يوزع العرب تاريخهم السياسي الحــديث على مراحل تفصل بين نهضتين، جرت أولاهما في مطالع القــرن التاســع عشر وانتهت بعد منتصفه بقليل، وثانيتهما في منتـصف القرن العــشرين وانتــهت في أوائل الثلث الأخير منـه. في هذا النوع من التحــقيب، تكون النــهضة الأولى، التي قادها محمد علي وابنه إبراهيم باشا، قد عــاشت قــرابة نصف قرن، بينما عاشت الثانية، التي حملت اسم جمال عبد الناصر وارتبطت به، حوالى عقدين ونيف.
إلى هذا، شهد تاريخ العرب الحديث نهضة فكرية، سبقت النهضتين السياسيتين وامتدت من الثلث الأول من القرن التاسع عشر إلى مطالع القرن العشرين، ركزت على تعريف العرب بالفكر الأوروبي الحديث، وخاصة منه ما اعتبره اليسار «الفكر البرجوازي»، ثم تواصلت في طور جديد عرفه الثلث الأول من هذا القرن وامتد حتى الربع الثالث منه، عبر عن نفسه في مدرسة فكرية / أيديولوجية غلب عليها الطابع القومي والاشتراكي، فشل حاملها السياسي من دول وأحزاب قومية واشتراكية في تحقيق وعوده حول تغيير الأمر الوطني والقومي القائم، مما أدى إلى استعادة أسئلة ومسائل النهضة الأولى، التي تمحورت أساسا حول ما يجب تداركه على صعيد الفكر من قضايا كالمواطنة وحقوق الإنسان والدستور والقانون وتنظيمات المجتمع والدولة، ليتاح لنا اللحاق بأوروبا على صعيد الواقع. لا حاجة إلى القول إن محاولتي النهضة السياسيتين بدأتا كلتاهما في مصر، وأن النهضتين الفكريتين انطلقتا أساسا من لبنان، ثم انتشرتا إلى مصر وبلاد الشام، وترتب عليهما تأسيس أحزاب وتيارات سياسية اعتبرت أدوات جديدة وفاعلة للعمل العام، المحلي/ الوطني، والعربي/ القومي. continue reading…




