زملاء

ميشيل كيلو : الكرد والمسألة السورية والبديل الديمقراطي المنشود

يستميت “البايادا” في سعيه إلى تدمير المشروع الديمقراطي الكردي المنافس، وللقضاء على حملته القياديين والشعبيين الذين يطاردهم بلا رحمة، ويسفك دماءهم، ويحرّض على قتلهم بواسطة أجهزة محترفة، درّبتها مخابرات الأسد،

قبل اعتقال أجهزة الأمن التركية عبد الله أوجلان، في العام 1999، لم يكن هناك عربي أو كردي واحد يجهل أن هذا الرجل وحزبه حليفان مقربان من نظام الاستبداد الطائفي القائم في دمشق، وأنه يقدم لهما دعماً سياسياً وعسكرياً ومادياً متنوعاً، ويخصهما بوظيفة تنفيذية في استراتيجيته العامة، قال جميل الأسد، شقيق حافظ الأسد وصديق أوجلان، إن هدفها دعم ثورة حزب الأخير المسلحة في تركيا، لأن هدفها إقامة دولة كردية، تضم عشرين مليون علوي سيضافون إلى أربعة ملايين يحكمون سورية، وسيشكلون كياناً ضخماً أسماه “الشعب العلوي” إلى أغلبية ديمغرافية، ليس فقط في سورية، بل كذلك على مستوى الإقليم، ما سيغيّر، بصورة غير مسبوقة، علاقات القوى داخل العالم العربي وحوله، وسيعزّز قبضة العلوية الأسدية عليهما، ويجعل نظامها السوري/ التركي منيعاً، يستحيل القضاء عليه، أو شطبه من معادلات المنطقة، خصوصاً إن استمر تفاهمه مع إسرائيل.

ويعلم كل كردي وعربي، عاش في منطقة عربية، أو كردية، في أي مكان من سورية، أن حزب أوجلان كان قيمة أمنية مضافة إلى مخابرات الأسد، وأنه تعاون معها ضد الكرد والعرب، واحتل موقعاً خاصاً في مؤسسات سلطتها التي تبنته، وأطلقت يده في المناطق الكردية داخل سورية، يحكمها كما يشاء، حتى صار من الصعب تعيين الحدود الفاصلة بين المخابرات الأسدية وحزب أوجلان (العمال الكردستاني).

لم تتغير هذه العلاقة بعد الثورة، بل شهدت تنويعاً وطّدها، وجعل الحزب ينشط في كل مكان، وكأنه أداة من أدوات حزب البعث التي أحلته محل سلطته، وأسندت إليه مهامها، حيثما تراجعت أمام الثورة، فلا عجب أن يلعب الحزب دوراً خطيراً في قمع خصوم النظام من الثائرين الكرد، واغتيالهم واعتقالهم ومطاردتهم وتهجيرهم، وأن يقوم جيش النظام بتسليمه أسلحة ثقيلة ومتوسطة، أمسك بواسطتها بمناطق كثيرة أول الأمر. وفي مرحلة تالية، وضع الحزب يده في أيدي الأميركيين، وسخر قدراته لخدمة “حربهم ضد الإرهاب” التي سرعان ما حولها إلى حرب ضد العرب، استهدفت أي عربي أو كردي لا يدين له بالولاء، يسكن أو يجاور مناطق واسعة من سورية ادعى أنها “غرب كردستان”. وبالتالي، أرض كردية مستعمرة، يحق إقامة دولة كردية مستقلة عليها، بعد تحريرها من دواعشها العرب، بمن في ذلك من قاتلوا معه من الجيش الحر لتحرير مدينة عين العرب (كوباني) من “داعش”. بذلك، وجد من تحرّروا من النظام، وقاتلوا “داعش” قبل الحزب بأكثر من سنة ونصف السنة، وكانوا مقتولين أو مهجرين أو ممنوعين من العودة إلى بيوتهم، أو معتقلين أو مختطفين، كما حدث مثل هذا لعشرات الآف من كرد سورية، وقد فرّوا من استبدادية الحزب القومجية/ الأسدية التي ألغت أحزابهم التاريخية، ولاحقتها واعتقلت قادتها ورموزها، واستهدفت، بصورةٍ خاصة، من كرّس منهم حياته للدفاع عن حقوق الكرد السوريين الديمقراطية والقومية، وشارك في حراك الثورة السلمي/ المدني، واعتبر نفسه بحق من مؤسسيه، وشكل تنسيقياتٍ، وقدّم الشهداء والجرحى، قبل أن يتسلط الحزب، ويا لسخرية الأقدار، ما يسميها “قوات حماية الشعب” عليهم، ويعاقبهم بقسوةٍ مخابراتيةٍ على تمردهم ضد الأسد ونظامه.

وقد استغل حزب الاتحاد الديمقراطي (البايادا) نجاح “داعش” في إخراج الجيش الحر من شرق وشمال شرق سورية، ودعم أميركا العسكري والسياسي المكثف له، فوضع يده على المنطقة واعتبرها “كردستانية”، وأقام فيها حكماً انفرد بقيادته وزوّده بأجهزة سياسية/ أمنية معادية لسورية وانفصالية، ولم يمر طويل وقتٍ، حتى شرع يجتث العناصر والقوى الديمقراطية الناشطة في مناطقه، كردية كانت أم عربية، بحجة أن العرب “دواعش”، والكرد خونة وعملاء لهم يستحقون القتل. لذلك، كتب أسماء بعض قادتهم على جدران بيوت المدن والقرى، مطالبا “الشعب” بقتلهم! يفعل الحزب هذا كله، وسيفعل مستقبلا ما هو أشد فظاعة منه بكثير، للقضاء على مشروع ديمقراطي كردي، عمره أكثر من نصف قرن، ناضل وضحى من أجله الجمهور الكردي الذي أراد دوماً نيل حقوقه القومية والديمقراطية في إطار ديمقراطي، يمثله اليوم “المجلس الوطني الكردي”، وأحزاب وشخصيات مناضلة ورفيعة المقام، لها باع طويل في النضال ضد الاستبداد، تعتقد، على عكس حزب “البايادا” الذي تحالف دوماً مع نظام أسدي مجرم، قمع الكرد قبل العرب وأذاقهم الأمرين، أن وحدة القوى الديمقراطية العربية/ الكردية ضرورية لإسقاط الأسد ونظامه، في مرحلة أولى، ولنيل حقوقهم كاملةً في مرحلة ما بعد الاستبداد، بدعم من جميع الأطياف الديمقراطية العرب التي سيشاركونها بناء النظام الجديد، بصفتهم طرفاً يستحيل تخطيه أو تجاوز حقوقه، السياسية والقومية، لأن تخطيه سيدمر الثورة، وسيحول دون تحقيق وعودها، للعرب قبل الكرد. بذلك، سيقدّم الشعب السوري لمكونه الكردي حقوقه على طبقٍ من ذهب، اعترافا منه بدوره في القضاء على الاستبداد وإقامة الديمقراطية، وسينال الكرد، بنضالهم السياسي وتضحياتهم، ما لن ينالوه بسلاح حزبٍ يضطهدهم وإخوتهم العرب، ويدمر قضاياهم المشتركة، ويسهم، بالخروح على أولويات الثورة، ومناهضة أهدافها، في بقاء النظام القاتل، متسلطاً عليهم، ويهدّد بجرّهم من أجواء الإخاء الذي أوجدتهم شراكتهم في الثورة إلى أجواء عداء مدمر، لا مصلحة لكردي أو عربي فيه. لذلك، لا مفر من إفشال خطط “البايادا” اليوم قبل الغد، لكيلا يصير من الصعوبة بمكان وقف تدهور علاقاتهم الأخوية التي يُرجّح أن تشهد تجدداً وتعمقاً غير مسبوقين في العصر الديمقراطي المقبل الذي صنعاه معاً.

يستميت “البايادا” في سعيه إلى تدمير المشروع الديمقراطي الكردي المنافس، وللقضاء على حملته القياديين والشعبيين الذين يطاردهم بلا رحمة، ويسفك دماءهم، ويحرّض على قتلهم بواسطة أجهزة محترفة، درّبتها مخابرات الأسد، وتقوم اليوم بممارساتٍ مطابقةٍ تمام المطابقة لما تعلمته. يضع الحزب قومجيته في مواجهة الديمقراطية، في طبعتها العربية والكردية الموحدة، ويزعم أنه يضمن اليوم للكرد دولة خاصة بهم، في أرضٍ كردستانية خاصة بهم، كانت على مر التاريخ ملكاً لهم، ويتهم كل من لا يسير وراء نهجه هذا من الطيف السياسي الكردي بالخيانة، والتخلي عن حقوق شعبٍ صارت في متناول اليد، انتزعها من غاصبيها العرب، ولن يتسامح، بعد الآن، مع أي كردي يلعب لعبة أعداء الكرد التاريخيين الذين سيغدرون بهم، في حال سقط الأسد، بينما يقدم”البايادا” لهم أمراً واقعاً، لا ولن يستطيع أحد تغييره، علماً أنه لا يمثل عدواناً على العرب وبقية السوريين، ولا يمس بحقوقهم، ما دام يقيم دولة كردية على أرضٍ غير سورية، لن تكون هناك مشكلات إذا لم يعترض العرب عليها، في حين يحقق قيامها حقوقاً يفترض بهم، إن كانوا ديمقراطيين حقاً، تأييدها.

يؤيد الديمقراطيون السوريون حقوق الكرد القومية، من دون تحفظ، لكنهم يعتقدون أنه يستحيل الحصول عليها، بالتعاون مع نظام الاستبداد، أو في ظله، أو ضمن سياق إقليمي، يتعين بصراعات مصالح دولية، سرعان ما تتخلى عنه، هذه المرة أيضاً، مثلما تخلت عنه بعد اتفاقية سان ريمو، فهي ليست اليوم أيضاً، ولن تكون غداً في مصلحة الكرد أو مؤيده لهم، فضلا عن أنه يستحيل الحصول عليها كحقوق، يتم انتزاعها بالقوة من العرب والترك والإيرانيين، ومن الأفضل والأصح أن يضع الكرد أيديهم في أيدي بقية السوريين، ويسهموا معهم في إسقاط الأسد وإقامة نظام ديمقراطي، يعترف بحقوقهم ويعطيهم إياها كاملة غير منقوصة، لأنهم نالوها بنضالهم المخلص وتضحايتهم النبيلة، ولأن الديمقراطية ستفشل إن تنكرت لها أو قيدتها.
هذان هما الخياران المطروحان اليوم على الكرد وسورية. خيار انفصالي مصيره الفشل، ينضم إليه عن وعي أو لا وعي كل عضو “مجلس وطني كردي”، يتحدث عنه باعتباره خيار الكرد، ويتهجم بلغةٍ قومجيةٍ سخيفةٍ، قدر ما هي ممجوجة على أي عربي يرفضه، ويحذر من نتائجه المرعبة، ويعتبره مشروعاً انفصالياً، واقتلاعياً يشبه المشروع الصهيوني، متهماً إياه بالشوفينية والبعثية، حتى إن كان من الذين ناضلوا ضد “البعث” حتى قبل أن يولد المتهم. إنه مشروع يبقي على الاستبداد، ويتعاون معه، ويمثل جزءاً من منظومته، يرفض الديمقراطية خياراً سورياً عاماً، ويقوّضها عبر سياسات قومجية عدوانية ومسلحة، لا مكان فيها لكرد أو سوريين من غير أتباعه. وخيار آخر، ديمقراطي، أولويته تعاون جميع القوى المعادية للاستبداد، من أجل رحيل الأسد وإسقاط نظامه، وبناء سورية ديمقراطية، ينال الكرد، وغيرهم، حقوقهم القومية فيها، باعتبارها جزءاً من الحقوق المشروعة والقانونية لجميع مكونات الجماعة الوطنية السورية التي يجب أن تتوافق منذ اليوم على شكل الدولة المقبلة ونظامها السياسي الذي لا بد أن يضمن حقوق القوميات وحقوق المواطنة لكل سوري إلى أية جنسية أو اتنية أو مذهب أو طبقة أو دين أو فئة انتمى، وستكفل العيش بسلام وحرية لخلق الله جميعاً، في وطن ينعم أبناؤه بالعدالة والمساواة والكرامة.

هل سيتفاعل الوضع الديمقراطي بإيجابية مع ما قد يطالب به كرد سورية من حقوق، بما في ذلك حقهم في الفيدرالية؟ أعتقد أن عليه الموافقة على ذلك، وأتعهد أن أحاول إقناع بقية السوريين بأنه لا يمس بمصالح بلادنا العليا، وربما كان أفضل الخيارات لها، لأنه يتم في إطار الديمقراطية الجامع، ولا يهدّد وحدة الدولة والمجتمع السوريين، ويريح الجميع.
ويدعي حزب “البايادا” أن أغلبية الشعب الكردي تؤيد مشروعه، وتدين المشروع الآخر، الديمقراطي، وأن إفلات السانحة الحالية يعني التخلي عن حقٍّ ثابتٍ وتاريخيٍّ لشعب مظلوم، يستعيد اليوم جزءاً من “كردستان الكبرى” التي يؤسسها بالتدريج، خطوة تلو خطوة، بعد أن استحال تشكيلها بخطوة واحدةٍ بعد الحرب العالمية الأولى، بسبب نزعات الترك والإيرانيين القومية المتطرفة، وما رافق تشكل دول المنطقة الراهنة من تخلٍّ دولي عن مشروع الدولة الكردية الموحدة التي كانت ستضم أراضيَ عراقية وتركية وإيرانية (ليس بينها أرض سورية). أخيراً، وأمام الضغوط الشديدة التي يتعرّض لها حزب “البايادا”، يزعم قادته، من حين إلى آخر، أنهم لن يتخلوا عن المشروع الديمقراطي، أو ينجروا إلى الانفصال، لكن سلوكهم العملي، وما يثيرونه من عداء مقصود، ومبالغ به، تجاه العرب كـ”دواعش”، يجب القضاء عليهم، ويروجونه من أغاليط حول تاريخ الجزيرة، ويبادرون إلى اتخاذه من إجراءاتٍ في كل قريةٍ أو بلدةٍ يحتلونها. وفي مقدمها إعلانها كردية، وتغيير اسمها العربي، وتهجير سكانها، كلياً أو جزئياً، أو منع عودتهم إليها بالقوة، ونسف قرى عديدة فيها، ورفع علمهم الحزبي وحده في كل مكان، باعتباره العلم الشرعي الوحيد الذي له الاحترام رمزاً وطنياً/ سيادياً، وما يقومون به من عمليات تجنيد وتعبئة وتحريض للشبان الكرد على محتلي وطنهم وغاصبيه العرب، ومن تغيير للمناهج الدراسية “كي تتفق مع أفكار عبد الله أوجلان”، واختيار بعض أتباعهم من شيوخ العشائر العربية شركاء لهم في الحكم، يبرّرون بأدوارهم أكذوبة “الحكم المشترك والديمقراطي” الذي يمثل جميع “القوميات”، فضلا عن وضع دستور لما يسمونه “روج آفا”، كردستان سورية.
ومع أن مستقبل هذا الوهم ليس مضموناً ولن يكون، على الإطلاق، فإنه سيأخذ الكرد إلى عكس ما يعدهم به، إلى خلافٍ تستحيل تسويته خارج إطار الديمقراطية مع سورية وتركيا وإيران، سيجعل من المحال قيام دولة كردية في سورية. هذا إذا افترضنا أن لها مقومات النشوء والبقاء، وسيورّط كردها في حربٍ لا نهاية لها مع العرب والترك والإيرانيين، لن تكون لها أية نتيجة أخرى غير القضاء على المنجز الديمقراطي العظيم الذي يناضل الكرد والعرب، اليوم، من أجل بلوغه. وفي سبيل ما يمكن أن يقدمه لهم من تسوياتٍ تلبي مطالبهم القومية والشخصية التي ستكتسب طابعاً شرعياً وقاونياً، يحتمه دورهم في الصراع ضد الاستبداد وإقامة نظام حياة وحكم جديد، لهم فيه ما لغيرهم من حقوقٍ وواجباتٍ، كمواطنين يحميهم القانون، ويعطيهم حق إدارة شؤونهم بالطريقة التي يختارونها.
ليس هناك بدائل أخرى غير البديل القومجي الكارثي الذي اختاره حزب “البايادا”، ويتعارض أشد التعارض مع البديل الديمقراطي الذي يناضل جميع السوريين من أجل إقامته، والبديل الوطني الديمقراطي الذي اختاره الكرد، في أغلبيتهم الساحقة، ويشاركون اليوم في النضال من أجله، وسيتيح لهم كل ما هم بحاجه إليه للتعبير عن هويتهم القومية ووطنيتهم السورية، في إطار المساواة والعدالة وحكم القانون والمواطنة. لو كان حزب الاتحاد الديمقراطي حريصاً على الكرد، لضم جهوده إلى جهود التيار الثاني، الديمقراطي الذي أفنى معظم كوادره ومناضليه حياتهم في النضال ضد نظام الأسد الاستبدادي، بينما كان هو يتحالف معه، ويعمل في إطار أجهزته وخططه. لكن الحزب مصمم على تقسيم سورية. لذا، من الضروري جداً أن يلعب عموم الكرد دورهم الحاسم في منعه من تحقيق ما يريد، حفاظاً على سوريتهم، وعلى حياتهم وحياة إخوتهم السوريين، ولمنع تدمير وطنهم.

ميشيل كيلو : العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب
إغلاق
إغلاق