زملاء

أحمد سليمان : إيدي عـا قبـرك… نامي مايـا

  • منحوتة لرافي يداليان.

منحوتة لرافي يداليان

غفيت أول زهرة من برعم حبّ ما انكتب إلو يعَمّر، قدّام سطوة الملاحقة والإعتقال، والخوف من مستقبل جرّ حياتنا وبلدنا من هيديك الأيام لهل اللحظة (نص باللهجة المحكية لقرى في شمال حلب).

1- إيدي عـا قبـرك… نامي مايـا
من سنين وأنا أستلم منها خبار أهل ورفاق سجن. وقتها أيقنت بأنُه مايا صارت أكثر من ملاك عم يحرس منامي. فهمت أنّو الرسايل كانت تصلني مكتوبي بحبر سرّي.
اليوم خبرت عَـ بكير. قالوا عنها
أكثر من حزن وعملت الضيعة أكتر من جنه، وإنو الوفا كله مخبّى بعمرها الزغير. صارت مايا أكبر من معبد ودير ونجمة صبح، اليوم، اليوم اليوم، خبرت عَـ بكير، اليوم، اليوم قبل كم ساعة حلم، غابت أحلى زهرة من عمري. قتلوها كلاب البراري السعراني.
نامي مايا. مايا إيدي عا قبرك مايا. قبل شوي نهرني الأذى وخطفني لبعيد جنان تْلَتْ أخوي بساحة ضيعة بينهن أنتِ ممدودي
ممرغة بالوحل والدم. وأنا عم أكتب مرّ قدامي طيف من عشرين سني عن جنان تْلَتْ أخوي بساحة ضيعة حكايي ختمت روحي بشمع أحمر.
مايا أمّ زغيري لعيلي فيها جرحى ومشردين، كل ما بيخطفها
الرعد غفلي تنزل ع طراف الغيم وتنام لمّا العتمي تمشي. مايا الحاكتني عن تاريخ العالم بجملي، مطلعها عَلَم والخاتمي محبّي، مايا الشتلي العاليي بالضيعة توزّع غناني مع طلة الراعي وبيصدَحوا الطّفالى والعصافير والنجمي اللي بتشبه كتير مرتو لألله نامت عا بكّير.

2- مـايا دفتر أبيض وخبز مذبوح

(بعد ما كسّروني من الضرب طلع مني اعتراف رسمي: “الشارع كان سكران وأنا أبداً ما شربت”. فقِع المحقق من الضحك على جوابي، وأنا كمان ضحكت بالرغم من وجعي. بسرعة وشوشو معلمو ليسأل عن قصة كتاب سميك اسمو “النبي المسلح” وكرر بصوت حتى الجحش يمكن يسمعو: “والله يا سيدي شَكلُن مألفين الكتاب مشان نشر الدين تَبَعهن”.

فجأة بينطلك مثل مظلي ويسألنا حضرة المحقق: طيّب ما جاوبتوني، من إيمتا عم تنشرو هيدا الدين؟ وكم مرة التقيتو مع تروتسكي؟ ومن وين جبتو حق الكومبيوتر؟ ومين عم يدعمكُن بأجرة المعبد؟ ردّت مايا: الله يرحم جدّك وجدّي أيام ما ورّطونا بقراية الكتب. وبعدين، إذا سألنا اﻷهبل عن مؤلف الكتاب، رح يقلك صارت عظامو مكاحل. عن أي دين عم تحكي؟ وأي معبد؟ الكتاب صادر من مية سنة. الكومبيوتر صرلي من سنتين عم قسّط حُقه إيجار الغرفة من وظيفتي، بيكفي إستهبالنا.ما علينا إدانة طلعونا واشتغلوا لحماية الناس وأمن البلد).

بتذكّر سنين تاهت من عمري سنين مغسولهِ بمحبتك بتذكّرك مايا وحقّ الله انت ما غبتِ، واسألي الله. لما ضبطوا مسوّدة كلام انكتب عنِك، قلتي لخفافيش الحي: انتو مجرد أدوات وهوّي أكثر من انسان. أخذو منّك كتاب “النبي” لجبران وشوية وراق منقولي من مجاميع تروتسكي ومناشير انكتبت عن دولة اصنام. جرّوكِ بجنح الليل عَـــ زنزانة بجنبي.

صرنا كل واحد يكتب وصية عا حيطو ونهمس لبعض. بعد شوي صبّو علينا ميّة شتي وضاعت صواتنا بعتمي تحت الأرض. مايا ابداً مَنّا حكايي. هي روح كل صبايا بلادي. في منها بخان العسل والقصير وتلبيسة والغوطة والتريمسة والقبير والحولا وبابا عمرو وعكرمة وعين حليقيم. من سنين لمّا مرضت مايا، من سنين ماتو جوز حساسين. بعد عشرين سني انقتلت مايا.
قبلها بيومين تهجّرو العصافير والطفالى واختفى الراعي بوادي الضباع.
– بعدني عم اتفحص صور تبدّلت شوي عن ملمحا، فجأة شفت عيون عم تهجم صوبي. فجأة جفت عيوني وما حظيت إلا بأثر بعيد، مدري هوّي وهم أو إنّو عالم أكيد.
تبدلت الملامح يا الله والعيون انطفو. مثل ما فهمت، كل واحد عندو جرح تخطى عمرو إلا أنا اجتمعو فيني كل جروحات العالم وغرقت بنهر مليان براكين.

3 – مـايا… إنت الهدف وأنا المذبوح
بلّشت من دفتر أبيض وخبـــز مكَـــسّر. ملّيت من رمي الخبز عالبط الموزّع بنهر إيزار. كانو الصبايا منتشرين من كل صوب، وانا مشدود بخيال بعيد، عين على وطن والتانيي عا شعب عم ينذبح، وفوق جبيني روح مــــــايـا بترفرف من سنين. مرّيت بقرب جامع كان مسكّر، وعند رَجعتي بلّش ينزل مطر ناعم بيشبه لمسة مــــــايـا. حبّيت منظر تيابي المبللي. إي والله… مثل تياب عاشق ناطر خاتمي لحكايتو. وقعت بحيرة موتك بين طعنة سكّين واللا طلقة قناص انطفت روحي يا الله وخبرت…

روحي انطفت يا الله لما رشــــّـــو البشر كيماوي. مايــا أنت الهدف وأنا المذبوح. بعد جلسة صفا بكنيسي حدّ بيتي، سألني القس وين سارح يا بني؟ صفنت بنظرتو وما عرفت أحكي، دهن جبيني بزيت معطّر، بعدها مَرّر مبخرة حواليي وقللي إذا بتحبّا، خبّي صورتا واحتفظ فيها بقلبك. ختم حديثُه وعطاني قطعة خبز يابس وكرر جملتُه بعد ما غمض عينُه: رح يباركك الرب.

تذكرت سياط الشيخ رحمو، لما تلعثمت بترديد آية الكرسي. أخذني بعدها بيّي لعندو وطلب منّو يعلّم الزغار دين المحبة وينس سياط عرق الرمّان. وصل الشيخ رحمو عالإسلام بعد ما هجر تعاليم التوراة بتأدُف الضيعة المشلوحة عطراف الباب. بعد هاي الحادثي المعلّمي بوعيي، قريت نشيد الإنشاد ومزامير سليمان وما خلصت لما شربت مية زمزم وما شفيت من منظر البحر اللي انقسم بزمن حملو الناس فيو مصحف أبيض. يومها كان العالم أصغر، سهل التسامح والعيش بنظافي.

فجأةً صرنا بعهد جديد، كل ملّي حطّت لحاﻻ كتاب وإنشاد وقرآن مقدس. صاروا الإخوة اعداء قبل ما يفتحو عيونُن، وماتت الرأفي بنفوس البشر. اختفت فكرة تكوين العالم، ضاعت أسفار الخلق، وقعت بلادنا، تاهت أعمارنا، خطفوا الوردات وزرعو مدافع وبواريد، وبين كل قصف سكود ورشاش، يهبط برميل معبّا قنابل، أبشع من الخردل والنابالم والسارين.

صار الذبح ماركة مسجلي وحلال مرة بإسم رئيس عم يشتغل أجدب، ومرة بإسم عيلة مسوخ، ومرات بيطلعوا وحوش حاطّين عاجبينن آيات، ويشرّعوا الذبح بإسم الله. الخاتمي أصلاً يا بشر لعبة هِمج ترعاها أُمم، وهون كلمة فصل وتنديد بإسم كل مايا انذبحت والطفالى… والسوريين، وبإسمي أنا المقتول، وهيدا صوتي بيصدح يالله: لا تغفر لَهم أبتاه إنِهم يعرفون ماذا يذبحون.

(النص يتحدث عن حب قديم لشابة مسيحية إسمها مايا وقد عرفت بمقتلها على أيدي برابرة العصر الحديث)

* شاعر وكاتب سوري عاش في بيروت بين 1990 و2003 ويقيم حالياً في ألمانيا.

نقلا عن الملحق الثقافي 

اظهر المزيد

نشــــطاء الـرأي

نشــــــــطاء الـــرأي : كيان رمزي وخط إنساني لحرية الإنتقاد الثقافي و الفكري والسياسي ، بدعم مالي مستقل Organization for peace and liberty – OPL : www.opl-now.org

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب
إغلاق
إغلاق