سيف يرسل رسالة إلى منظمات دولية و26 دولة للتصدي لحملة الأسد على درعا

سيف يرسل رسالة إلى منظمات دولية و26 دولة للتصدي لحملة الأسد على درعا

أرسل رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية رياض سيف رسالة إلى كل من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية و26 دولة شقيقة وصديقة المزيد

معاناة نازحي الرقة تتفاقم

معاناة نازحي الرقة تتفاقم

قالت منظمة أطباء بلاد حدود إن النازحين من الرقة وريفها يعانون من ظروف إنسانية غاية في الصعوبة. وأضافت أن أغلب النازحين يعيشون في العراء، في ظل نقص حاد بالمياه الصالحة للشرب، وغياب المزيد

ضد إرهاب الـ PYD

ضد إرهاب الـ PYD

تقوم ميليشيات تنظيم pyd الإرهابي بقمع الشباب الكرد ومحاربة تطلعهم إلى الحرية، وقد قامت هذه الميليشيات بأنواع من القمع والاعتقال والقتل والتجنيد الإجباري بحق الكرد نيابة عن نظام الأسد الإرهابي. مرتبط المزيد

ديلن كوننرن الثائر الأمريكي يغني لسوريا : إنها ليست حربا أهلية لكن  هي ثورة

ديلن كوننرن الثائر الأمريكي يغني لسوريا : إنها ليست حربا أهلية لكن هي ثورة

ديلن كوننرن الثائر الأمريكي يغني لسوريا : إنها ليست حربا أهلية لكن هي ثورة ديلن كوننرن الثائر الأمريكي : دكتاتور دمشق يقتل شعبه مرتبط المزيد

إنزال أميركي على مواقع داعش في الرقة

إنزال أميركي على مواقع داعش في الرقة

قالت مصادر متطابقة إن مروحيات أميركية نفذت إنزالا جويا على موقع داعش في قرية شنينه شرقي مدينة الرقة التي يسيطر عليها التنظيم. وحسب احد المصادر من بينها الجزيرة ، قال أن ثمانية المزيد

 

جورج حداد: اغتيال الشيخ رفيق الحريري وصراع الكتل المالية الدولية للسيطرة على المنطقة والعالم

بصدور قرار مجلس الامن ذي الرقم 1701 حول تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي، تحت البند السابع لميثاق الامم المتحدة الذي يجيز استخدام القوة الدولية لجلب ومحاكمة المسؤولين عن اغتيال الشيخ السعودي رفيق الحريري (اللبناني الاصل، الذي جعلوا منه، ربما خلافا للقانون، رئيسا لمجلس الوزراء اللبناني)، تتأكد بشكل لا لبس فيه الاهمية الدولية لهذه الجريمة الكبرى، والتي هي قضية اكبر بكثير من اللعبة السياسية المحلية (اللبنانية) والاقليمية (السورية ـ اللبنانية)، مع انها طبعا ترتبط بهذين الجانبين.

ولم تكد تمضي ايام على صدور هذا القرار، حتى تم اغتيال النائب اللبناني والقانوني المعروف وليد عيدو، احد رجال الحريري البارزين، كي يؤكد القاتل، بالدليل الملموس، انه لا يخشى، وانه اقوى من اي قرار او قانون دولي.

ولعله من الضروري هنا الاشارة الى ان لبنان تعرض للتدمير على مدى اكثر من 15 عاما، والعدوان والاجتياح والتسلط الوحشي على يد اسرائيل والنظام الدكتاتوري السوري، وجرى فيه اغتيال رئيسين للجمهورية ورئيس للوزراء (قبل الحريري)، وعشرات رجالات الدولة، وسفيري الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا، كما هوجم فيه القصر الجمهوري في عهد ميشال عون، وتم اقتحامه وتدميره بوحشية واسر مئات الضباط والجنود اللبنانيين واعدامهم بالجملة بدم بارد من قبل المخابرات السورية، على الطريقة الهتلرية والستالينية، وكان الجناح السياسي اليميني اللبناني يستميت طوال الوقت لـ”تدويل” الازمة اللبنانية، ومع ذلك فإن لبنان كله، وأي من هذه الجرائم بالخصوص، لم تحظ بالاهتمام الدولي الذي حظيت به جريمة اغتيال الشيخ رفيق الحريري.

وهذا يؤكد ان الشيخ رفيق الحريري كان “شخصية دولية” ولم يكن سياسيا “لبنانيا” عاديا، من وزن كرامي او جنبلاط او شمعون او الجميل او عون الخ. وهو اصلا لم يدخل الحياة السياسية اللبنانية “من الداخل”، بل أقتحمها إقتحاما “من الخارج”، وتحديدا من المملكة العربية السعودية. وذلك خصوصا بعد توقيع “اتفاق الطائف”، الذي صدر عن مؤتمر الطائف الذي عقد في السعودية وبرعايتها في 1989، والذي لعب فيه الشيخ رفيق الحريري دورا ملحوظا. وبعد قيام “جمهورية الطائف” في لبنان، “حضر” رفيق الحريري بقوة صاروخية مميزة في الحياة السياسية والمالية اللبنانية، بوصفه ممثلا لقوتين: سياسية، تتمثل بالنفوذ المتزايد للمملكة العربية السعودية على الساحة اللبنانية والعربية. ومالية، تتمثل بـ”الامبرطورية المالية” الخاصة للحريري، ومن ورائها القوة المالية للمملكة العربية السعودية ايضا وايضا.

وبكلام آخر، ان الشيخ رفيق الحريري رحمه الله، كان “رجل مال” و”رجل سياسة” سعودي بامتياز، فرض فرضا على لبنان كجزء من “التسوية الدولية” لوقف “الحرب المحلية والاقليمية والدولية” على الارض اللبنانية. والتعرض لشخصية بهذه “القامة الدولية” يعني التعرض اولا للمملكة السعودية ذاتها، بكل قوتها ونفوذها، والتعرض ثانيا لـ”التسوية الدولية” حول لبنان.

XXX

وليس في لبنان، او في سوريا، او في اي بلد عربي او اقليمي اخر(باستثناء اسرائيل)، قوة، ايا كانت، تجرؤ على التعرض للمملكة السعودية بمثل هذا التحدي، وتعريض “التسوية الدولية” في لبنان للخطر واعادة النظر، دون ان يكون هناك اي بديل منظور لهذه التسوية.

فمثل هذا التحدي يعني ببساطة ان الطرف الفاعل سيتحمل عواقب ردة فعل ساحقة، اقليمية ودولية، اقتصادية وسياسية وامنية وعسكرية، من جانب المملكة السعودية.

وفي ظروف الهجمة الاسرائيلية الشرسة ضد الشعب الفلسطيني، والهجمة الاميركية الاشرس على العراق والاطاحة بنظام صدام حسين وتمزيق العراق شر ممزق، من الغباء المطلق الاعتقاد ان اي قوة محلية، او قوة اقليمية، حتى الدولة السورية افتراضا، يمكنها ان تجرؤ على الدخول في مثل هذا التحدي. وقد رأينا كيف انه تم فورا، وبدون اي عقبات، اعتقال الجنرالات الامنيين الخمسة في لبنان، الذين كانوا يعتبرون اقرب المتعاونين مع النظام السوري، و”اقوى رجال البلد” بالمعنى الامني، وهم لا يزالون معتقلين الى الان بشكل غير قانوني، لمجرد الشبهة، وكيف ان قوات الجيش والمخابرات السورية “ضبضبت كلاكيشها” وانسحبت فورا من لبنان الذي حكمته “على كيفها” قرابة ثلاثين عاما، لمجرد الطلب اليها بالانسحاب والتلميح بامكانية “المشاركة السورية” في الجريمة.

وهذا لا يعني التأكيد على مشاركة او عدم مشاركة اطراف او عناصر لبنانية او سورية او عربية او اقليمية، في جريمة اغتيال الحريري. ولكن مثل هذه المشاركة المفترضة لا تتعدى نطاق “تقديم الخدمات” و”المشاركة التنفيذية” وما اشبه.

اما اتخاذ القرار بتصفية “رجل مال” و”رجل دولة” دولي، بوزن الشيخ رفيق الحريري، تقف خلفه المملكة السعودية بكل ما تمثله على الساحة الدولية، ـ مثل هذا القرار، المقرون بالتنفيذ، لا يمكن ان يصدر الا عن طرف دولي تتوفر فيه ولديه المعطيات التالية:

أ ـ ان يكون هو نفسه قوة دولية اقوى من المملكة السعودية، كي يكون قادرا على تحديها بهذه الطريقة الوحشية التي اقل ما يقال فيها انها “معركة كسر عظم” او “مصارعة حتى الموت”.

ب ـ ان يكون هذا الطرف، اضافة الى قوته الذاتية، له مصلحة في تحدي المملكة السعودية ومزاحمتها على نفوذها، و”لوي ذراعها” و”تطويعها”.

ج ـ ان يمتلك الاهلية والنفوذ السياسي الدوليين اللذين يمكناه من طرح خطة بديلة لـ”التسوية الدولية” حول لبنان التي مثلها “اتفاق الطائف”، على شاكلة خطة “الفوضى البناءة” او “الشرق الاوسط الدمقراطي الجديد” (الذي بشرتنا الآنسة غونداليزا رايس بامكانية ولادته فوق اشلاء اطفال مجزرة قانا الثانية في حرب تموز 2006) او مشروع جورج بوش حول “الشرق الاوسط الاكبر” (طبعا الدمقراطي!!!).

د ـ ان يمتلك القدرة على تشويه وتغيير معالم مسرح الجريمة (بالمعنى الفني الضيق: اي مكان وقوع الانفجار الآثم وكل ما يتعلق بالجريمة من مراقبة ارضية والكترونية واقمار اصطناعية الخ)، و(بالمعنى السياسي الواسع: اي لخبطة الوضع السياسي في البلد ككل، لتشويه وتعتيم الرؤية السياسية واخفاء الاطراف التي تقف خلف الجريمة، تماما كما جرى في جريمة اغتيال جون كندي وامثالها).

وقد جاء اصدار القرارات من الامم المتحدة حول لبنان، اولا بتوسيع صلاحيات واعداد وتسليح قوات اليونيفيل الدولية في لبنان، وثانيا بتشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي تحت البند السابع لميثاق الامم المتحدة، ـ جاءت هذه القرارات، الهادفة الى وضع لبنان تحت الوصاية الدولية عامة والاميركية خاصة، لتؤكد “الطابع الدولي” (فوق المحلي، فوق الاقليمي) لعملية اغتيال الشيخ رفيق الحريري.

XXX

ان مقتل الشيخ الحريري في 1951، ومقتل جون كندي في 1963 ثم شقيقه روبرت كندي، ومحاولة اغتيال البابا في 1981، ونسف برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 ايلول 2001، لا تزال حتى الان عمليات “غامضة” خاضعة لمختلف التأويلات والفرضيات، بالرغم من مرور اكثر من عشرين واربعين سنة على بعضها.

وفي زمن كزمننا، اصبحت فيه الكتل المالية الدولية اقوى من الدول الكبرى ذاتها، بل هي التي تحرك الدول الكبرى، ناهيك عن الوسطى والصغرى، يحق لنا، وبشكل منطقي تماما، ان نطرح الفرضية التالية:

ان هذه العمليات الاجرامية الكبرى، منذ اغتيال الرئيس جون كندي الى اغتيال الشيخ رفيق الحريري، هي عمليات “دولية” مترابطة، ترتبط بالصراع بين الكتل المالية العالمية التالية:

ـ الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية (التي تدخل في اطارها “المافيا الايطالية”، الكاثوليكية الانتماء الديني، ولكن الاميركية والصهيونية الارتباط المصلحي والبنيوي)؛

ـ الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية (التي تدخل فيها كأحد اهم الاجنحة: المانيا، نصف الكاثوليكية ـ نصف البروتستانتية، ولكنها المشبعة بروح “الثأر” من اليهود والانغلو/ساكسون)؛

ـ والكتلة المالية ـ النفطية (الفتية) العربية – الاسلامية، التي تمثل المملكة السعودية مركزها المحوري الرئيسي.

ان هدف كل من هذه الكتل هو السيطرة (او توسيع حصة المشاركة في السيطرة) على العالم. وهي تتعاون فيما بينها، وتتزاحم، وتتحارب، في الوقت ذاته، من ضمن منطق السيطرة الآحادية او المشاركة في السيطرة العالمية.

XXX

ان الصراع بين الكتل المالية الوطنية لاجل اعادة اقتسام المستعمرات والاسواق المالية هو السبب الجوهري والرئيسي لاندلاع الحربين العالميتين الاولى والثانية.

وبعد الحرب العالمية الثانية، وبسبب الدمار الهائل الذي ادى الى اضعاف جميع الدول في اوروبا، كانت الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية هي المستفيد الاكبر من “اعادة الاعمار”. ولكن بالرغم من ان هذه الكتلة نالت حصة الاسد، الا ان ضخامة ورشة اعادة الاعمار، أعطت لجميع الكتل المالية الاخرى فرصا كبيرة للتوظيفات، وللتوسع الرأسمالي العامودي في المنطقة الاوروبية الغربية ـ الاميركية ذاتها. ومن ثم شهدت هذه الفترة مرحلة “شهر عسل” في ما بين الكتل المالية المختلفة. وهو ما ساعد في خلق الاجواء المناسبة لتكوين “الحلف الاطلسي” بزعامة اميركا المتصهينة، ولتشكيل “الاتحاد الاوروبي” الذي لم يكن بعيدا عن النفوذ الاميركي، ضد “الكتلة السوفياتية” السابقة، كما وضد بقية اجزاء العالم.

وفي النطاق الاقليمي العربي ـ الاسلامي، تميزت هذه المرحلة بمعلمين:

الاول ـ ارتياح الممالك والامارات والمشيخات والجمهوريات العربية ـ الاسلامية النفطية للنوم في “الحضن” الغربي، ولا سيما الاميركي؛ ومن ثم تكديس عائدات النفط في البنوك الاميركية بشكل رئيسي.

والثاني ـ إعطاء اسرائيل فسحة طويلة من الوقت، كي تشن الحروب، وتتقوى، وتتوسع على حساب العرب، حيث ان اميركا واوروبا الغربية لم تكونا تحسبان اي حساب جدي لأي ممانعة او معارضة في “السوق المالية ـ النفطية” العربية ـ الاسلامية. فحتى حينما عمد الملك السعودي الراحل فيصل بن عبدالعزيز الى استخدام سلاح النفط في حرب تشرين 1973، كان ذلك بشكل “مسيطر عليه” (يقال ان الملك فيصل حينما سئل لماذا لم يترك سعر برميل النفط يرتفع اكثر حينذاك، اجاب انه لا يريد المساعدة في نشر الشيوعية!!). ومع ذلك دفع الرجل حياته ثمنا لهذا “الازعاج المحدود” لحسابات وخطط الكتل المالية العالمية المسيطرة (تم اغتياله على يد احد الامراء السعوديين في يوم الثلاثاء 25 اذار 1975، ولم يكشف رسميا ـ ايضا ـ حتى الان، عن الدافع الحقيقي الى قتله. ولكن غالبية التحليلات تميل الى القول بأن الاميركيين والانكليز هم الذين يقفون خلف اغتياله، بسبب استخدامه سلاح النفط لصالح الجانب العربي). وفي هذه المرحلة بالذات تحولت اسرائيل الى معسكر حربي ضخم، يسمى مجازا دولة، يوجد فيه ثالث او رابع اقوى جيش في العالم، ويمتلك احدث واخطر الاسلحة، وعلى رأسها اسلحة الدمار الشامل، الذرية والكيماوية والجرثومية، واقماره التجسسية الخاصة، والصواريخ متوسطة وبعيدة المدى التي تطال كل النقاط الحيوية في المنطقة واي نقطة اخرى في العالم اجمع بما في ذلك اميركا نفسها، التي هي ايضا ـ كبلد ـ رهينة في قبضة الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية التي تعتبر اسرائيل “دولتها الخاصة الوحيدة” بالمعنى الحرفي للكلمة.

ـ وفي هذه “المرحلة المريحة” بالذات استفادت دول ما يسمى “النمور الاسيوية” من “انشغال” و”تغاضي” الكتل المالية الاميركية ـ الاوروبية، كي تحقق ما سمي “معجزات” اقتصادية.

XXX

ولكن بعد ان تمت دورة اعادة الاعمار الاوروبية، توقفت حكما دورة التوسع الرأسمالي العامودي في اميركا واوروبا الغربية، وانتهت مرحلة “شهر العسل” بين الكتل المالية، وبدأت الحرب الضارية من جديد فيما بينها، وبدأت مرحلة “التوسع الافقي” للتوظيف وتصدير الرساميل، والتفتيش المحموم عن “اسواق مالية” جديدة، خارج نطاق اوروبا الغربية واميركا. وقد تمخضت هذه المرحلة عن نتيجتين رئيسيتين، وان كانتا ليستا في المستوى ذاته من الاهمية:

النتيجة الاولى، الاقل اهمية: قيام الضواري المالية الغربية، ولا سيما اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية (لنتذكر “طيب الذكر” النصّاب الدولي جورج سوروس)، بـ”افتراس” “النمور الاسيوية” بين ليلة وضحاها، كما يفترس الذئب او الثعلب بعض الغنم او الدجاج. فانهارت البورصات والاقتصادات الوطنية في اندونيسيا وماليزيا والفيليبين وغيرها كبناء من كرتون. وقد جنبوا (حتى الان!) كوريا الجنوبية وجزيرة فورموزا (تايوان) الصينية من المصير نفسه، من اجل استخدامهما كمتراسين اماميين بوجه التنين الصيني الصاعد.

ولكن هذه الفريسة الصغيرة لم تكن طبعا لتشبع نهم الرأسمال الغربي المتكدس المأزوم الذي اصبح يحسب بمئات الوف مليارات الدولارات، والذي يتحول بسرعة الى وحش اسطوري ضار لا يسعه اي قفص، ولا يضبطه اي قيد، في سعيه لافتراس الفرائس (الاسواق المالية) الجديدة. من هنا جاءت “الخبطة” او “الضربة” الكبرى للامبريالية العالمية، المتمثلة في الاقدام على تدمير المنظومة السوفياتية والاتحاد السوفياتي السابقين.

XXX

النتيجة الثانية، الاكثر اهمية هي “فتح” روسيا واوروبا الشرقية واسيا الوسطى:

في مرحلة “الحرب الباردة” و”الثنائية القطبية الدولية” و”سباق التسلح” و”الرعب النووي المتبادل”، كان القياديون الاميركيون خاصة يسمون الاتحاد السوفياتي “امبراطورية الشر”.

ولكن بالحقيقة ان الاتحاد السوفياتي ومنظومة دول اوروبا الشرقية التي كانت تابعة له، بموجب “اتفاقات يالطا”، لم يكن كله “شر”، من وجهة نظر مصالح الامبريالية الاميركية والصهيونية العالمية بالذات.

فمنذ الانقلاب الستاليني (البيروقراطي ـ الصهيوني) المعادي للاشتراكية في 1924، اخذت تحكم وتسود وتستبد في الاتحاد السوفياتي شريحة (شبه طبقة) بيروقراطية مؤلفة من جناحين: “قومي شوفيني روسي” و”يهودي صهيوني كوسموبوليتي”.

وكانت هذه الشريحة الطبقية المختلطة والملتبسة تلتقي، وتختلف، على نقطتين:

أ ـ تعظيم الدور “الامبراطوري” لروسيا؛

وـ ب ـ التعاون وتقاسم المصالح وتبادل الخدمات، ضمن الاختلاف، مع الدول الامبريالية الغربية الكبرى وعلى رأسها اميركا.

وعلى هذه الارضية العامة فان الشريحة الطبقية الحاكمة في “امبراطورية الشر” السوفياتية، التي كانت تدعي الاشتراكية والشيوعية، كانت تقدم خدمتين كبيرتين لـ”المعسكر الامبريالي”، المسمى حينذاك “العالم الحر”:

الاولى ـ لجم الثورات التحررية، ايا كانت، في “منطقة النفوذ الغربية” (بموجب اتفاقات يالطا، التي التزم بها ستالين والبيروقراطية السوفياتية من بعده). وذلك عبر النفوذ الذي كانت القيادة السوفياتية، وخاصة بواسطة مخابراتها وبوليسها السياسي، تمارسه على الاحزاب الشيوعية وحركات التحرير، كي لا تذهب تلك الثورات “الى النهاية”. وهذا ما يقتضي اجراء مراجعة نقدية شاملة لتاريخ الحركة الشيوعية في العالم، وهذا ما تتقاعس عن القيام به الاحزاب الشيوعية التقليدية. ونكتفي هنا بتقديم المثلين التاليين:

أ ـ كانت القيادة الانتهازية السوفياتية، منذ ايام ستالين، تلتزم بـ”مبدأ” المحافظة على اميركا اللاتينية كمنطقة نفوذ اميركية، وعدم دعم اي حركة ثورية فيها معادية لاميركا. وبالمقابل، فإن المخابرات الاميركية كانت تعمل، ومنذ تسهيل تصفية تروتسكي جسديا في 1940، على مساعدة المخابرات السوفياتية لمنع نشوء “جيوب” شيوعية تروتسكية وغيرها “معادية للقيادة الانتهازية السوفياتية، المزورة والمعادية للشيوعية” (وهو ما كان يسمى زورا “معاداة السوفيات” و”معاداة الاتحاد السوفياتي”).

وعملا بهذا “المبدأ”، حاولت القيادة السوفياتية، عبر قيادة الحزب الشيوعي الكوبي السابق بزعامة بلاس روكا، ان تقف ضد ثورة كاسترو في 1956، ولكن حينما اشرفت الثورة على الانتصار في 1959، فإن الحزب الانتهازي لبلاس روكا انضم الى الثورة كي يمارس التأثير عليها من اجل لجمها “من الداخل”. وبعد الانتصار، طرح ارنستو تشي غيفارا فكرة تحويل كوبا المحررة الى قاعدة ثورية لممارسة الكفاح المسلح واشعال ثورة تحررية في اميركا اللاتينية بأسرها؛ فاختلف مع كاسترو ـ ذي الميول الاكثر محافظة؛ فدعمت القيادة السوفياتية و”شيوعيوها” الكوبيون كاسترو ضد غيفارا. وغادر غيفارا كوبا. وبدأ نشاطه الثوري في “الحوش الخلفي” لاميركا، مما يعتبر تحديا للتفاهم الاميركي ـ السوفياتي بموجب “اتفاقات يالطا”. وحينذاك تحركت “آلية اتفاق يالطا”. وحينما “اكتشفته” المخابرات الاميركية والسوفياتية في بوليفيا، تعاون الطرفان على اصطياده: فقامت القيادة الشيوعية البوليفية المسوفتة بتحديد مكانه لفرق الموت الاميركية، التي قامت على الفور بتصفيته جسديا. وحينما قتل غيفارا، فإن جريدة “الاخبار” الشيوعية اللبنانية، التي كانت تمولها المخابرات السوفياتية، نشرت بضعة اسطر عن مقتله، واصفة اياه بشماتة، وبكل خسة ستالينية، بأنه “الثائر المغامر الجوال”!!!

ب ـ بعد طرد قوات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في اعقاب الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982، كانت القيادتان الاميركية والاسرائيلية (ليس بدون “معرفة” القيادة السوفياتية) تخططان لتحويل لبنان الى محمية اميركية مشتركة (اسرائيلية ـ سورية). ولكن دينامية الصراع على الساحة اللبنانية ومستوى الوعي والصلابة النضالية المتراكمين لدى الجماهير الشعبية اللبنانية حتـّما ظهور “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” بقيادة الشيوعيين، ومن ثم “المقاومة الاسلامية” بقيادة حزب الله، ضد اسرائيل. وان مجرد بروز الشيوعيين في المقاومة كان بحد ذاته يمثل عنصر ازعاج كبير للمخططات الاميركية ـ الصهيونية ـ “النظامية العربية”، في المنطقة ككل، وفي العالم اجمع. لان إعطاء وجه عصري، لاديني، تقدمي وذي بعد اشتراكي، للمقاومة الشعبية العربية لاسرائيل، كان من شأنه التأثير على الشارع والرأي العام التقدمي في العالم بأسره، بما في ذلك في النطاق اليهودي وداخل اسرائيل بالذات. وهذا لا ينتقص ابدا من اهمية دور المقاومة ذات البعد والوجه الاسلاميين. بل على العكس انه يشكل إضافة نوعية، فكرية وسياسية، طبقية واجتماعية، وطنية وقومية واممية، الى المقاومة الشعبية العربية لاسرائيل. وهذا في حين ان اميركا والصهيونية تجدان ان “اهون الشرين” بالنسبة لهما هو امكانية حصر المقاومة في الاطار الاسلامي، وذلك للاسباب التالية:

ـ التمكن من عزلها عن الرأي العام التقدمي العالمي.

ـ منع تأثيرها في عملية خلخلة “المجتمع الاسرائيلي” ذاته من الداخل، وتأليب اليهود المضللين حول الصهيونية التي تتلطى خلف “الطابع الديني” (“الحضاري”، بالقاموس الاميركي: هنتنغتون) للصراع.

ـ واخيرا، التمهيد لشق المجتمع العربي ذاته على الاساس الديني ـ المذهبي، وحرف المقاومة عن طريقها الصحيح.

وامام هذا الخطر النوعي، اي خطر بروز وجه شيوعي للمقاومة، طلب الاميركيون من “طابورهم الخامس” في القيادة السوفياتية، عبر “الخط الاحمر” بين البيت الابيض والكرملين، استخدام النفوذ السوفياتي المباشر لدى العناصر المسوفتة في قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، ولدى النظام السوري، لالغاء مشاركة الشيوعيين في المقاومة. وكانت هذه آخر خدمة قدمتها زمرة غورباتشوف للبيت الابيض، قبل تفكيك الاتحاد السوفياتي. وفي هذه الاجواء التآمرية، جرى توريط شباب حزب الله والحزب الشيوعي اللبناني في قتال اخوة غير مبرر على الاطلاق، وتم اغتيال المفكر الشيوعي العربي الكبير حسين مروة، وعدد من المثقفين البارزين والكوادر والمناضلين الشيوعيين، نذكر منهم حسين حمدان (مهدي عامل)، سهيل الطويلة، خليل نعوس، سليم يموت وغيرهم. ولكن قمة هذه الاجواء العدائية ضد الشيوعيين، لمنعهم من المتابعة في خط “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”، كانت تتمثل في القمع والحصار والمضايقات التي مارستها ضدهم الاجهزة الاستخبارية التابعة للنظام السوري الدكتاتوري العميل “مزدوج” بل “متعدد الوجوه”.

واذا كان النظام السوري نظاما دكتاتوريا ـ مكيافيليا عميلا وخائنا، عن سابق تصور وتصميم، ومسلكه لا يدخل في باب “التجربة والخطأ”. فالامر ليس كذلك بالنسبة لحزب الله، الذي اثبت تاريخيا وطنيته واخلاصه وصدقيته. وهذا ما يدفعنا الى القول بأنه، اي حزب الله، مطالب تاريخيا بتقديم نقد ذاتي واضح وجريء حيال تلك الاخطاء الفادحة. واقل ما يقال في هذا الصدد ان حزب الله، بالتصدي لمشاركة الشيوعيين في المقاومة الوطنية، ساهم من حيث لا يريد في تنفيذ السياسة والخطط الاميركية والصهيونية، التي قام هو لمحاربتها.

ولكن كل الظروف السلبية التي واجهت “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية” لم يكن بمقدروها وقف نشاطها، ولا تبرر ابدا اقدام القيادة الشيوعية اللبنانية المسوفتة على التراجع عن خط المقاومة. فهذا التراجع يعود في الاساس، الى النفوذ السوفياتي على تلك القيادة، وبالتالي الى انتهازيتها الذاتية. ويكفي ان نعطي مثلا الان بشخصية سياسية مثل السيد الياس عطالله، الذي كان ـ من خلال موقعه الحزبي السابق ـ يشغل مركزا قياديا في “جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية”، والذي تحول بقدرة قادر الى نائب ـ اجير وبوق صغير في المافيا السياسية للتروست المالي لعائلة الحريري، وهو “يناضل” اليوم لاجل “السيادة والاستقلال!!” في المساحة السياسية الضيقة بين السفارة الاميركية والسفارة الفرنسية والسفارة السعودية. واقل ما يمكن ان يقال في هذا “التحفة البشرية” انه خائن لدماء شهداء المقاومة، كان ولا يزال “سوفياتيا” بامتياز.

XXX

والخدمة الاساسية الثانية التي كانت “امبراطورية الشر السوفياتية” تقدمها للمعسكر الامبريالي الغربي بزعامة اميركا، هي ان المنظومة السوفياتية كانت تستخدم كحجة وكمبرر لسباق التسلح بين القطبين. وصناعة التسلح كانت هي حقل التوظيف الرئيسي للكتل المالية الامبريالية ولا سيما الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية. ولذلك فإن هذه الكتلة كانت، من خلال مصالحها التوظيفية، بأشد الحاجة لوجود “العدو السوفياتي”.

لقد حقق المعسكر الامبريالي الغربي التفوق في سباق التسلح، ليس لان الرأسمالية هي النظام الافضل كما تدعي ابواقها المشؤومة، بل كأنعاكس او كتجسيد لتفوق الامبريالية في تكديس الرساميل في الغرب، وهو التكديس الناشئ عن النهب الامبريالي المضاعف لشعوب الشرق خاصة. ولكن سباق التسلح، بحكم طبيعته المعادية للوجود البشري بأسره، وصل منذ وقت بعيد الى اللحظة الحرجة التي اصبح فيها عبثا ولا معنى ولا جدوى له. اذ ان كل من “المعسكرين” السابقين تكدس لديه من اسلحة الدمار الشامل ما يكفي لتدمير الكرة الارضية بأسرها مرات عدة. وبفضل النهب المضاعف لشعوب الشرق، وعن طريق التنازل عن جزء من الارباح الاسطورية للمحافظة على مستوى معيشة في الغرب ارقى نسبيا من مستوى المعيشة المزري في الشرق، فإن الامبريالية الغربية نجحت بتبليد المجتمع المدني الغربي وتحويله الى مجتمع استهلاكي يتلهى عن الحقائق الجوهرية للمجتمع الانساني بما فيها المجتمع الغربي ذاته. ومع ذلك، فإن المجتمع المدني في الغرب، بما في ذلك في اميركا، بدأ يشعر بالخطر على وجوده بنتيجة سباق التسلح، وبدأ يمارس الضغط بالاتجاه المعاكس، اي باتجاه النزع التدريجي للتسلح، ولا سيما الاسلحة النووية والاسلحة المابعد ارضية، التي تدخل ضمن مفهوم “حرب النجوم” العبثية.

وهكذا، دخلت الامبريالية العالمية وعلى رأسها الاميركية ـ الصهيونية في تناقض وجودي:

ـ فمن جهة كانت حاجة الكتل المالية الى التوظيف تزداد وتتفاقم، بسبب تقلص دورة اعادة الاعمار الاوروبية؛

ـ ومن جهة ثانية ، فإن الادارة الاميركية كانت حريصة على عدم تعريض مصير الامبريالية للخطر، وان لا تعطي المجتمع المدني الغربي حجة لـ”قلب اللعبة”، وتهديد المجتمع الاميركي والغربي الراكد بالدخول في “مرحلة اعاصير” غير متوقعة النتائج. ولذا، فهي كانت مضطرة لتوقيع اتفاقيات نزع السلاح مع الاتحاد السوفياتي السابق، الامر الذي نتج عنه التقليص الكارثي لفرص التوظيف في صناعة التسلح ايضا.

XXX

امام هذا الوضع الحرج جدا للكتل المالية العالمية، وقفت هذه الكتل على المفترق الصعب بين الخيارين:

ـ اما انفجار الاوضاع الاقتصادية ـ الاجتماعية ـ السياسية، داخل المجتمعات الغربية وعودة “شبح الشيوعية” لتهديد الرأسمالية الغربية في عقر دارها. وتمثلت بعض نذر هذا الخطر في ما يسمى “ربيع باريس” في 1968، وفي اندلاع عدة نزاعات عنصرية، سببها الرئيسي الفقر، في اميركا.

ـ واما الانقضاض على “الحلقة الضعيفة”: روسيا وبلدان الكتلة السوفياتية السابقة، ونهبها والاستيلاء على خيراتها وتحويلها الى حقل استثمار جديد للتوظيفات المالية النهمة.

وهكذا تم الايعاز الى “الطابور الخامس” المرتبط بالامبريالية العالمية داخل الشريحة الطبقية الحاكمة في الاتحاد السوفياتي والكتلة السوفياتية السابقين، لتحضير وتنفيذ الانقلاب الغورباتشوفي تحت الشعارات الدمقراطية الكاذبة، لاسقاط القلعة السوفياتية من الداخل. لقد بدأت الحرب العالمية الثانية باستيلاء هتلر على “الحلقتين الضعيفتين”: تشيكوسلوفاكيا (بموافقة “الدمقراطيات” الغربية عبر “اتفاق ميونيخ” المعيب)، وبولونيا (بموافقة “ابي الشعوب” الخائن الاكبر للشيوعية ستالين، عبر “اتفاق مولوتوف ـ روبنتروب”). وبالطريقة ذاتها، بدأت عملية الانقضاض على الكتلة السوفياتية ايضا بـ”الحلقتين الضعيفتين”: تشيكوسلوفاكيا وبولونيا.

ونجح الطابور الخامس في قلب الاوضاع في الاتحاد السوفياتي وبقية بلدان الكتلة الاوروبية الشرقية بشكل سلمي وشبه سلمي، باستثناء رومانيا ويوغوسلافيا.

ففي رومانيا، التي كانت بعيدة نسبيا عن النفوذ السوفياتي المباشر، اضطرت الكا جي بي والسي آي ايه والموساد للتعاون فيما بينها لاجراء “عملية استئصال جراحية” لنظام شاوشيسكو واعتقاله هو وزوجته و”محاكمتهما صوريا” واعدامهما بطريقة جبانة وخسيسة تفتقر الى الحد الادنى من القانونية والشرعية.

ولكنه من المعبر جدا بهذا الصدد، ان الحلقة الوحيدة التي بقيت مستعصية على السقوط امام الهجوم الغورباتشوفي، هي الدولة اليوغوسلافية التي، ومنذ الاختلاف بين ستالين وتيتو في 1947 وتطهير الطابور الخامس الستاليني في يوغوسلافيا، كانت تتمتع باستقلالية نسبية كبيرة عن نفوذ القيادة السوفياتية (التي كانت تضطلع بدور العدو الشكلي، ولكنها بالواقع الحليف الضمني والعميل السري الكبير للامبريالية الغربية). وهذا ما اضطر الدوائر الامبريالية العالمية، بمعاونة عملائها و”اصدقائها” في الانظمة الرجعية العربية والحركات “الاسلامية!!” المشبوهة والغبية، للتآمر من اجل تفجير النزاعات والحروب الداخلية في يوغوسلافيا بهدف كسر “الحلقة الصربية” المستعصية بالدرجة الاولى. وحينما تعذر ذلك، اضطرت اميركا والحلف الاطلسي لشن الحرب الظالمة على الشعب الصربي في 1999، واجتياح واحتلال يوغوسلافيا بالقوة. ومن ثم اسر الرئيس الشرعي للبلاد وتحويله الى “المحاكمة الدولية” الصورية، حيث تم قتله غيلة في السجن على يد المخابرات الاميركية التي احترفت الاجرام الدولي المنظم.

ХХХ

ان “الجائزة الكبرى” التي كانت الكتل المالية الغربية تنتظر الحصول عليها هي طبعا: روسيا، ومن ثم الجمهوريات “السوفياتية” السابقة الاخرى ولا سيما الاسلامية، لما تمثله جميعا من حقل واسع للتوظيفات الرأسمالية.

ولكن القيادة البيروقراطية السوفياتية، التي كانت تتشكل من مزيج من العناصر المنحرفة والخائنة والعميلة، ومن ورائها الشريحة الطبقية المتسلطة التي تمثلها، انقسمت بشكل واضح على نفسها الى جناحين، تمحورا حول مكوّنيْها الرئيسيين:

ـ الجناح الشوفيني، البيروقراطي الروسي.

ـ والجناح الكوسموبوليتي، اليهودي الصهيوني والروسي المتصهين.

لقد اتفق هذان الجناحان على قلب ما يسمى “النظام الاشتراكي”، والاستيلاء على الملكية العامة، الدولوية والتعاونية الخ، واعلان اعادة الرأسمالية علنا وعلى المكشوف.

ولكنهما اختلفا على نقطة مفصلية وهي:

ـ هل تتجه روسيا الى السير في الطريق الرأسمالي “القومي” الخاص بها.

ـ ام تتجه نحو التحول الى شبه مستعمرة غربية وحقل توظيف للرساميل الغربية، تستحوذ على حصة الاسد فيه الرساميل اليهودية؟؟؟

وكان الخائن غورباتشوف يمسك العصا من وسطها ويحاول التوفيق بين الجناحين، خوفا من مضاعفات احتمالات الوعي الشعبي لماهية المؤامرة الكبرى التي تعرض لها الاتحاد السوفياتي وخصوصا روسيا.

وفي احداث اب 1991، حاول الجناح الشوفيني الروسي البيروقراطي ان يمسك بزمام الامور. ولكنه كان يخشى من جماهير الشعب الروسي اكثر مما يخشى من الجناح الاخر. ولهذا لم يحسم امره لجهة استعمال السلاح، او والتصفية الجسدية الفورية او اعتقال ومحاكمة الخونة عملاء الامبريالية الغربية غورباتشوف، يلتسين، تشيفارنادزه واضرابهم. الا ان الجناح الاخر، الذي كان على صلة مباشرة بالبيت الابيض الاميركي ويتلقى الاوامر منه دقيقة بدقيقة، فقد كان اكثر حسما، حيث صعد السكير يلتسين الى ظهر دبابة، وامر بقصف البيت الابيض الروسي، البرلمان، بالمدفعية الروسية، وتم اعتقال “الانقلابيين” وسوقهم الى السجون “الدمقراطية” على الطريقة الاميركية.

وفي عهد حكم يلتسين سيطر الجناح الكوسموبوليتي، الصهيوني والمتصهين، على روسيا. وبدا حينذاك وكأن “العصر الذهبي” الجديد للكتل المالية العالمية، وعلى رأسها اليهودية ـ الانغلو/ ساكسونية، قد بدأ. وفي هذه المرحلة، ظهرت روسيا وكأنها اصبحت اشبه شيء بمستعمرة تحكمها وتتحكم بها المافيات المالية اليهودية. ولتسهيل مهمتها، عمدت هذه المافيات لتحريك “حليفها الستراتيجي”، المتمثل في المعارضات والحركات “الدمقراطية!!” و”القومية!!” و”الاسلامية!!” العميلة والمشبوهة، في جورجيا واوكرانيا والشيشان وآسيا الوسطى وغيرها.

امام هذه المخاطر التي كانت تهدد روسيا بالزوال من الخريطة، بالمعنى الحرفي للكلمة، بدأت “عودة الروح” الى الوطنية الروسية والى الحركة الشيوعية الروسية، تماما كما حدث ضد هتلر والصهيونية معا خلال الحرب العالمية الثانية. وعلى هذه الخلفية تحرك الجناح البيروقراطي الروسي الشوفيني، من جديد، لاخذ دوره واحتلال الواجهة الوطنية الروسية. وكان الانقلاب الابيض لفلاديمير بوتين، وتمت ازاحة يلتسين وعصابته بدون اراقة دماء، مقابل الوعد له بعدم المساس به وبافراد عائلته الغارقين حتى الاذنين في الفساد والعمالة.

وبعد ان كانت العصابات الصهيونية المرتبطة خاصة باميركا، على وشك ان تضع يدها نهائيا على قطاع النفط والغاز والقطاع المصرفي والاعلام في روسيا، بدأ هجوم “روسي” مضاد، بقيادة بوتين، الذي اعتمد بشكل مباشر على قطاعات اجهزة الامن والجيش والصناعة الحربية، كما على الدعم الضمني من قبل التيارات “القومية” و”الشيوعية”. وتطورت بالتدريج عملية كف يد تلك العصابات الصهيونية المرتبطة بالغرب والمعادية لروسيا، واخذ يتضح اكثر فأكثر اتجاه روسيا نحو شق طريقها الرأسمالي “القومي” المستقل. وبدلا من ان تصبح روسيا مابعد الشيوعية “مدى حيويا” وسوقا للكتل المالية الغربية، اخذت تبرز كمزاحم رأسمالي كبير جديد للامبريالية الغربية وخاصة لاميركا والصهيونية العالمية. وهذا العامل الجديد على المسرح الدولي من شأنه ان يقلب اللعبة السياسية الدولية رأسا على عقب، في مستقبل غير بعيد، يرتبط بتبلور كتلة مالية روسية دولية تتألف من الطبقات البرجوازية الجديدة في دول المنظومة السوفياتية السابقة وتتمحور حول البرجوازية الروسية الجديدة ذات الامكانات والاحتياطات الاقتصادية والمالية الهائلة المقرونة بالقوة العسكرية الجبارة، المتطورة والمخيفة، والنفوذ السياسي التاريخي للدولة الروسية.

وبشن الحرب على العراق والرفع الصاروخي لاسعار النفط، قدمت اميركا مكرهة خدمة كبرى لا تريدها لروسيا. فبفضل زيادة عائدات النفط، تمكنت روسيا من تعويم ميزانية الدولة التي كانت العصابات الصهيونية قد نهبتها وافلستها واغرقتها في الديون بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وبالاعتماد على مداخيل النفط والطاقة، يعمد الحكم الروسي الجديد الى تنشيط القطاعين الاقتصاديين ـ السياسيين ـ العسكريين اللذين يعتمد عليهما: الجيش وصناعة الاسلحة، بالاضافة الى اجهزة المخابرات التي جاء منها بوتين وغالبية الكادر القيادي المحيط به. وقد بدأت نتائج النهج الاقتصادي ـ العسكري ـ السياسي الجديد لروسيا تنعكس بسرعة ووضوح في السياسة الخارجية، حيث عادت روسيا، ولكن من مواقع غير ايديولوجية، للتصدي لسياسة الهيمنة الدولية الاميركية ـ الصهيونية. واخذت روسيا تتحرك من جديد، وبقوة، على الجبهات الاوروبية والآسيوية والعربية ـ الاسلامية. وأي تحليل موضوعي سيقود الى الاستنتاج بأن روسيا هي التي تقف الان خلف، او على الاقل تدعم، تحريك ازمة امتلاك السلاح الذري من قبل كوريا الشمالية، وامتلاك الطاقة الذرية (وضمنا وسرا القنبلة الذرية) من قبل ايران. كما تقف خلف تزويد حزب الله (الشيعي اللبناني) بالمعلومات الاستخبارية الضروروية والاسلحة الصاروخية والالكترونية المناسبة، التي اسهمت في هزيمة اسرائيل على يد مقاتلي حزب الله الابطال في حرب تموز 2006. هذا ناهيك عن التعاون مع الصين وكوريا الشمالية وايران وغيرها على صعيد الصواريخ وغيرها من الاسلحة المتطورة. وليس من المستبعد، في حال قيام اي مواجهة عسكرية كورية شمالية ـ اميركية، او ايرانية ـ اميركية، او ايرانية ـ اسرائيلية، او اسرائيلية ـ لبنانية، ان تنطلق بعض الصواريخ من الاراضي الروسية نفسها لتصب حمولتها غير الحميمة على القواعد الاميركية والاسرائيلية وربما المدن الاميركية ذاتها، وهي ـ اي هذه الصواريخ ـ تحمل اعلام كوريا الشمالية وايران (واذا دعت الحاجة: وعلم حزب الله) بدلا من العلم الروسي، في الوقت الذي تكون فيه الحكومة الروسية تتظاهر بالوقوف على “الحياد” وتضطلع رسميا بدور “وسيط” في النزاعات القائمة وتشجب صوريا استخدام العنف والارهاب من هذا الطرف او ذاك.

في الحرب العالمية الثانية خدع هتلر نفسه حينما شن “عملية بربروسا” ضد الاتحاد السوفياتي، بهدف السيطرة على اراضيه الشاسعة وثرواته غير المحدودة، والانطلاق منه للسيطرة على العالم اجمع. وبالاضافة الى جيشه العنصري، الحديث والضخم، كان هتلر يعتمد على عنصريين داخل الاتحاد السوفياتي: الاول ـ بعض العناصر والجيوب الخيانية المكشوفة، المرتبطة بالنازية (كحزب “الطاشناق” الارمني، وبعض “القوميين” الاوكرانيين، وبعض “الاسلاميين!!!” المزيفين والحمقى، وطبعا بعض بقايا انصار القيصرية البائدة). والثاني، وهو الاهم ـ الطبيعة الخيانية الاساسية، المعادية للشيوعية، للقيادة الستالينية التي لم يكن قد جف بعد حبر توقيعها على اتفاقية “مولوتوف ـ روبنتروب”؛ وكان ـ اي هتلر ـ يعتقد ان الجنراليسيموس ستالين، من اجل الاحتفاظ بسلطته جنبا الى جنب هتلر، سيتبع خطى المارشال بيتان في فرنسا. ولكن النتيجة كانت معكوسة: إذ انطلق المارد الشعبي الروسي والسوفياتي، وحطم النازية في عقر دارها، ووضع العالم بأسره على حافة انتصار الاشتراكية، لولا الخيانة المستمرة لستالين الذي حول تحالفه من هتلر الى روزفلت وتشرشل، فوقع “اتفاقات يالطا” التي قدم بموجبها الضمانات بأن القيادة السوفياتية ستدعم بقاء الرأسمالية والامبريالية والصهيونية العالمية.

ولعله ليس بعيدا اليوم الذي ستأخذ فيه الكتل المالية الغربية والاميركية وخصوصا الصهيونية، بإبداء الندم العميق على تدمير النظام السوفياتي، بالاعتماد على “الطابور الخامس” في القيادة السوفياتية والشريحة الطبقية الحاكمة في الاتحاد السوفياتي السابق. لأن “عملية بربروسا” الجديدة هذه لم تؤد الى تحقيق هدف السيطرة على روسيا وبلدان الاتحاد السوفياتي السابق وتحويلها الى شبه مستعمرات اميركية ـ صهيونية. بل ـ وبفعل سقوط المسخرة الايديولوجية، “الشيوعية” او “الاشتراكية” المزيفة، التي كانت تتقيد بها القيادة السوفياتية البيروقراطية المتحالفة مع الصهيونية منذ عهد الفرعون ستالين ـ فإن المارد الرأسمالي “القومي” الروسي قد انطلق من ذلك القمقم الايديولوجي، الذي كان يخفي التآمر بين القيادة السوفياتية والامبريالية والصهيونية العالمية. فتلك القيادة المنحرفة والخائنة كانت تستخدم المسخرة الايديولوجية، لخداع واخضاع الشعوب السوفياتية والحركة الشيوعية العالمية، لمصلحتها الطبقية الضيقة ولمصلحة الامبريالية والصهيونية العالمية. وفي الوقت نفسه كانت هذه العملية المعقدة تلجم الرأسمالية “القومية” الروسية من الانطلاق بحرية وبكل طاقتها وجبروتها ليس فقط في مواجهة جماهير شعبها، بل كذلك وفي مواجهة الكتل الرأسمالية الغربية والصهيونية، وبأساليبها الملتوية ذاتها. وهو ما بدأنا نشهده في هذه الايام.

XXX

وبعد ان عجزت الكتل المالية العالمية عن افتراس الدب الرأسمالي الروسي الذي ابرز لها مخالبه المخابراتية والمافياوية وكشر عن انيابه الصاروخية، الموروثة من العهد السوفياتي، بدأت تتراجع امامه مكرهة. وفي هذه الحالة التقهقرية الواقعية ، التي تتناقض تماما مع كل مظاهر القوة التي تدعيها وتمارسها ضد الجماهير العزلاء والفقيرة في افغانستان والعراق وفلسطين ولبنان والصومال والسودان، عادت تلك الكتل الى دفاتر الاستعمار القديمة، لـ”تكتشف” من جديد “العالم القديم” الذي انطلقت اليه، وترعرعت ونمت فيه ظاهرة الفتوحات الاستعمارية، منذ الاسكندر المقدوني، وامبراطورية روما، الى الحملات الصليبية، الى الحملة الشرقية لنابوليون الاول، ومغامرة رومل الفاشلة، والاستعمار التقليدي الاسباني والبرتغالي والهولندي والايطالي والفرنسي والانكليزي، واخيرا اسرائيل والصهيونية والامبريالية الاميركية. ونعني بهذا “العالم القديم”: الشرق العربي ـ الاسلامي، الذي يسمى بالمصطلحات الغربية ـ الصهيونية: الشرقين الادنى والاوسط وافريقيا الشمالية، او ـ كما سماه مؤخرا جورج بوش ـ “الشرق الاوسط الاكبر”.

وكما يتضح من الاجتماعات الاقتصادية الدولية بخصوص الشرق الاوسط، التي عقدت في قطر والاردن، بحضور اسرائيل طبعا، فإن المشروع المالي ـ التجاري الاول الذي تزمع الشركات والكتل المالية الغربية والعالمية تنفيذه هو تحويل حوض البحر الابيض المتوسط الى منطقة تجارية موحدة، هي مرشحة لان تصبح ليس اهم منطقة مالية ـ تجارية في العالم، بل المحور الرئيسي لحركة التبادل والبورصات والمضاربات وألعاب القمار والتهريب والتزوير وتجارة المخدرات في العالم اجمع. وفي هذا الاطار العام، يدخل إنشاء شبكة طرقات سريعة وسكك حديدية عابرة للقارات، تلف جميع شواطئ البحر الابيض المتوسط، وترفدها شبكة شاملة من خطوط الطيران والمواصلات البحرية. وكل ذلك تحت عنوان “الاجواء المفتوحة” كما وصفها الشيخ رفيق الحريري حينما استلم رئاسة الوزارة اللبنانية لاول مرة بعد توقيع اتفاق الطائف في المملكة السعودية.

وانطلاقا من ذلك تطمح الكتل المالية العالمية الى تحويل الشرق العربي ـ الاسلامي الى “مزرعة” كبرى لتوظيف ورعاية الرساميل التي تختنق الان في سراديب البنوك الاميركية والغربية، بحيث بدأت البنوك تمتنع عن دفع فوائد عليها مهما كانت متدنية، بل ان بعضها أخذ يفرض “فائدة معكوسة” على تلك الرساميل، وهو ما يسمى “فائدة خدمة الودائع”.

وعلينا ان نشير هنا، وبالخط العريض، ان توظيف الرساميل لا يعني البتة التنمية ورفع معدلات الانتاج ومستوى المعيشة. بل ربما يكون الارجح هو العكس. فاللعبة الاقتصادية المالية هي شيء مختلف تماما عن التنمية، الاجتماعية والعلمية والانتاجية، ومختلف بالاخص عن عملية الانتاج. وذلك يعود الى طبيعة التوظيفات المالية والاهداف المرسومة لها. ويكفي ان نعطي مثالا الوضع اللبناني الحالي. فاذا نظرنا الى الوضع الاقتصادي اللبناني من الجانب المالي، لوجدنا ان مختلف المؤشرات المالية الرئيسية: وضع الليرة اللبنانية، القطاع المصرفي، ميزان المدفوعات، نسبة الفوائد، ميزانية الدولة وخدمة المديونية العامة… هي بألف خير، كما يقال تقليديا، بل وفي تقدم وتحسن. ولا شك ان المافيات المالية ـ السياسية، وعلى رأسها مافيا الحريري وشركاه، هي طبعا بألف خير (رئيس وزراء سابق من مافيا الحريري، اصبح احد المليارديرية وفي لائحة اغنى اغنيار العالم. اما رئيس الوزراء “الحريري” الحالي فهو اشهر من ان يعرّف في عالم الفساد والاثراء غير المشروع). وتحاول هذه المافيات ان تضحك على بعض اللبنانيين المغفلين، بالادعاء ان الوضع الاقتصادي للبنان هو بخير طالما ان وضعه المالي هو بخير. ولكن اذا نظرنا الى الوضع الاقتصادي من الجانب الانتاجي والاجتماعي والانساني ومستوى المعيشة ومستوى الخدمات الصحية والتعليم العام ونسبة البطالة ونسبة الهجرة لوجدنا ان وضع الشعب اللبناني هو في منتهى السوء وفي حالة من التردي المتزايد. ومن هذا التناقض الصارخ بين تحسن الوضع المالي وتردي الوضع الاقتصادي والانساني للشعب اللبناني يمكن حتى الاستنتاج وكأن الهدف المقصود من التوظيفات المالية في لبنان هو تحديدا، وعن سابق تصور وتصميم، تدمير الاقتصاد الوطني، والتخريب السياسي والامني والانتاجي. ويمكننا ببساطة تسمية ذلك حربا اقتصادية حقيقية ضد الشعب اللبناني، تأتي في تساوق مع الحرب المستمرة (بالمعنى العسكري والامني)، والمتمثلة بالعدوان الدائم الذي يتعرض له لبنان على ايدي الجيش الاسرائيلي والنشاط المتواصل لشبكات التخريب “الداخلية”. واذا كان من اهم اهداف الحرب العسكرية والامنية: قتل وطرد اكبر عدد ممكن من اللبنانيين، فإن هذه الحرب الاقتصادية تهدف ايضا الى اجبار اكبر عدد ممكن من اللبنانيين على الهجرة، وفي الوقت ذاته تثبيت وتحسين وضع فئة معينة من اللبنانيين المنضويين في اطار مؤسسات الدولة وبعض قطاعات الخدمات، لا سيما منها الخدمات الترفيهية و”الخدمات” المشبوهة المتعلقة بالجريمة المنظمة والدعارة والمخدرات والتزوير والتهريب واخيرا لا آخر المنظمات الارهابية (كفتح الاسلام) التي تتضافر على تمويلها وتسليحها ودعمها: المملكة السعودية والمملكة الاردنية والنظام الدكتاتوري السوري ومافيا الحريري. ان غالبية المواطنين اللبنانيين الشرفاء اصبحوا يعانون الامرين كي يستطيعوا الاستمرار في العيش في لبنان. وفي هذه الظروف الصعبة جدا، اصبح من المشاهد المألوفة ان تجد اعدادا متزايدة من الاشخاص “العاديين”، وعائلاتهم، ليس لهم اي دخل انتاجي او وظائفي مشروع واي دخل آخر معروف، ومع ذلك فهم يعيشون في مستوى جيد وتبدو عليهم كل آثار “النعمة” والغنى. وتشير كل الدلائل ان الخطة المالية ـ الاقتصادية “الناجحة” في لبنان تهدف الى فرز اللبنانيين العاديين الى: اقلية من المرتزقة وخدم الرأسمال المالي والحثالات والتافهين والاوباش والزعران واللصوص والقتلة المحترفين، كي يبقون في لبنان الذي يصبح “لهم”. اما اكثرية الشعب العنيد فيتم التضييق عليها بمختلف الاشكال ولا سيما المعيشية كي تترك لبنان و”تطفش” في اربع زوايا الارض.

ولكن للوصول الى هدف تحويل الشرق الاوسط الاكبر الى مزرعة توظيف رساميل، فإن الكتل المالية العالمية اصطدمت وتصطدم بعقبة الصراع العربي ـ الاسرائيلي. وهذا ما يظهر في الوضع العربي ـ الاسلامي بشكل عام، وفي الوضع اللبناني والفلسطيني بشكل خاص. وهكذا انتقلت السياسة الاقليمية (الشرقأوسطية) للكتل المالية العالمية من مرحلة زرع اسرائيل وتثبيتها وتوسيعها في المنطقة، بما كانت تقتضيه من حروب عدوانية وتوسعية “ضرورية”، الى مرحلة فرض “السلام الاسرائيلي” على المنطقة، القائم على “مبدأ” الاعتراف بوجود اسرائيل، كقوة موازية بل ومتفوقة على الكيانات العربية اجمعين، وتطبيع العلاقات معها على اساس مثل هذا الاعتراف. وجاءت المبادرات “السلمية” العربية، وآخرها مبادرة الملك السعودي عبدالله، لتستجيب لمتطلبات هذه المرحلة.

XXX

ان القاموس السياسي في الشرق العربي ـ الاسلامي قد ابتذل ايما ابتذال، وهو يطفح بالمهازل والمآسي. فكلمات وشعارات مثل: الوحدة والحرية والاشتراكية، والتحرر والتقدم، والنظام الوطني والتقدمي، والجبهة الوطنية والتقدمية، وحرب التحرير، والدمقراطية، والتنمية وغيرها كثير كثير، لم تفقد معناها وحسب، بل وأعطيت معان معاكسة ومورست في ظلها ابشع الممارسات والدكتاتوريات وارتكبت افظع الخيانات.

واذا كانت عبارة “السلام” قد اصبحت شعار المرحلة الراهنة في الصراع العربي ـ الاسرائيلي، فهذا لا يبشر بأي خير، ولا يعني البتة ان المنطقة ستتجه نحو الهدوء، ونحو استتباب السلام الحقيقي، القائم على العدل واعادة الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني في وطنه، والاتجاه نحو اعادة البناء والازدهار والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والانساني. بل ان العكس هو الصحيح.

لقد كان دخول الاستعمار التقليدي الى المنطقة، وتقسيمها الى دويلات بموجب “اتفاقية سايكس ـ بيكو” و”وعد بلفور”، وبالا على الشعوب العربية وعلى العالم بأسره.

وان “السلام الاسرائيلي” الذي تريد الآن الكتل المالية العالمية فرضه على الشعوب والدول العربية هو أشد وبالا من اتفاقية سايكس ـ بيكو ذاتها. ولننظر عن قرب الى مجريات الاحداث ضمن ما تخطط له وما تريده الكتل المالية من المنطقة، بهدف تحويلها الى مزرعة توظيف رساميل ومنطقة تجارية موحدة ذات “اجواء مفتوحة”، اي بلاد مستباحة جوا وبرا وبحرا:

1 ـ نظرة عامة: حينما أنشئت دول “اتفاقية سايكس ـ بيكو”، كانت الدول الاستعمارية على عجلة من امرها، وقد حشرها حينذاك اندلاع ثورة اكتوبر الاشتراكية في روسيا، التي فضحت تلك “الاتفاقية” بين قطاع الطرق الاستعماريين والصهاينة . فتم حينذاك تقطيع اوصال الامة العربية، وتركيب الدول والدويلات القطرية “العربية” بأسرع ما يمكن. ولهذا انشئت دول منمنمة او دول عائلية، على قياس بعض آبار النفط، او على قياس عباءة او سيوف بعض شيوخ العشائر، كما جرى خصوصا في الخليج. ولكنه في الوقت نفسه انشئت، بناء على التقسيمات الادارية الموروثة من العصر العثماني، دول “كبيرة” (سكانيا) وعريقة تاريخيا مثل مصر، او متوسطة سكانيا ولكنها غنية الموارد وذات طابع روحي مثل المملكة السعودية، او كبيرة وغنية مثل العراق، او صغيرة ولكنها ذات طابع حضاري مميز مثل فلسطين ولبنان. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ففي مرحلة النضال ضد الاستعمار التقليدي في لبنان وسوريا ومصر والاردن والجزائر الخ الخ، وكذلك في الصراع الفلسطيني/العربي ـ الاسرائيلي، نشأت وتقوت الروح الوطنية العربية ولو في أطر وقوالب قطرية. هذان العاملان: 1 ـ وجود دول قطرية عربية قوية، اقتصاديا او سياسيا او عسكريا او روحيا؛ و2 ـ انطلاق الروح الوطنية العربية ـ القطرية؛ لا ينسجمان بأي شكل من الاشكال مع خطة تحويل الشرق الاوسط الكبير الى منطقة مالية ـ تجارية “مفتوحة الاجواء” حسب تعبير الشيخ رفيق الحريري. ذلك ان وجود مثل هذه “المنطقة المفتوحة”، في الظروف الراهنة، وفي تقسيمات “سايكس ـ بيكو” ذاتها، لن يكون تحت السيادة الاميركية ـ الصهيونية المطلقة؛ بل سيكون في كل لحظة تحت رحمة “نزق” وتقلب اي دكتاتور او حاكم اقليمي قوي كصدام حسين او “تعالي” و”عنجهية” ملك ما كعبدالله بن عبدالعزيز، والاخطر: تحت رحمة اي حركة وطنية واسلامية نضالية صادقة كحزب الله، او ارهابية مشبوهة ومتقلبة وغدارة كالقاعدة، وغيرهما.

ولهذا فإن الشرط الاول لتحقيق “المنطقة المالية ـ التجارية المفتوحة” في الشرق الاوسط هو: تفتيت المنطقة تفتيتا تاما، التدمير والقضاء التام على المجتمع العربي بمعناه الحضاري والتاريخي والسياسي، والمسخ التام لمفهوم المواطنة بمعناه الوطني والدولوي والحقوقي؛ وتحويل المواطنين الى “سكان” و”مقيمين” مثلهم مثل اي مقيم طارئ. وما على هؤلاء “المقيمين” الا ان يشكروا ربهم على السلامة من المجازر الطائفية والعشائرية والحزبية والسلطوية، ويشكروا الميليشيات “التكفيرية” المشبوهة واجهزة المخابرات المجرمة العميلة، على توفير رقابهم من الذبح وجلودهم من السلخ واعراضهم من الفضح، ويقبـّلوا ايادي اولياء النعمة (اصحاب البنوك والوكالات التجارية وفنادق الالف ليلة وليلة ونوادي القمار والمواخير الملكية، جنبا الى جنب قطيع المخنثين من ملوك ونجوم “الفن” و”الاعلام” الممسوخ) كي يقبلوا بهم ويدعوهم يعيشون “بسلام” حراسا وخدما ومنظفي مراحيض لدى الامراء والباشوات والبكوات والافندية والخواجات و”ريـّاس” المافيات والسياسيين الخونة والقوادين والعاهرات وحتى “الغلمان” المستقدمات والمستقدمين من مشارق الارض ومغاربها. وهذا يعني ان المشروع الاميركي ـ الصهيوني الجديد للمنطقة (الذي عمدوه باسم مزدوج هو: “الفوضى البناءة” و”نشر الدمقراطية”) يقتضي اعادة رسم خريطة المنطقة على القاعدة التالية: ارض (جغرافيا) بلا هوية وطنية او قومية، ومقيمون افراد (لا شعب) بلا انتماء وطني او ديني او عقائدي، وبلا شرف ولا كرامة شخصية، وبلا حقوق انسانية ايا كانت.

وعلينا ان نعترف، بكل اسف، انه، لتحقيق هذه الخطة الجهنمية، فإن اجهزة المخابرات الغربية عامة والاميركية والاسرائيلية خاصة، وبالتعاون مع الانظمة العربية العميلة والمشبوهة و”الاسلام!!!” النفطي، استطاعت ليس فقط ان تمد اذرع اخطبوطها لدى كل المركـّبات التقليدية للمجتمعات العربية والاسلامية، بل بالاخص ان تركـّب ايضا عدة شبكات و”ادوات عمل” وحركات (اسلامية!!) (بدءا من حركة “طالبان” و”المجاهدين الافغان” وغيرهم، وانتهاءا بـ”فتح الاسلام!” في لبنان). وتوضع امام هذه “الشبكات” و”الادوات” المهمات الاساسية التالية:

أ ـ الامعان في عملية تمزيق وتفتيت وتدمير المجتمع العربي والاسلامي، عن طريق “التكفير” وقتل المثقفين والتقدميين والمسيحيين وغيرهم من ابناء “الاقليات” الدينية والقومية، وخطف وقتل المدنيين الاجانب الذين لا علاقة لهم بالاحتلال بمن فيهم اصدقاء العرب والقضية الفلسطينية والعربية، واضطهاد وقتل النساء، ونسف دور العبادة، والمدارس، والاسواق الشعبية، والذبح وقطع الرؤوس والتعذيب والتمثيل بالجثث.

ب ـ اختراق المقاومة الوطنية والاسلامية الشريفة للاحتلال الاميركي والاسرائيلي، تسهيلا لسحقها. ولهذه الغاية، ومن اجل التضليل المخابراتي، فإن اجهزة المخابرات الاميركية والاسرائيلية تسمح في بعض الحالات للشبكات المرتبطة بها بالمشاركة ببعض العمليات المحدودة ضد قوات الاحتلال. ولكن المؤشر العام لـ”نشاط” هذه الشبكات هو على وجه التحديد توجيه الصراع في “الاتجاه الآخر”، اتجاه الاجرام والارهاب الاعمى والفتن والنزاعات الداخلية، البعيد كل البعد عن الصراع مع قوات الاحتلال ومع الامبريالية والصهيونية. ومن الامثلة الصارخة على ذلك: ان عمليات “الطالبان” ضد الاحتلال الاميركي والاطلسي لافغانستان لم يخرج الى الان عن المستوى الرمزي والفولكلوري، الذي يهدف الى الاجهاض المسبق لاي مقاومة شعبية حقيقية واسعة للاحتلال، اكثر بكثير مما يهدف الى ممارسة الضغط على الاحتلال وطرده، والذي يهدف في الاخير الى اقتسام المغانم (وخصوصا: زراعة وتجارة الافيون) والسلطة مع الاحتلال ذاته. والشيء ذاته واكثر ينطبق على شبكة “القاعدة” في العراق، التي توجه سلاحها نحو الفتنة الداخلية وضد الشيعة والمسيحيين والصابئة والشيوعيين والاكراد؛ كما انها ـ اي “القاعدة” ـ لا تزال حتى الان “تبحث” عن الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، ولا تستطيع ان تجده. اما المجموعة المشبوهة “فتح الاسلام!!” التي ظهرت مؤخرا في لبنان (التي “جمعت المجد من كل اطرافه” حيث يرتبط زعيمها ” شاكر العبسي” بالمخابرات الاردنية، وهي كانت تتلقى المساعدات التسليحية من النظام الدكتاتوري السوري والمساعدات المالية والتغطية السياسية من كتلة الحريري) فإنها لم تجد عدوا لها في لبنان سوى الجنود البسطاء للجيش اللبناني، الذين قامت بذبحهم بشكل غادر على طريقة الزرقاوي في العراق. وقد استخدمت هذه المجموعة كأداة للتحريض ضد اللاجئين الفلسطينيين ولاثارة فتنة لبنانية ـ فلسطينية.

ج ـ اعطاء صورة سلبية قاتمة جدا عن الاسلام، تكثف وتجسد أبشع ما في التاريخ المملوكي والعثماني والامامي (اليمني) من ممارسات رجعية بشعة (باسم الاسلام!!). والهدف: اظهار الاسلام، كدين وكنظام حكم وكسلوك اجتماعي، بأنه حالة ظلامية متخلفة ووحشية لا علاقة لها بالحضارة الانسانية، وذلك بهدف تسويد وجه النضال الوطني للجماهير الشعبية الاسلامية ضد الاحتلال والاستعمار والامبريالية والصهيونية، وتبرير السياسة العدوانية والحروب التدميرية ضد الشعوب العربية والاسلامية، وإظهار سياسة الهيمنة الاميركية بمظهر “المنقذ” للعرب والمسلمين.

XXX

2 ـ “الدمقراطية” الاميركية في العراق: واذا اخذنا العراق نموذجا، فإن هذه الخطة “السلمية” الجهنمية تقتضي، فيما تقتضي، كما اسلفنا، تدمير وتفتيت جميع الدول والجماعات العربية التي تمتلك حدا ادنى من القوة المالية والاقتصادية والدينية والسياسية. ويأتي على رأسها حاليا تدمير الدولة العراقية السابقة ككل، وتفتيت كل مقوماتها القومية والاتنية والدينية كل على حدة. ولا يستبعد تجزئة العراق الى دويلات “امر واقع” عدة، ولو لم تعلن رسميا (على طريقة “دولة” كوسوفو، التي يتزعمها المدعو هاشم تاجي، المتاجر بالاسلام، والذي هو في الحقيقة عميل للمخابرات الاميركية ورجل مافيا مجرم سفاح ومهرب مخدرات وتاجر نساء ومسروقات). ويمكن ان يتم تسليم المنطقة الكردية والتركمانية وبعض المناطق السنية في الشمال الى النظام الفاشي التركي الموالي لاميركا. اما الشيعة والاكراد والاثوريون فسيعمل على سحقهم وتمزيقهم شر ممزق، لان الامبريالية لا تقبل النزعة التحررية والاستقلالية والتقدمية التي تطبع التاريخ النضالي للجماهير الشعبية لهذه الفئات، بصرف النظر عن المواقف الخيانية الحالية لبعض القيادات التي ستذهب عاجلا او آجلا الى مزبلة التاريخ، “رجلها على رجل” الاحتلال مهما طال او قصر زمنه.

XXX

3 ـ وهنا علينا ان ننظر الى ثلاث صيغ، او مشاريع، تريد كل من هذه الكتل المالية العالمية الثلاث التوصل الى تحقيق احداها لـ”مستقبل” “الشرق الاوسط الاكبر” (حسب تسمية القاموس الاميركي):

الاولى ـ هي الصيغة التي تريدها الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/سكسونية: وهي تنطلق من التفوق العسكري (وبالتالي السياسي) الكاسح الذي تمتعت به اسرائيل حتى الان، مقابل تهافت جامعة الدول العربية وتفكك منظمة المؤتمر الاسلامي، والاتفاقات الاستسلامية في كامب دايفيد واوسلو ووادي عربة، والسقوط الاقتصادي المخزي للنمرين الاسيويين الاسلاميين (ماليزيا واندونيسيا)، وحروب الخليج وصولا الى احتلال العراق وتمزيقه اربا؛ ـ استنادا الى كل ذلك تطمح هذه الكتلة الى تحويل “الشرق الاوسط الاكبر” الى منطقة نفوذ ومصالح اميركية ـ صهيونية، لا يشاركها فيها اي شريك بأي شيء كان، الا ما تتنازل هي عنه للاخرين كفتات المائدة.

ونظرا للنفوذ الاميركي ـ الصهيوني الخاص على تركيا (الاتاتوركية ـ الاسلامية)، فإن الكتلة المالية العالمية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية تطمح الى العمل لجعل “الشرق الاوسط الاكبر” بالاضافة الى تركيا “كتلة اقتصادية وسياسية وعسكرية” واحدة ذات ميزات خاصة (بحر من النفط، بحر من “الاسلام!!!” الرسمي والارهابي المدجن اميركيا، بحر من الرساميل الفائضة، سوق كبيرة، كتلة هائلة من اليد العاملة الرخيصة القادرة على مزاحمة الصين ذاتها، تكنولوجيا رفيعة، مناطق غير قانونية محمية قانونيا تمارس فيها جميع انواع التزوير واعادة انتاج جميع الماركات المشهورة في العالم، شبكة مواصلات قارية، جيشان من اقوى جيوش العالم هما: الاسرائيلي والتركي، معززان بوحدات من “المرتزقة الاجانب”، من جهة، و”المجاهدين الاسلاميين!!!”، من جهة اخرى، من جميع انحاء العالم)، بحيث تشكل هذه الكتلة رمحا طويلا وصلبا موجها الى روسيا والصين، من جهة، والى قلب “الاتحاد الاوروبي” بالذات، من جهة ثانية، ويمكن ان تكون قاعدة “شرقية” اميركية عملاقة تضطلع بدور بديل للحلف الاطلسي ذاته، للتخلص من “اعباء” اي شراكة اميركية ـ اوروبية اذا دعت الحاجة.

الثانية ـ وهذا ما تطمح اليه الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية: ان يكون شرق وجنوب البحر الابيض المتوسط والشرقين الادنى والاوسط (حسب مفردات القاموس الاوروبي) مدى حيويا و”حوشا خلفيا” للاتحاد الاوروبي (كما هي اميركا اللاتينية للولايات المتحدة الاميركية)، وجسرا افروآسيويا للتواصل والتعامل مع عوالم الشرق الاقصى (الهند والصين)، من جهة، واوربا الشرقية وروسيا من جهة اخرى، بهدف خلق سوق عالمية كبرى يمثل الاتحاد الاوروبي قلبها ومحركها، وهو ما يمكن ان تستند اليه الكتلة المالية الكاثوليكية للعودة الى التحرك من جديد داخل الولايات المتحدة، على الاقل من اجل كشف القتلة الحقيقيين والاسباب الحقيقية لقتل جون كينيدي في 1963، ولمحاولة قتل البابا يوحنا بولس الثاني في 1981(!!!)، و”رد التحية” لهم، ومن ثم استعادة نفوذها والهيمنة على الولايات المتحدة ذاتها.

والثالثة ـ وهذا ما تسعى اليه بهدوء وسلاسة الكتلة المالية ـ النفطية العربية ـ الاسلامية، بزعامة المملكة السعودية: استنادا الى النجاح النسبي حتى الان لتجربة “مجلس التعاون الخليجي”، التحويل التدريجي للشرق العربي ـ الاسلامي الى ما يشبه “الاتحاد الاوروبي”، بالاستفادة من الامكانات الاقتصادية والمالية للدول العربية ـ الاسلامية النفطية بالاخص، ومن التواصل الجغرافي، والتقارب الروحي المتمثل في الرابطة الدينية، من جهة، وبالاستفادة، من جهة ثانية، من العلاقات الجيدة التي تمتلكها هذه الكتلة مع جميع الدول الاوروبية واميركا، وغيرها من القوى الكبرى في العالم، كروسيا والصين واليابان والهند. وضمن هذا السياق يأتي التحرك النشيط للمملكة السعودية في اطار السياسة الخارجية، والعمل الحثيث لتفعيل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي، ومحاولة الدخول بقوة على خط السعي لايجاد تسوية “سلمية” للنزاع العربي ـ الاسرائيلي، بحيث اصبحت “المبادرة السلمية السعودية” هي المزاحم الاول لـ”الوساطة” الاميركية على هذا الصعيد.

وهنا لا بد من وضع علامة تشديد سميكة على وجود “مشروعين”: يهودي ـ انغلو/ساكسوني، وكاثوليكي ـ اوروبي، لـ”فلسطين” ما بعد اقامة “السلام”:

ـ فالكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، الاكثر “براغماتية” و”عقلانية” و”عملانية”، تريد ان تنزع عما يتبقى من “فلسطين” التاريخية (اي “الدويلة الفلسطينية” الموعودة) اي بعد “وطنيا” و”قوميا” و”دينيا” و”ثقافيا” و”حضاريا”. وان تستغل الاصل “الفلسطيني ـ العربي” و”العربي ـ المسلم” و”العربي ـ المسيحي” لبقايا الفلسطينيين، المغلوبين على امرهم والمسحوقين، ليعملوا كسماسرة ـ واجهة، وكخدم ـ واجهة، في خدمة الرأسمال اليهودي ـ الانغلو/ساكسوني، لدى بقية العرب والمسلمين، تماما كما يعمل بعض الخدم في الفنادق الكبرى في بعض البلدان، الذين يتم إلباسهم اللباس التقليدي “العربي” لتقديم النارجيلة او القهوة العربية وما اشبه، او تماما كما يعمل حامد قرضاي او زلماي خليل زاده كرجلين اميركيين من اصل افغاني، او كما كان يعمل فيليب حبيب، كرجل دبلوماسي اميركي من اصل لبناني. وتخطط الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية لتحويل “الدويلة الفلسطينية” الى “منطقة حرة” لاقتصاد الظل: مغسلة كبيرة للاموال القذرة، منطقة حرة لنوادي القمار الدولية، عاصمة دولية لشبكات التهريب، برا وبحرا وجوا، عاصمة دولية للمافيات على مختلف اشكالها، “مشغل دولي” لتزوير العملات والتحف الفنية والجواهر الثمينة، “سوق” او “مصرف دولي” للمسروقات الثمينة من كافة ارجاء العالم، وغير ذلك من اشكال والوان “البيزنيس” المافيوي. وانه لمن المعبر جدا انه ما ان وقعت اتفاقية اوسلو الخيانية، وقبل ان تنشأ “الدويلة الفلسطينية” رسميا، وقبل ان تنجح حماس في الانتخابات التشريعية وقبل ان تسيطر على غزة، بدأت اندية القمار تنتشر في الاراضي الفلسطينية، وبدأت المافيات ترفع رأسها بشكل واضح، واصبح لها وجودها المكشوف داخل “السلطة الوطنية الفلسطينية”، وهذا اول الغيث.

ـ اما الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/ الاميركية )ونواتها ما يمكننا تسميته ماليا “شركة الفاتيكان الدولية” بكل ما تمتلكه من اموال منقولة وغير منقولة(، فإن المؤشرات تشير الى انها تهيئ لفلسطين مستقبلا “ماليا” لا ينفصل عن البعد الروحي، على طريقة دور مكة المكرمة بالنسبة للمسلمين. ويقوم هذا المشروع على تحويل فلسطين التاريخية بشكل تدريجي ومتوازن (القدس التي يريد الفاتيكان ان يجعل لها وضعا دوليا خاصا، اراضي ” الدويلة الفلسطينية” و”اسرائيل”) الى مشروع سياحي هائل، يكون هو الاضخم في العالم وفي التاريخ، تحت عنوان “الحج الى الاماكن المقدسة” و”السياحة الى الاماكن التاريخية”، بكل ما يرتبط بهذه الصناعة من حرف ومهن ثانوية ولكنها ذات مداخيل خيالية (ماذا يمنع ان تنشأ صناعة وتجارة لبيع زجاجات ملونة صغيرة تحوي قطرات من مياه الاردن التي اعتمد فيها السيد المسيح، او مياه طبريا المقدسة التي سار عليها السيد المسيح. وصناعة وتجارة لبيع قارورات حجرية صغيرة تحوي بضع حبات من تراب مهد المسيح او قبر المسيح. الخ. الخ.).

فيما مضى صرخت دهماء اليهود، بايعاز من قادتهم المتعاونين مع روما، طالبين إطلاق اللص وصلب المسيح: “ليكن دمه علينا وعلى ذريتنا”. ومهما بلغ من تسامح الفاتيكان وصفحه عن اليهود، بصفته الدينية، وانطلاقا من المواقف السياسية الممزوجة بالمشاعر الانسانية، فإنه، بصفته الرأسمالية، “لا يستطيع” ان يسمح بأن تسيطر اسرائيل على مثل هذه التجارة المسيحية “المقدسة”، لأن صلب المسيح وابادة الفلسطينيين هو خطيئة انسانية يجوز دينيا غفرانها؛ اما انتزاع الارباح الخيالية المفترضة للتجارة بالمقدسات المسيحية، من الكتلة المالية الكاثوليكية، فهو شيء آخر تماما، يرتبط بالمصالح الوجودية للنظام الرأسمالي، الذي لا دخل له ولا مكان فيه للمشاعر الانسانية من قريب او بعيد.

ومن المؤشرات الدالة على هذا المشروع الكاثوليكي (الفاتيكاني ضمنا واساسا) للقدس والدويلة الفلسطينية وفلسطين التاريخية ما يلي:

أ ـ المشروع القديم للفاتيكان حول الوضع الدولي الخاص للقدس كمدينة سلام مفتوحة. وهو المشروع الذي لم يتخل عنه الفاتيكان الى الان، بل يعمل بكل هدوء لتمريره، وهو يستفيد لهذه الغاية من مأزق السياسة الاميركية وغبائها وعجزها عن ايجاد الحلول “السلمية”، المرضية لمختلف الاطراف في الصراع العربي ـ الاسرائيلي.

ب ـ رعاية الفاتيكان لما يسمى “حوار الاديان” ولا سيما “الحوار المسيحي ـ الاسلامي”.

ج ـ الدور السياسي المعتدل، لبنانيا وعربيا، للفاتيكان وللبطريركية المارونية في لبنان، المتميز عن مواقف الجماعات المسيحية المتعصبة وخصوصا المرتبطة باسرائيل، مثل عصابات “القوات اللبنانية” وجيش لحد في لبنان.

د ـ القرار التاريخي للفاتيكان بالسماح بأن يحتل مركز البطريركية اللاتينية في فلسطين احد رجال الدين من سكان البلاد الاصليين، اي العرب، وهو ما لم تسمح به الى الان الكنيسة الارثوذكسية، للاسف.

هـ ـ تبني الفاتيكان للمطران المناضل ايلاريون كبوجي، بعد اعتقاله في اسرائيل بتهمة مساعدة المقاومة.

و ـ اشراك رجل دين كاثوليكي بارز، هو البطريرك ميشال الصباح، في قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

ز ـ الدفاع عن الاماكن المقدسة المسيحية وحمايتها من التعديات الصهيونية.

ح ـ واخيرا لا آخر يمكن الاشارة الى الدور المباشر للفاتيكان في زواج المرحوم ياسر عرفات من السيدة المسيحية الفلسطينية سهى الطويل عرفات.

XXX

4 ـ يتميز النزاع العربي ـ الاسرائيلي بتعقيدات شديدة، سياسية ـ اقتصادية ـ دينية شديدة، تاريخية وراهنة. وللتقرب من فهم طبيعة هذا النزاع وتعقيداته، لا يمكن سوى النظر الى الصراع الشديد بين الكتلتين الماليتين الدوليتين (اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، والكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية)، حول: اي مستقبل تريد كل من الكتلتين للبنان، ولفلسطين، في مرحلة “السلام”.

ولا يكاد يحتاج الى التأكيد انه، في الصراع بين هذين الجبارين، فإن الكتلة المالية الثالثة، العربية ـ الاسلامية، التي هي اصغر حجما ماليا، ولكنها اعظم نفوذا اقليميا، بسبب خصوصيتها العربية والاسلامية، تميل الى تأييد ومساندة ومساعدة الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية. وقد اخذت هذه الكتلة الثالثة تعمل لتحقيق مكاسب خاصة اوسع لها، عن طريق اللعب على التناقض بين الكتلتين الكبيرتين، وخصوصا بالاستفادة من الانحياز الاميركي لصالح اسرائيل، لتسجيل نقاط اضافية لصالح الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية، وزيادة التعاون اكثر مع هذه الكتلة. وكان هذا يقتضي سياسيا:

أ ـ تعظيم الدور الفلسطيني، وانتزاع حقوق ومكاسب اكثر للفلسطينيين ووضع افضل للدويلة الفلسطينية القادمة. وذلك طبعا ليس محبة بالفلسطينيين، بل لاستخدامهم لاجل مصالح الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية. ويدخل ضمن هذا الاطار العمل الحثيث لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وغيره من البلدان العربية التي يقيمون فيها، وهو ما تريده ايضا واساسا اميركا واسرائيل ولكنهما تعجزان عن تحقيقه.

ب ـ تعظيم دور الدولة اللبنانية، على حساب المقاومة الشعبية اللبنانية وانتهاج سياسة مزدوجة “احتوائية ـ استبعادية” حيال المقاومة، ومحاولة خلق “توازن سياسي” اقليمي بين لبنان ـ الدولة واسرائيل، وذلك في محاولة “مستقبلية” لجعل لبنان هو “هونغ كونغ” الرئيسية للبلدان العربية والاسلامية، وإخضاع الدور المالي “الاسرائيلي” ذاته للدور المالي “اللبناني”.

XXX

5 ـ في حال تم فرض “السلام الاسرائيلي” على العرب، والشروع في انشاء “المنطقة المالية ـ التجارية الشرقأوسطية المفتوحة”، فإن الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية تطمح لان تكون اسرائيل هي “هونغ كونغ” البلدان العربية والاسلامية. اما “الدويلة الفلسطينية” القزم، من جهة، ولبنان، من جهة ثانية، فهناك تخطيط ان لا يتعدّ دورهما دور “سمسارين” وموطئي قدم لاسرائيل، ومدخلين لها، ماليا وتجاريا واقتصاديا، الى العالم العربي والاسلامي الكبير. لانه، وان تم فرض “السلام الاسرائيلي” على الفلسطينيين والعرب (مع انه هذا مستبعد، بل مستحيل)، فإنه ستمر عشرات بل ومئات السنين قبل ان يبدأ المجتمع العربي والاسلامي بالاعتياد والاذعان والتكيف مع سياسة التطبيع المباشر والتعامل المباشر مع اليهود الصهاينة عموما والاسرائيليين خصوصا. ولهذا فإن “موطئي القدم” و”السمسارين” المفترضين، الفلسطيني واللبناني، بصفتهما “العربية” و”الاسلامية” هما ضروريان لما بعد “السلام الاسرائيلي”، مثل ضرورة اسرائيل، قبل هذا “السلام”، بالنسبة للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية.

6 ـ ولكن الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/ الاميركية، ومن ورائها الكتلة المالية ـ النفطية العربية ـ الاسلامية، وانطلاقا من العلاقات القديمة لاوروبا “المسيحية” بفلسطين ولبنان، فهي تطمح (وتعمل ما استطاعت) لان يتم توزيع دور “هونغ كونغ” البلدان العربية والاسلامية الى ثلاثة مراكز:

الاول ـ اسرائيل، وتكون دائرة نفوذ ومصالح 80% او حتى 100% للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية.

والثاني ـ لبنان، ويكون دائرة نفوذ ومصالح 80% او حتى 100% للكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/ الاميركية، بدعم وتعاون الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية.

والثالث ـ الدويلة الفلسطينية، وتكون مركز نفوذ للكتل المالية الثلاث، بأرجحية عربية ـ اسلامية، سعودية خصوصا (اذا وافقت اسرائيل)، كي يمكن، ولمصلحة جميع الكتل المالية، تحقيق “افضل” ضبط للجماهير الفلسطينية، غير الراضية حتما عن كل ما يخطط لها حتى الان، وهو ما يجد انعكاسه في الازمة الفلسطينية المستفحلة.

وفي حال نجاح هذا “الخيار” ذي الوجه “الاوروبي ـ العربي”، يتوقع ان يتم تحويل جنوب لبنان من منطقة نزاع الى منطقة دولية عازلة (بصرف النظر عن الصيغ القانونية، الدولية والمحلية، الشكلية) توضع تحت حماية القوات الدولية “الصديقة” ولا سيما الاوروبية، والعربية “الشقيقة”، بالاشتراك مع الجيش “الوطني” اللبناني. وبحكم الجوار الجغرافي بين منطقتي النفوذ الماليتين، اسرائيل ولبنان، يتوقع ان يتم تحويل جنوب لبنان “المعرّب ـ المدوّل” الى اكبر معرض وسوق تجاري في العالم، تتجمع فيه الوكالات والمكاتب التجارية لجميع الشركات الكبرى والوسطى في العالم اجمع.

وعلينا ان نلاحظ هنا ان جناحا فعالا، ربما هو الجناح الاقوى في المملكة العربية السعودية، مع كل ما لها من مصالح مشتركة تاريخية مع اميركا والصهيونية العالمية، وجد ـ اي هذا الجناح ـ ان المصلحة الجوهرية ولا سيما البعيدة المدى للمملكة السعودية تقتضي السير في الخيار الثاني، اي خيار مركزيْ النفوذ الماليين، اسرائيل للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، ولبنان للكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية. بهذه التخريجة يمكن للكتلة المالية ـ النفطية العربية ـ الاسلامية ان تلعب “مع” او “على” الطرفين، وان تستفيد من الطرفين. كما ان هذه التخريجة تتيح او تشترط تحسين شروط “السلام” للجانب العربي، وخصوصا للبنان، كي يستطيع الوقوف على قدم المساواة مستقبلا مع اسرائيل، فيما لو تم اي انقلاب غير محسوب في الاوضاع الاسرائيلية او العربية، ونشأ عنه تعريض لبنان لاي تهديد اسرائيلي.

وهذا ما يفسر الموقف المشروط، ولكن “الايجابي” عموما، للمملكة السعودية من وجود المقاومة الاسلامية وحزب الله، ومن “تلزيم” حل الازمة اللبنانية، بمباركة المملكة السعودية، لاوروبا وخاصة فرنسا (باريس1، باريس 2، باريس 3، ادخال فرنسا في الهيئة المشرفة على “اتفاق نيسان” 1996، عدم ادراج اوروبا لحزب الله في قائمة المنظمات الارهابية بالرغم من حظر قناته التلفزيونية المنار في فرنسا، توسيط المانيا في المفاوضات لتبادل الاسرى بين حزب الله واسرائيل، واخيرا لا آخر نقل مفاوضات “الحوار اللبناني” الداخلي الى الحضن الفرنسي).

وهذا ما يفسر ايضا “العلاقة الخاصة” التي كانت تربط الشيخ رفيق الحريري مع “حزب الله” وامينه العام السيد حسن نصرالله شخصيا، من جهة، ومع فرنسا والرئيس السابق جاك شيراك، من جهة ثانية.

XXX

7 ـ وفي هذا السياق نأتي الى الدور الشخصي لكل من الراحلين ياسر عرفات ورفيق الحريري.

ان المرحوم ياسر عرفات كان ممثلا سياسيا نموذجيا للبرجوازية الفلسطينية، التي وجدت لنفسها، في توقيع “اتفاقات اوسلو” للسلام من خلف ظهر الشعب الفلسطيني، فرصة “تاريخية” ذهبية كي تتهافت على التعاون مع الرأسمال اليهودي (الاسرائيلي والدولي). ولكن البرجوازية الفلسطينية ليست مجموعة من المغامرين حديثي النعمة، الذين يمكن ان تذهب بهم كل ريح في كل اتجاه. بل هي طبقة قديمة وعريقة وذات “تاريخ” خاص، ولا تستطيع ان تنسلخ عن “سوقها”، وبالتالي عن تاريخها وعن جذورها القومية و”الدينية”، ليس بالمعنى السياسي والايماني والمعنوي فقط، على اهمية هذه المعاني، بل وبمعنى حساب المصالح الطبقية الاقتصادية ايضا واساسا. فالبرجوازية الفلسطينية لا يمكن ان تنسى انه حينما ازاحتها اسرائيل و”سحقتها” وشردتها وطردتها شر طردة من فلسطين، كما سحق هتلر اليهود وطردهم من المانيا، فإنها ـ مع كل المرارات ـ وجدت ملاذا لها في البلدان العربية (الاردن، سوريا، لبنان، مصر، الخ) وخصوصا في المملكة العربية السعودية. وياسر عرفات نفسه كان، في الحساب الاخير، “رجل المملكة السعودية” المخلص. (ويقال ان عرفات ارسل قوات فلسطينية لمساعدة قوات الامن في المملكة السعودية في تطهير المسجد الحرام يوم احتله المهووس الديني جهيمان العتيبي وجماعته في تشرين الثاني 1979). ولهذا كان من الطبيعي ان يدعم ياسر عرفات الخط الذي تسير فيه المملكة السعودية. فمع انه “غض النظر” او ساهم في التعاون الرأسمالي الفلسطيني ـ اليهودي (الاسرائيلي والعالمي)، الا انه في الوقت ذاته لم يخضع تماما للشروط الاستسلامية الاميركية ـ الصهيونية، وتحول الى عقبة كاداء امام محدلة السياسة “السلمية” التي كانت ولا تزال الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية تريد ان تفرضها على منظمة التحرير و”السلطة الوطنية” الفلسطينية.

وهذا هو السبب الرئيسي الذي تم لاجله تطويق ياسر عرفات، وعزله، واخيرا “ازاحته” والقضاء عليه بهذه الطريقة الخسيسة، من اجل المجيء بالقتلة ـ المنفذين للحلول محله والسير في الخطة الاميركية ـ الاسرائيلية. وتبدو عملية اغتيال عرفات مفضوحة الى درجة الاسفاف، بحيث انه يجري حتى الان استبعاد ليس فقط اي تدخل دولي للتحقيق في هذه الجريمة النكراء، كما جرى بالنسبة لجريمة اغتيال الشيخ رفيق الحريري، بل انه يستبعد ايضا اجراء اي تحقيق محلي من قبل “السلطة الوطنية” الفلسطينية ذاتها، ومن قبل “رفاق عرفات التاريخيين”، ومن قبل عائلته ذاتها. ونظرا لان “الحجم الفلسطيني” لعرفات هو اكبر من حجمه الدولي، او ان حجمه الدولي هو متأت بشكل رئيسي من “حجمه الفلسطيني” فإن ما يسمى “المجتمع الدولي” وعلى رأسه اميركا، وبما في ذلك “الامم المتحدة” وحتى “جامعة الدول العربية”، لم تعط الاهتمام الكافي لاغتيال عرفات، اكثر من مسرحية تظاهر فرنسا بمحاولة انقاذه في اللحظات الاخيرة وبعد فوات الاوان. وهكذا تـُركت جريمة اغتيال عرفات تتدحرج في دهاليز الازمة الفلسطينية المتفاقمة ومؤامرة تمزيق وتفتيت المجتمع الفلسطيني.

وبكلمات مختصرة: فإن اغتيال عرفات تم، لازاحته من الطريق، بقرار من الكتلة المالية العالمية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، ولكن اغتياله تم “تحت السقف الفلسطيني” وضمن متاهة تعقيدات الازمة الفلسطينية.

ولقد سبق للصهيونية العالمية ان استخدمت نفوذها لمنح ياسر عرفات “جائزة نوبل للسلام”، مقابل خدماته الطويلة لمخططات “التسوية” الصهيونية، باسم خدمة القضية الفلسطينية، والتي توجها بتوقيع اتفاقات اوسلو. ومع ذلك فإنه حينما اصبح عرفات يمثل عقبة امام السير الى النهاية بهذه المخططات، لم تكتف الصهيونية بقتله، بل انها لم تسمح بـ”ترف” تشكيل لجنة تحقيق شكلية في مقتله، حتى على مستوى قطاع رام الله للهلال الاحمر الفلسطيني.

ان المصير المفجع لياسر عرفات هو تأكيد اضافي جديد على لاجدوى السير في خط “التفاهم” مع الامبريالية والصهيونية، وان “إرضاء” الامبريالية والصهيونية هو اصعب من “إغضابهما”.

XXX

8 ـ اما الشيخ رفيق الحريري فهو، على خلاف عرفات، كان “رجل دولة (ومال)” دوليا، قبل واكبر من وفوق كونه “رجل دولة (ومال)” لبنانيا. وتحت هذا العنوان، وبالتحديد عنوان الانتماء القطري العربي، فهو اقرب لان يعتبر “رجل دولة (ومال)” سعوديا قبل واكثر مما كان “رجل دولة (ومال)” لبنانيا. وهذا لا ينتقص البتة، بل يزيد ويضاعف حجمه واهميته كـ”رجل دولة (ومال)” لبناني.

انطلاقا من هذا الفهم لشخصية ومكانة ودور الشيخ رفيق الحريري، نرى ان اغتياله لا يمكن فهمه بشكل صحيح الا ضمن اطار الصراع الضاري بين الكتل المالية العالمية، وبالاخص الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية والكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية، وسعي الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية “للعب” على الصراع بين هاتين الكتلتين الجبارتين ولشق طريقها الخاص فيما بينهما، وخصوصا لسعي المملكة السعودية للخروج من تحت مظلة الوصاية “التقليدية” الاميركية. وهو ما ينعكس في التحرك المكثف لسياسة المملكة السعودية في الحقبة الاخيرة.

وهذا التحرك للمملكة السعودية، بخلفيته واهدافه “العربية ـ الاسلامية”، هو الذي يصبح اكثر فأكثر مصدر “الازعاج” الاول والاخطر للسياسة الاميركية ـ الصهيونية ـ الاسرائيلية، التي تحركها وتديرها الكتلة المالية العالمية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية.

ان المزاحمين الآخرين للامبريالية الاميركية وحليفتها الستراتيجية الصهيونية العالمية يمتلكون اوراق قوة مثل: السوق الواسعة والقاعدة الانتاجية القوية واخيرا العملة الموحدة القوية (الاتحاد الاوروبي)، والتكنولوجيا المتطورة جدا (اليابان)، و”مدفعية” السلعة الرخيصة الإغراقية (الصين)، و”الشيوعية” سابقا، والصواريخ المرعبة وشحناتها الاكثر إرعابا سابقا وحاليا (روسيا). اما المملكة السعودية خصوصا والكتلة المالية العربية ـ الاسلامية عموما فهما يمتلكان اوراق قوة، تهددان بها العملاق الاميركي ـ الصهيوني، في قلب اميركا واسرائيل وفي العالم اجمع، لا يمتلكها اي مزاحم آخر. وهذه اوراق القوة العربية ـ الاسلامية الخاصة هي: الامدادات والاحتياطات النفطية والطاقية، الودائع المالية المودعة في البنوك الاميركية (والتي اذا سُحبت يمكن ان ينهار الاقتصاد الاميركي كبناء من كرتون وان تعود اميركا الى ايام كريستوفر كولومبوس)، واخيرا لا آخر: “الاسلام” (الفكرة تتحول الى قوة مادية حينما تتبناها الجماهير ـ ماركس). وحول ورقة القوة “الاسلامية” نقول: لقد وقفت المملكة السعودية “رسميا” جنبا الى جنب اميركا قبل، اثناء وبعد احداث 11/9/2001، ولكن هذا لا يعني “الاطمئنان” الكامل من قبل اميركا. فإذا “حمي وطيس” التناقضات في اي لحظة، واذا ـ لأي سبب كان، يمكن او لا يمكن رصده مسبقا ـ صدرت اي فتوى غير مرغوب فيها من قبل اي مرجعية سعودية او بتأثير منها، فإنه سيكون من الصعب جدا لاي طائرة اميركية ان تطير ولا اي باخرة اميركية ان تبحر، بأمان، في اي مكان في العالم، بما في ذلك داخل اميركا، ولا اي سفارة اميركية ان تفتح ابوابها او تغلقها، بأمان، وسيكون من المشكوك فيه ان يستطيع الرئيس الاميركي ذاته ان ينام مرتاحا في اي بقعة داخل اميركا ذاتها. ولا يبقى امامه، كي يطمئن تماما على سلامته وصحته الغالية، الا طلب “الضيافة” (حتى لا نقول اللجوء) لدى العائلة المالكة ذاتها في المملكة السعودية.

ان الكتلة المالية العالمية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية تدرك تماما خطورة اوراق القوة التي تمتلكها المملكة السعودية خصوصا والكتلة المالية العربية ـ الاسلامية عموما. ولذلك فإن الوجهة الرئيسية للهجوم الذي تشنه اميركا والصهيونية العالمية في المرحلة التاريخية الراهنة، جل الهيمنة على العالم، هي موجهة اولا ضد الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية وعلى رأسها المملكة السعودية، بالرغم من كل تاريخ الصداقة الاميركية ـ السعودية التقليدية، خصوصا منذ ايام اجتماع روزفلت مع مؤسس المملكة عبدالعزيز آل سعود في 14 شباط 1945م تحت “الخيمة العربية!!!” الشهيرة التي دخلت في التاريخ حينما رفعت على متن الطراد الحربي الاميركي كوينسي. وكل الشعارات المرفوعة، ضد “الارهاب” و”العرب ـ الارهابيين” و”الاسلام الارهابي”، انما تصب في هذا المنحى. ان هذه الحملة العنصرية، المعادية للعرب والمسلمين، “اخذت في طريقها” حتى الان نظام طالبان في افغانستان، الذي لم يكن سوى “صنيعة اميركية”، ونظام صدام في العراق، الذي كان نظاما “متعاونا كليا” مع اميركا، اولا في محاربة الشيوعية، وثانيا في محاربة الاكراد والعمل لاجل اخضاعهم وتطويعهم اميركيا، وثالثا في محاربة “الاسلام الايراني ـ الشيعي” المعادي لاميركا.

ولكن بالرغم من كل هذه “النجاحات الاميركية!!!”، فإنه من الواضح تماما ان الهدف الاخير لهذه الحملة هو المملكة السعودية ذاتها. ذلك ان اميركا لن يطمئن لها بال الا بأن تحكم المملكة السعودية حكما مباشرا لا لبس فيه، ولا “يشاركها!!!” فيه اي “شريك ملتبس!!!”، بما في ذلك العائلة المالكة ذاتها، كما كان “الرئيس” صدام في العراق، او “الشيخ” أسامة بن لادن و”امير المؤمنين” الملا عمر اثناء حكم طالبان في افغانستان. فالمملكة السعودية، وعلى غرار ما كان حكم طالبان في افغانستان بل وأسوأ، تحكم حكما استبداديا وحشيا باسم “الدين الاسلامي!!!”، وقد حظيت على الدوام بالدعم الاميركي لهذا الحكم. ولكن اميركا اخذت تخشى ان يتم الانقلاب على هذا الحكم، من داخل النظام القائم والعائلة المالكة او من خارجهما (ايضا باسم “الاسلام!!!” او بأية ذريعة سياسية ـ قومية ـ عقائدية اخرى) وان يأتي حكم معاد لاميركا على المكشوف. ولذلك اخذت اميركا تدعم الاتجاه لاجراء “اصلاح دمقراطي!!!” مزيف، مطواع وملائم لمخططاتها الجديدة، في النظام السعودي الحالي. اي التحضير لانقلاب اميركا مكشوف في المملكة السعودية. وهذا ما يدفع هذا النظام اكثر فأكثر نحو فقدان الثقة بالحليف التقليدي ـ اميركا ـ والسير في اتجاهات سياسية “غير مقبولة” ولا تلائم تماما اميركا والصهيونية العالمية.

ان مثل هذا التعارض في المصالح والارتباطات والاتجاهات دفع تيار اسامة بن لادن وتنظيم “القاعدة” وحتى حركة طالبان الافغانية، للدخول في تناقض تناحري مع السياسة الاميركية. والشيء ذاته ينطبق الان على النظام السعودي، بالرغم من الاختلاف بينه وبين تيار بن لادن وتنظيم “القاعدة”. وهذا التعارض المصلحي ـ السياسي، الاميركي ـ البن لادني، والاميركي ـ السعودي، مثله مثل التعارض (في حينه) الاميركي ـ الصدامي، يفسح المجال للمصابين بالعمى السياسي والمغرضين والانتهازيين والمرتدين والخونة الغورباتشوفيين وامثالهم، لأن يضفوا بعض الصفات “الوطنية!!” و”القومية!!” و”الدينية!!” و”النضالية” على بن لادن، والاسرة المالكة السعودية وزبانيتها (ومنهم المرحوم الحريري)؛ كما اضفوها في حينه على الدكتاتور المتوحش عميل اميركا والعدو اللدود للشعب العراقي والامة العربية: صدام حسين؛ وكما يضفيها بعضهم اليوم على النظام “الشقيق التوأم” لنظام صدام: النظام الدكتاتوري السوري، “الورقة السرية” في يد اميركا. صحيح انه في هذا الحالة ينطبق تماما المثل القائل “حينما يختلف اللصوص، يبان المسروق”. ولكن هذا لا يغير ولا يلغي ابدا الطبيعة الحقيقية للصوص وقطاع الطرق لهذه الكتل الطبقية، “الوطنية!!” الداخلية، والامبريالية والصهيونية الخارجية، التي هي واقعيا وتاريخيا، مجتمعة ومتفرقة، العدو اللدود لجماهير الامة العربية والشعوب الاسلامية في كافة اقطارها. واذا كانت هذه الكتل تتحالف فيما بينها احيانا، وتتصارع احيانا اخرى، فليس لاجل “الدمقراطية” و”التحرير” و”الاصلاح” و”تحرير المرأة” و”العدالة الاجتماعية” و”التنمية” وغير ذلك من الاكاذيب، بل من اجل اولوية التسلط على جماهير الامة العربية والشعوب الاسلامية البائسة والمظلومة. ونظرة الى الواقع المأساوي الحالي للعراق (حيث تتسابق هذه الكتل على سحق وقتل ابناء الشعب العراقي المظلوم، باسم “الاسلام!!!” الاميركي، من جهة، وباسم “الدمقراطية!!!” الاميركية، من جهة اخرى) تعطينا فكرة واضحة عن الطبيعة الحقيقية لهذا الصراع.

وهنا علينا ان نتذكر ان الشيخ رفيق الحريري لم يكن “رجل دولة” عاديا او “رجل مال” عاديا، حتى في الاطار السعودي نفسه. بل هو كان احد ابرز اركان ومهندسي السياسة الدولية، وبالاخص “الشرقأوسطية”، للمملكة السعودية وللكتلة المالية العربية ـ الاسلامية؛ على غرار ما كان يوما، في الشأن النفطي، الشيخ احمد زكي اليماني. وهذا ما كانت تنم عنه علاقاته الدولية الواسعة، وعلى ارفع المستويات. وهو كان يمسك في آن واحد الملفين الدوليين، الاقتصادي والسياسي معا، للمملكة السعودية والكتلة المالية العربية ـ الاسلامية. وهي المرة الاولى التي يجتمع فيها هذان الملفان في يد شخص واحد كما كان الامر لرفيق الحريري. وهذا ما جعله موضوعيا “هدفا ممتازا” للكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، لا سيما بعد ان مال الشيخ رفيق الحريري، ومعه المملكة السعودية خصوصا بشخص ولي العهد ولاحقا الملك عبدالله بن عبدالعزيز، نحو التحالف وزيادة التعاون مع الكتلة المالية الكاثوليكية ـ الاوروبية/الاميركية، وفتح الخطوط المباشرة مع روسيا والصين واليابان، من خلف ظهر الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية.

ان قيادة المملكة السعودية، المعروفة بالحنكة والتحفظ، بعد ان تلقت الضربة الموجهة اليها باغتيال الحريري، احتفظت بضبط النفس، لان اي رد فعل غير مدروس ربما كان يؤدي الى قلب الطاولة ودخول “لاعبين غير مرغوبين” على الخط. وهذا ما يفسر المراوحة والمماطلة، من قبل “جميع المعنيين”” بما في ذلك القيادة السعودية، في كشف الحقيقة حول جريمة اغتيال الشيخ رفيق الحريري. وستكون “الحقيقة”، على الارجح، هي الضحية الثانية بعد رفيق الحريري. ان تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي يضفي الطابع الدولي الصارخ على الجريمة. الا انه في الوقت نفسه يمثل الاداة المثلى لإخفاء الحقيقة وليس لكشفها. لسبب “بسيط” جدا، وهو ان الكتل المالية العالمية التي تضع نفسها فوق جميع شعوب العالم، بما فيها شعوبها الخاصة، لا يمكن ان تسمح لنفسها بـ”الانحدار” الى مستوى التلهي بـ”الالعاب القانونية” الخاصة “بالصغار”، والخضوع لأي ميثاق او دستور او قانون، دولي او اقليمي او محلي. كما ان القيادة السعودية ذاتها، وعلى طريقة صمت صدام حسين عن فضح اميركا حتى وهو على شفير الموت، ليست على استعداد لكشف طبيعة الصراع بينها وبين الادارة الاميركية والكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية. فالقيادة السعودية، الحليف التقليدي لاميركا، والعدو اللدود للحركة التحررية العربية، تعتبر الخلافات بينها وبين اميركا والصهيونية العالمية كخلافات “عائلية”، “داخل البيت الرأسمالي الواحد”، الذي تسعى القيادة السعودية لتحسين مكانها فيه، الا انها في الوقت نفسه تحرص اشد الحرص على ان يظل متين الاركان، والا أطيح بالجميع.

XXX

ولكن فيما دون السقف الدولي، اي على مستوى السقف الاقليمي، والسقف المحلي اللبناني، يبقى من الضروري محاولة الاجابة عن سؤال رئيسي وبعض الاسئلة الفرعية المرتبطة به:

1 ـ هل ان النظام الدكتاتوري السوري يتحمل مسؤولية، كاملة او جزئية، عن اغتيال الشيخ رفيق الحريري؟

ـ لاجل الاجابة عن هذا السؤال الهام والحساس جدا، نجد انه من المفيد اولا اجراء مقارنة مع التجربة المرة للعراق في عهد نظام صدام حسين (التوأم اللدود للنظام البعثي السوري): لقد شن نظام صدام حسين الحرب على ايران، ثم اجتاح الكويت، وارتكب ما ارتكب من المجازر ضد الشعب الكردي الشقيق وضد الجماهير الشعبية العراقية والمعارضة الشيوعية والاسلامية والقومية الخ. الا ان كل ما قام به نظام صدام حسين كان على الدوام في انسجام وتوافق مع سياق دولي معين. وليس عبثا ان المعارضة العراقية، قبل انضواء بعضها تحت لواء الهجمة الاميركية، كانت تتهم نظام صدام حسين بأنه كان عميلا لاميركا، او على الاقل انه كان ينفذ سياستها، بالتعاون الوثيق والدعم المكثف من قبل الانظمة الخليجية وعلى رأسها المملكة السعودية، وبما فيها النظام الكويتي، الذي اجتاحه صدام لاحقا. وحتى الهجوم الصدامي على الكويت قالت المعارضة العراقية في حينه انه تم بضوء اخضر اميركي، خصوصا بعد اجتماع صدام والسفيرة الاميركية السابقة في العراق كريسبي. كما ان الاسلحة الكيماوية التي ضرب بها صدام وابن عمه علي الكيماوي القوات الايرانية والمدنيين الاكراد في حلبجه قالت المعارضة العراقية في حينه ان الذي زوده بها هو رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي السابق الذي اجتمع شخصيا بصدام حسين في بغداد لهذه الغاية. ولكن فيما بعد، عشية الهجوم الاميركي على العراق في 2003، سارت بعض اطراف المعارضة العراقية في ركاب جيش الاحتلال الاميركي. ولاجل تبرير خيانتها الوطنية الخاصة، اخذت “هذه المعارضة” على عاتقها المهمة غير المشرفة، مهمة تبرئة صدام حسين من تهمة العمالة و”التعاون” مع اميركا، وتبرئة الاميركيين والانظمة الخليجية بما فيها السعودية من اي مسؤولية عن ارتكاباته الاجرامية والخيانية، وحصر ارتكابات نظام صدام حسين به وحده، وفصل هذه الارتكابات عن سياقها الدولي والاقليمي، بشكل مفضوح لا يستره اي منطق. وهذا التناقض في موقف تلك الاطراف من المعارضة العراقية لا يبرئ بأي شكل الامبريالية الاميركية من المسؤولية، بل بالعكس يزيدها مسؤولية، لانه يظهر مدى نذالتها وحقارتها اللتين تبدو معهما مسخرة اسلحة الدمار الشامل نكتة بائخة. وهذا التناقض ليس ابدا عمى او عورا او حولا متأخرا في التحليل السياسي او في النظر الى الوقائع، بل هو برهان ساطع على رغبة تلك الاطراف من المعارضة العراقية في إرضاء الاميركيين وفي الحلول محل صدام حسين، كمطية للسياسة الاميركية في المنطقة. لو كانت بقيت لدى صدام حسين ذرة من الوطنية ومن الايمان الديني الصادق لفضح دور اميركا في المنطقة بعد ان ضحى به الاميركيون والانظمة الخليجية واصبح في القفص وامام حبل المشنقة . ولكنه تقدم الى حبل المشنقة هاتفا كذبا وبهتانا “الله اكبر”، دون ان يفضح بكلمة واحدة دور اميركا في كل ما جرى من مآس في العراق والمنطقة، اي انه ـ ظنا منه انه بذلك يستطيع ان يخدع من يخدع بأنه “شهيد وطني”، وان ينقذ بقايا نظامه من اتهامهم بالخيانة ـ ظل حتى النفس الاخير محافظا على اسرار علاقاته مع اميركا. وطبعا اننا، بالمقارنة، لا نتوقع من امثال الطالباني والبارزاني والحكيم وحميد مجيد موسى ان يعترفوا علنا بأنهم اصبحوا عملاء لاميركا واسرائيل، بل هم يتمسكون كالغريق بـ”كرديتهم” و”شيوعيتهم” و”اسلاميتهم” الكاذبة. ولكن العالم كله يرى انهم ليسوا اكثر من طاقم احصنة جديدة، بدل الطاقم الصدامي، لجر العربة الاميركية فوق جثث العراقيين كشعب، وجثة العراق كوطن.

ان النظام الدكتاتوري السوري، الذي لا يهمه شيء سوى الاحتفاظ بالسلطة ومكاسبها، على حساب القضية الوطنية والقومية، هو صنو نظام صدام حسين تماما، في “التعاون” مع اميركا و”التفاهم” مع اسرائيل. وانطلاقا من هذا التصنيف الرئيسي نجيب على السؤال الذي طرحناه بما يلي:

أ ـ ان هذا النظام هو اصغر بكثير من ان يتجرأ على اتخاذ قرار اغتيال الشيخ رفيق الحريري. لان هذا القرار يعني ببساطة شن الحرب على المملكة السعودية. والنظام السوري ليس في هذا الوارد البتة، لا من حيث المصلحة ولا من حيث الامكانية. وما قيل من تهديد الرئيس بشار الاسد للشيخ رفيق الحريري، ودون التشكيك في صحة الواقعة، لا يخرج عن نطاق “الكاموفلاج” والتضليل السياسي، والهدف منه، بعد اغتيال الحريري وغيره من الجرائم التي ترتكب على الارض اللبنانية، يدخل ضمن اطار التعتيم على المخطط الرئيسي للجرائم وتغيير معالم المسرح السياسي للجرائم. ولكن هذا لا يبرئ ابدا النظام السوري.

ب ـ لا يمكن للنظام السوري، الذي كان يتحكم بالشاردة والواردة في لبنان لحظة اغتيال الشيخ الحريري، الا ان يكون شريكا في الجريمة. على الاقل انه “يعلم”، ولا يقول الحقيقة في ما يعلم. وإخفاء المعلومات، حتى في ابسط جريمة، هو بحد ذاته جريمة يطالها اي قانون، حتى القانون السوري.

ج ـ ان النظام السوري يمتلئ سجله بلائحة طويلة من الاغتيالات والجرائم الكبرى في لبنان، منها اغتيال كمال جنبلاط والمشاركة في او السكوت عن “تغييب” الامام موسى الصدر. ومثل هذا النظام لا يمتلك اي مصلحة مادية او سياسية او حصانة اخلاقية او وطنية تمنعه من المشاركة في جريمة اغتيال الشيخ الحريري.

د ـ ان النظام السوري لا يستطيع الامتناع عن المشاركة في جريمة اغتيال الشيخ الحريري، وغيرها من الجرائم في لبنان، حتى لو اراد الامتناع عن ذلك. ذلك ان الكتلة المالية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية، التي اتخذت قرار توجيه صفعة مؤلمة للمملكة السعودية، وتخريب الساحة اللبنانية، بتصفية الشيخ رفيق الحريري، لا يمكن ان تترك النظام السوري جانبا دون الاستفادة من “خدماته” و”توريطه”. وهي (اي الكتلة المالية العالمية اليهودية ـ الانغلو/ساكسونية) قادرة على اجبار النظام السوري على الاذعان لكل “امر” يصدر اليه من واشنطن، على طريقة المرأة المنحرفة التي تقع في حبائل شبكة دعارة، فتمارس الدعارة اول مرة، لاي سبب كان، ولكنها بعد ذلك لا تستطيع الامتناع عن تنفيذ اوامر الشبكة التي تكون قد “وثـّقت” لها “نشاطها الاولي” واصبحت تبتزها به. وهذا هو شأن النظام السوري منذ تسليم الجولان بدون قتال في حزيران 1967. وهنا نأتي الى السؤال الفرعي التالي:

2 ـ لقد كان الفريق حافظ الاسد (الرئيس لاحقا) وزيرا للدفاع حينذاك. فكيف تم تسليم الجولان بدون قتال؟ (بالرغم من وجود قوات سورية تقدر بعشرات الالوف، ومجهزة بكل انواع الاسلحة، وخط دفاع مبني على الطريقة السوفياتية ليواجه كل اشكال الهجمات بما في ذلك الهجوم الذري).

ـ لا نستطيع “تبرئة” حافظ الاسد من جريمة “تسليم” الجولان حتى باتهامه بالجبن والخوف. فوزير الدفاع السوري لم يكن مثل وزير الدفاع الاسرائيلي، موشي دايان او ارييل شارون، اللذين كانا يسيران امام جيوشهما مغامرين بحياتهما مثل اي جندي عادي. بل كان، كالعادة، قائدا “عربيا” متعجرفا يسوق الجنود بالعصا، الا انه شخصيا عند المعركة يقبع في ملجأ فاخر، بعيدا مئات الكيلومترات عن الميدان، وبالتالي لم يكن هناك ما يخشاه على حياته “العزيزة”، وهو طبعا لم يكن يهتم بحياة الجنود والضباط الصغار التي لا تساوي عنده قلامة ظفر، على الاقل بقدر ما تساوي حياة اهالي مدينة حماة، التي دمرها على رؤوس سكانها لاحقا. ولذا من المستبعد ان يكون الخوف والجبن سببا لتسليم الجولان.

ـ ولو افترضنا ان الحلفاء السوفيات هم الذين طلبوا تسليم الجولان، لقام حينذاك الف هيكل ماسوني، مصري وسوري واسرائيلي وعربي وعجمي وتتري ليفضحهم، وليدعو العرب المغفلين لان يضربوا رؤوسهم في الحيطان ويفتحوا الف معركة مع الشيوعية ولو ظلت اسرائيل تعربد في الجولان وفلسطين الف سنة اخرى.

ـ فما هو السبب اذا؟

ـ السبب المنطقي الوحيد للتسليم هو ان الجولان بيع بيعا. وكان اساس الصفقة حينذاك “أعطنا الجولان، وخذ سوريا!”. وبالطبع انه كانت هناك “جوائز ترضية” ايضا لهذا وذاك حتى تتم الصفقة بسلاسة. ولا شك ان الاميركيين والاسرائيليين، ولضمان “حقوقهم”، قد “وثـّقوا” كل شيء “مَن قبض ماذا، كم وكيف واين!!!”. وهذا هو سر تماسك الطغمة الحاكمة في سوريا، حيث انهم “شركاء في جريمة الخيانة العظمى” ويخشون الفضيحة. وهذا هو في الوقت نفسه سر انصياع النظام السوري لتنفيذ كل ما يطلبه منه الاميركيون، ضمن “الاطار الوطني”، فما لا تستطيع اسرائيل تنفيذه مباشرة يطلب الى النظام السوري تنفيذه (حينما انسحبت قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت خلال اجتياح 1982، نشرت جريدة “النهار” صورة لياسر عرفات المغادر، من موقع قناص اسرائيلي. اي ان اسرائيل كان بامكانها على الاقل في تلك اللحظة التخلص نهائيا من عرفات بطلقة قناص. لكن المطلوب اميركيا حينذاك لم يكن قتل عرفات بل طرد وتشتيت قوات منظمة التحرير مع “قائدها” ياسر عرفات، لبث اليأس في نفوس الفلسطينيين كمقدمة لتبرير اقدام عرفات على التوقيع على اتفاقيات الاستسلام على نمط اتفاقية اوسلو. ولكن بعد ان عاد عرفات الى طرابلس في شمال لبنان، تولى النظام السوري (نيابة عن اسرائيل) مطاردة عرفات وطرده مع قواته. ولكن، بدلا من الشعارات الاميركية ـ الاسرائيلية المعادية لـ”الارهاب الفلسطيني”، فإن النظام السوري، ولاجل الغاية ذاتها، استخدم ويستخدم شعارات “الصمود والتصدي”، “الممانعة”، “الحفاظ على المقاومة”، “ثقافة المقاومة” ومحاربة “الانحراف العرفاتي”).

ـ ومثل صفقة تسليم الجولان في 1967، كانت صفقة دخول قوات النظام السوري الى لبنان في 1976، لانقاذ الخونة عملاء اسرائيل من الهزيمة، والتمهيد لاحتلال اسرائيل للاراضي اللبنانية وتحويل لبنان الى محمية مشتركة “اسرائيلية ـ سورية”، ولكن على طريقة مسرحية “الابطال والحرامية”. وعلى هذا الصعيد يذكر اهالي بلدة حمانا في جبل لبنان ان “المفوض السامي” السوري الاول في لبنان الراحل غازي كنعان كان يجتمع ليلا مرة ومرتين اسبوعيا مع العميل بشير الجميل في احد فنادق البلدة. ماذا كان يجمع بشكل متواصل و”قريب” هذين الرجلين الجزارين غير الاتفاق على “توزيع الادوار”؟ حتى مجزرة صبرا وشاتيلا كان فيها توزيع ادوار، على الاقل انه بعد ان اتهم ايلي حبيقة ورجاله بالاشتراك في المجزرة، قام النظام السوري بتعويمه وطنيا وبتلقيبه “ابو علي” وتعيينه وزيرا في عدة وزارات لبنانية، وحينما صدق ايلي حبيقة نفسه بأنه اصبح “شخصية وطنية” لبنانية، واراد ان يلقي الوزر عن كاهله وان يذهب للشهادة ضد شارون في بلجيكا بخصوص دعوى مجزرة صبرا وشاتيلا، قامت المخابرات السورية مباشرة بتصفية ايلي حبيقة، او سهلت لحليفتها المخابرات الاسرائيلية تصفيته على الفور، وأغلقت الدعوى في بلجيكا. علما ان ايلي حبيقة كان في حماية مشددة من قبل المخابرات السورية على مدار الساعة، حتى لا يجرؤ احد من اقرباء ضحايا مجزرة صبرا وشاتيلا على الانتقام منه. وبطبيعة الحال ان كل الصفقة السورية ـ الاميركية (والاسرائيلية ضمنا) حول لبنان هي موثقة ايضا. وهذا سبب اضافي لجعل النظام السوري لا يستطيع ان يفلت من “الابتزاز” الاميركي فيما لو اراد “التمنع” عن العهر السياسي والوطني والقومي والاخلاقي الذي قام عليه ولا وجود له بدونه.

من هنا الاستنتاج ان النظام السوري هو “ملزم”، كارها او مختارا، بالمشاركة في اغتيال الشيخ الحريري وغيره من الجرائم، ضمن الحدود والسقوف والاشكال التي تقررها مسبقا مراكز القرار الاميركية ـ الصهونية.

3 ـ لماذا اذا توافق اميركا على اخراج النظام السوري من لبنان بهذه الطريقة المهينة، طالما انه كان ولا يزال ينفذ كل ما يطلب منه من قبلها؟

ـ لقد قال الجنرال ميشال عون في حينه “ان الاميركيين ادخلوا السوريين الى لبنان، وهم الذين يخرجونهم”. وهذا ما جرى بالفعل. ولكن هذا لا يعني البتة ان “الاميركيين” كانوا “مع” النظام السوري واصبحوا “ضده” كليا. بل على العكس تماما، ان إخراج السوريين بهذا الشكل من لبنان كان “من ضمن اللعبة”، بهدفين: هدف اصغر هو إلقاء المسؤولية على النظام السوري وحده في اغتيال الشيخ الحريري، والتعتيم على الدور الاميركي ـ الصهيوني. وهدف اكبر ولاحق، هو تكليف النظام السوري (وهو “بعيد” او “خارجا”) بمتابعة القيام بأدوار تخريبية لاحقة في الساحة اللبنانية. وفي معركة مخيم نهر البارد التي افتعلتها عصابة ما يسمى “فتح الاسلام” نرى بوضوح اصابع المخابرات السورية الى جانب المخابرات الاردنية وغيرها، مما يعني ان “التعاون” الاميركي ـ السوري قائم على قدم وساق. وفي هذا السياق، هناك مهمة “مفترضة” كبرى ينوي الاميركيون والصهاينة تنفيذها في لبنان وهي مهمة الاطاحة برأس السيد حسن نصرالله (ومن زاوية نظر معينة، فإن اغتيال الشيخ الحريري هو “تمهيد” لتنفيذ تلك المهمة). وافضل طرف “صالح” لتنفيذ هذه المهمة هو النظام السوري. وفي هذه الحالة من “الافضل” للمخطط التآمري ان يكون النظام السوري، لدى تنفيذ هذه المهمة، “خارج” لبنان لا داخله، وذلك لاجل المزيد من التضليل، وبخاصة تضليل القواعد الشعبية لحزب الله، وتفتيت الساحة اللبنانية لا رص صفوفها ضد المؤامرة الاميركية ـ الصهيونية التي يشارك فيها النظام السوري بل يعتبر اهم اركانها.

4 ـ ولماذا اذا تعادي اميركا النظام السوري وتحتضن جماعة ما يسمى جماعة “14 اذار” الموالية للحكومة اللبنانية؟

ـ مثلما لعبت اميركا في الماضي القريب على التناقضات بين نظام صدام وبين ايران، وبينه وبين النظام الكويتي، من اجل ضرب وتطويع الجميع، فإنها تلعب الان على تفتيت لبنان وسوريا وعلى ضرب الكل بالكل لابتزاز الجميع وتطويعهم. ومن ضمن هذا السياق فان السياسة الاميركية ـ الصهيونية تستخدم النظام السوري ضد تيار الموالاة “14 اذار” من اجل دفع مختلف اطراف هذا التيار، خصوصا “انصار السعودية” وبعض “اليساريين”، للارتماء اكثر في احضان اميركا واسرائيل. كما ان الضغط المتواصل، ولكن ليس الى درجة الكسر، ضد النظام السوري، يهدف الى “تشغيله” اكثر في خدمة المخططات الاميركية ـ الصهيونية، من جهة، ولاخذ الوقت “الاميركي” الكافي لتطويع مختلف اطراف المعارضة السورية واحتوائها على طريقة احمد الجلبي والطالباني والبارزاني والحكيم وحميد مجيد موسى في العراق. فأميركا ليست على استعداد لاسقاط او اضعاف نظام الاسد في سوريا، بطريقة يطلع لها فيها “حزب الله سوري” يرفع الصوت، او يرفع اليد بالسلاح لتحرير الجولان المحتل. فـ”حزب الله” واحد يكفي ويزيد بالنسبة لاميركا والصهيونية العالمية واسرائيل، التي تحتار الان كيف ستتخلص من ورطة “لبنانية” مزارع شبعا التي لا تكاد تظهر على الخريطة.

XXX

نخلص مما تقدم الى ما يلي:

اولا ـ ان الصراع الاساسي في المنطقة العربية ـ الاسلامية وعليها، الذي ترتبط به كل الاحداث المحلية والاقليمية والعالمية الكبرى، في المرحلة التاريخية الراهنة، هو الصراع بين الكتل المالية العالمية ومنها الكتلة المالية العربية ـ الاسلامية، التي كان الشيخ (السعودي، اللبناني الاصل) رفيق الحريري احد ابرز ممثليها.

ثانيا ـ ان المستوى المرتفع للتحدي، السياسي والاقتصادي والامني والعسكري، الموجه الى المملكة السعودية، يؤكد ان قرار التصفية الجسدية للشيخ رفيق الحريري، هو قرار اميركي ـ صهيوني بامتياز.

ثالثا ـ ان النظام الدكتاتوري السوري ليس نظاما وطنيا مستقلا، بل هو نظام عميل سريا لاميركا وحليف فعلي لاسرائيل، وبهذه الصفات الاساسية فهو لا يمكن الا ان يكون مشاركا في ارتكاب هذه الجريمة.

رابعا ـ ان المستوى “العلمي”، العسكري والفني الرفيع، التنظيمي والتكنولوجي والمخابراتي في عملية تنفيذ الجريمة، وفي عملية التضليل البوليسي والكاموفلاج الاعلامي التي اعقبتها، ينبئ بوجود تنسيق شامل وعالي المستوى، اميركي ـ اسرائيلي ـ سوري، في عملية التنفيذ.

خامسا ـ ان هذه العملية الاجرامية الكبرى ليست بداية ولا نهاية المطاف، بل هي حلقة في سلسلة الجرائم الاميركية ـ الصهيونية.

سادسا ـ ان الحاجة الاميركية الى “خدمات” النظام الدكتاتوري السوري لم تنته، والا لما سمح له بالخروج سليما معافى من الفخ اللبناني. والنظام الذي سلم الجولان لاسرائيل، ووضع سوريا الابية ولا يزال تحت جزمة الدكتاتورية كل هذا الوقت، ودخل لبنان لحماية عملاء اسرائيل ولتمزيق الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية، والذي ارتكب وشارك في ارتكاب سلسلة الاغتيالات في لبنان وآخرها اغتيال الحريري، لا يزال لديه الكثير ليقدمه لاميركا، وهو احدى اهم ادواتها.

سابعا ـ ان ما يسمى المحكمة الدولية، فيما لو قامت، هي، من جهة، اداة مثلى ليس لادانة، بل على العكس لتبرئة النظام الدكتاتوري السوري من جريمة اغتيال الشيخ رفيق الحريري وغيرها من الجرائم؛ وهي، من جهة ثانية، اداة مثلى للمساومة بين هذا النظام وبين اميركا لتقديم “خدمات” جديدة. والآتي اعظم.

ХХХ

بضع كلمات اخيرة نسوقها لسياسيين “يساريين” مرتدين، مثل وليد جنبلاط والياس عطالله، من الذين يعتقدون انهم يمكن بسهولة ان يضحكوا على عقول الناس، بعد ان خانوا مواقعهم التاريخية السابقة:

ـ ان الشيخ رفيق الحريري كان تحت عيون المراقبة الدقيقة ثانية بثانية على مدار 24 ساعة.

ـ وان جميع الاجواء والحدود والطرقات الداخلية والموانئ اللبنانية كانت ولا تزال كلها تحت المراقبة الجوية والفضائية الدائمة، الاميركية ـ الاسرائيلية، ناهيك عن عمل اجهزة المخابرات التقليدية.

ـ اننا قد نصدق ان سويسرا وكولومبيا والفيليبين وتركمانستان لم تكن تستطيع ان تعلم فورا من قتل الحريري.

ـ ولكننا لا نصدق البتة ان اميركا واسرائيل والمملكة السعودية وسوريا لم تكن تعلم بمخطط، ومن ثم بتفاصيل عملية اغتيال الشيخ الحريري.

ـ لا شك ان اميركا (واسرائيل!)، مثلهما مثل المملكة السعودية والنظام الدكتاتوري السوري، تخفيان المعلومات الملموسة التي تعرفانها، عن الرأي العام اللبناني والعربي والدولي، وعن التحقيق ذاته، في جريمة اغتيال الشيخ رفيق الحريري؟؟!

قديما قيل: “الساكت عن الحق شيطان اخرس!”

واميركا واسرائيل، اللتين تحاولان تضليل العالم بأسره، عبر حصر التهمة بسوريا فقط، هما شيطان حقيقي، بل شيطان اكبر، ولكنه ليس اخرس (!!)؛

ـ فلماذا اذا يسكت الشيطان الاميركي ـ الصهيوني؟؟

ـ ولماذا يسكت “اليساريون” المرتدون عن هذا الشيطان، بل ويتحالفون معه من اجل “الحقيقة”، والاسوأ: من اجل “حرية وسيادة واستقلال” لبنان؟؟

جورج حداد:كاتب لبناني مستقل

%d مدونون معجبون بهذه: