسانية، وسعيدة لأنها حصلت على الطلاق منه. وقد اعرب” آندرو هارير” ممثل المفوضية العليا لشؤون اللاجئين عن قلقه من ان بعضا من الخمسمائة الف لاجئ في الاردن بداوا يلجأون لمثل تلك الخطوات اليائسة امام عجز المنظمة عن تقديم كل ما تحتاجه الاسر الموجودة، كما ان الغالبية العظمى من اللاجئين هم من النساء والأطفال، والعديد منهن لم يعتدن الذهاب للعمل، لذا فإن الزواج من اجل العيش يصبح احد الخيارات امامهم”. وماتزال قصص الاستغلال هذه ومايزال الاهالي يعتبرونها أفضل ضمان لمستقبل بناتهن امام عجز الحكومات على تسديد حاجة اللاجئين الذين تتزايد أعدادهم يوما بعد يوم. ويساعدهم في ذلك”منظمة كتاب السنة” وهي منظمة غير حكومية في عمان تقوم بتقديم الاموال والطعام والدواء لللاجئين، ويقوم تمويلها على تبرعات الافراد من انحاء مختلفة من العالم العربي”. ويبرر ذلك زايد حماد رئيس منظمة كتاب السنة :”إن بعض الرجال يأتون إليه باحثين عن زوجات سوريات، عن فتيات اكبر من 18 عاما، ويدفعهم في ذلك تقديم المساعدة لهن، خاصة اللاتي فقدن أزواجهن في الحرب في سوريا، وعلى العموم ينظر العرب إلى السيدات السوريات على أنهن ربات بيوت يتسمن بقدر كبير من الجمال، وذلك يجعلهن مرغوبات”. في حين أم مزيد وهي لاجئة سورية في الثامنة والعشرين من عمرها وهي التي امتهنت دور الخاطبة تقول:” تتراوح اعمار الرجال ممن يسعون للزواج من فتيات سوريات ما بين 50-80 عاما وهم ينشدون الزواج من بنات سوريات صغيرات لا تزيد اعمارهن على 16 عاماً، ويدفعون لها 70 دولار اثناء عملية التعرف على الزوجات، و310 دولار امريكي إذا ماتم الزواج”.
وعن مثل هذه الزيجات سبق وتحدث الشيخ معاذ الخطيب الداعية الإسلامي والناشط السياسي السوري :” إن زواج الفتيات بهذا الشكل هو كزواج «المكره» حتي لو كان بقبول الطرفين خصوصاً أن الأسر والفتيات يقبلون بدافع الاحتياج لا بدافع تكوين أسرة، رافضا هذا الزواج تحت دعوة الستر قائلا: لم تخطئ الفتيات السوريات الموجودات داخل المخيمات حتي تنتشر دعاوي الستر لهن كما يحدث الآن من بعض الدعاه والرجال أصحاب المصالح من هذه الزيجات.
ويسأل الخطيب الرجل العربي المسلم الذي يسعي لمساعدة السوريين من خلال الزواج من أبنائهم، لماذا لا يساعد باقي الدول الإسلامية الأخري التي تعاني كوارث وحروباً كالصومال وبورما وغيرها الكثير من خلال الزواج من فتياتها أيضا. ناصحا من يريد وجه الله أن يجد شكلاً آخر من أشكال المساعدة للأسر السورية غير الزواج من فتياتهم، لأنه أمر في ظاهره المساعدة وباطنه المتعة الجسدية بالسوريات بزواج غير متكافئ وفيه شبه شبهة الإكراه”.

وهنا يبدو الكلام عن حقوق المرأة وإرادتها ضربا من الخيال في ظروف ماساوية قاسية يصعب وصفها. لكننا مانزال نعول على صبر اهالينا في المخيمات، ونأمل بأن نجد آذانا صاغية تسمعنا ، ومن يساعد في نشر الوعي للمساهمة في منع تزويج البنات الصغيرات من أجل المال فالمال يصرف ويذهب مع الريح أما مستقبل بناتهن فهو الباقي. ومن يريد مساعدة الأسر السورية المنكوبة أولى به أن يساعدهم بتوفير المال والسكن دون انتظار مقابل. ونناشد الاهالي في المخيمات بضرورة الوعي والتنبه لاخطار تلك الزيجات الغير مناسبة، فما يحدث للسوريات الآن من زواج بحجة سترهن كما حدث مع نساء الجزائر ومع فتيات ونساء البوسنة والهرسك بعد هروبهن من بطش الصرب إلى ىعض البلدان العربية امر مؤلم إنسانياً ويجب الوقوف عنده مطولا لما له من تداعيات ومشاكل نفسية واجتماعية مستقبلية. ونطالب بتكاتف مؤسسات المجتمع المدني التنموي والحقوقي لتوعية الأسر والحكومات العربية ورجال الأعمال لتوفير حياة كريمة وآدمية لهؤلاء اللاجئين من أماكن للسكن ومساعدات الإعاشة وتوفير فرص عمل مؤقت للشباب والرجال والفتيات إن أمكن، بدلا من تلك الحلول الجنسية الشهوانية. .
“.

 صحفية و ناشطة سورية

اظهر المزيد

نشــــطاء الـرأي

نشــــــــطاء الـــرأي : كيان رمزي وخط إنساني لحرية الإنتقاد الثقافي و الفكري والسياسي ، بدعم مالي مستقل Organization for peace and liberty – OPL : www.opl-now.org

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب
إغلاق
إغلاق