30 يناير, 2026

أحمد سليمان : معمودية الدم السوري ومفترقات العدالة الفالتة

  • الإشكالية تمثلت في العدالة الدولية وهيئات الأمم، التي أثبتت شيخوختها أمام حل النزاعات والأزمات، ليس في سوريا فحسب، وإنما في عدد من دول العالم.

  • نتج عن انقسام الأكراد مجموعة تشكيلات التحقت بعد عام ونصف بالثورة، وما يوازي ذلك دخول قوات حزب كردي (بي كي كي) لتصبح جزءًا من معادلة النظام، بل جناحًا عسكريًا له.

  • تحولت قضية الملوحي إلى شعار يلخص معاناة السوريين، وطويت قضيتها قبل شهر من أول تحرك يدعو لإسقاط النظام، لتلتقي مطالبات إطلاق السجناء مع شرارة الثورة الشعبية. لم نقرأ قرارًا دوليًا حازمًا، سوى بعض إدانات لا تستحق حتى التأمل فيها، وامتد هذا القصور إلى مستوى بعض الكتاب والمفكرين.

  • الأكراد تعرضوا للقمع والاضطهاد، ولكن ذلك في مقام واحد كسائر السوريين، كما أنهم التحّقوا بالثورة بعد عام ونصف، فلماذا يطالبون بتعامل مميز لأنفسهم ويتغاضون عن دماء أكثر من 250 ألف شهيد قدمتهم الثورة؟

  • شارع الحمرا، الذي تعرفت فيه على كتّاب وشعراء، اعتدت منهم ابتسامة الأمل ورقة الحديث: عباس بيضون، يحيى جابر، يوسف بزي، عقل العويط، وصديقي ربيع خليل الذي توفي في الصين.

أحمدسليمان: قبل أي شيء، لا بد للعالم أن يفهم حقيقة ثابتة، تتمثل في واقع منظمة الأمم المتحدة، فقد أثبتت هذه المنظمة أنها أصبحت راعية للعدالة الإقصائية، فحدث في كواليسها وسنّت عبر مواثيقها قرارات ساهمت في تعزيز وتشريع الجرائم التي يرتكبها الرؤساء بحق شعوبهم. بالتالي، نحن أمام عدالة تحتاج إلى مراجعة وتطوير، خاصة أن هذه القوانين أصبحت بنودًا قديمة وفاقدة الفاعلية.

لقد شهد العالم طيلة سنوات فيلمًا طويلًا بدأ بتونس، مرورًا بمصر، ثم ليبيا واليمن، واستقراره في سوريا. ومنذ مارس 2011، انطلقت الثورة السورية من دمشق ودرعا وحمص، ثم الرستن ودير الزور، وبعد عام في حلب، ثم تحررت الرقة قبل عام، لتتسلمها قوى الجهالة والبربرية التي زرعها النظام ذاته قبل انسحابه التكتيكي من المدينة. وهكذا ببساطة، كان دخول داعش مبرمجًا بتغاضي واضح من قبل النظام، بعد اختراقها وتهيئة الدور المناط بها، ليتم إضفاء صورة مشوهة عن الثورة، وإيهام العالم بأن ما يحدث ليس ثورة، ولإرسال رسالة للسوريين بأن البديل سيجعلهم أسرى موت همجي مؤكد. كل شيء كان واضحًا بلا لبس.

أما اللافت اليوم، فلم نقرأ أي قرار دولي حازم، سوى بعض الإدانة التي لا تستحق حتى التأمل فيها. وقد شمل هذا القصور الفظيع بعض الكتاب والمفكرين والمثقفين الذين كنا نتوقع منهم دورًا احتجاجيًا فاعلًا ضد هذا القتل والقصف المجنون والتدمير الممنهج للإنسان والوطن.

مرت أعوام كانت الأكثر وحشية ودموية، تجاوزت كل معايير الحروب والاقتتال منذ أكثر من مائة عام. الحرب على سوريا وشعبها هذه المرة لم يقم بها من أوهمنا أن حافظ الأسد ونظامه هو عدونا، بل يقودها أغبى مخلوق عرفته البشرية، يجمع بين الحماقة والتخريف على هيئة مسخ، سليل عائلة مجرمة لم تنجب لبلادنا إلا السموم وويلات والمجازر، ابن حافظ الذي واصل نهج والده في القتل والتدمير بحق شعب وبلاد وهوية سوريا، ابن ذات العائلة التي احتلت البلاد.

لا يختلف اثنان أن أطرافًا نشأت ضمن الفوضى التي عزز دورها النظام بهدف تسفيه الثورة واختراقها أيضًا. فقد زرع النظام الفوضى في بيئات معينة، وحاصر مناطق ومنع عنها الإمدادات الغذائية والمياه، لتُقتحم لاحقًا بأشكال مختلفة عبر القصف بالطائرات والصواريخ، وفي حالات كثيرة باستخدام قنابل النابالم وذخائر محشوة بالمتفجرات، وعندما يئس من السيطرة، لجأ إلى هجوم كيميائي واسع على غوطتي دمشق، وقبل ذلك على منطقة خان العسل في حلب.

الإشكالية تمثلت في العدالة الدولية وهيئات الأمم المتحدة، التي أثبتت شيخوختها أمام حل النزاعات والأزمات، ليس في سوريا فحسب، بل في عدد من دول العالم. ومع كل هذا، ما زلت مثل كثيرين في سوريا وخارجها مؤمنًا بعدالة ثورتنا على النظام الفاشي، وفي الوقت نفسه أضع في الحسبان أننا نحن السوريون وقعنا في فخ نصبه لنا تجار الحروب وأجهزة المخابرات، أولئك الذين راحوا يتقاذفون بنا إثر مرة، في وقت تشرذمت فيه المعارضة التاريخية التي أنتمي إليها وأعتز بثقافتها منذ أكثر من ربع قرن.

انتخاب جحــــا الأســـــد

بالرغم من احتقان البلاد نتيجة التراكم الفوضوي الفاجع والمميت، يبقى رهاننا قائمًا على بنية الشعب السوري بكل شرائحه وأطيافه. الفوضى المريبة مركّبة، نتاج برمجة ممنهجة من النظام نفسه الذي تحول إلى مجموعة عصابات، تُدار رؤوسها من قبل مخابرات دولية أسست لنفسها بؤرًا تتحكم بطبيعة الصراع في سوريا. هذه الجهات تعرف عدد السنوات التي خصصتها لهذه الحرب حينا، وتتركها لتفلت أحيانًا أخرى تحت مسميات تتسلّل إلى أروقة الأمم المتحدة وعدالة فالتة. من هذه الخاصية يمكن فهم انتخابات المهزلة التي تم الإعداد لها، والتي تبدو أقرب إلى الكوميديا الهزلية.

وهكذا، بعد فشل النظام السوري بالرغم من تحصنه وراء دعم دولي، والسماح بتدخل سافر لكل من روسيا وإيران وعصابات حالش ـ المقصود هنا مليشيا حزب الله والمالكي، إلى جانب تحالف ضمني مع داعش، وخسارته في جبهات قتالية أمام قوى الثورة (كما هو ثابت للعالم وللسوريين خصوصًا)، تبين أن بشار الأسد ليس سوى أضحوكة للتهريج. وها هو يحاول خداع السوريين بإجراء انتخابات مبكرة — ويا ليت الأمر تم كما نصحناه قبل أعوام ثلاثة أو كما استمع إلينا في 27 مايو 2006 حين رشح نفسه للانتخابات ومنع أي منافس من الترشح، حينها كان من الممكن تجنّب البلاد ويلات أكثر من نصف مليون شهيد وسجين، وأكثر من عشرة ملايين نازح ومشرد داخل سوريا، وما يقارب أربعة ملايين خارج البلاد بين لاجئ وهارب ومجهول الهدف والمستقبل.

الانتخابات، بلا شك، ستكون ممرغة بدم السوريين، في محاولة غبية لم يسبق لها مثيل، تُسجّل كفوز كاسح له على 24 مليون سوري، وفق سيناريو سيُعلنه الثلة الحاكمة وعائلته. ومن المتوقع أن يدّعون أن 80٪ من الشعب السوري شارك في الاقتراع، وأكثر من نصفهم قدّم صوته للقائد الأحمق. ولو أُنجز استطلاع حيادي، لكان اكتشف أن 90٪ يرفضون استمراره كرئيس، بل يطالبون قوى العدالة والحرية في العالم بتقديمه لمحكمة الجنايات الدولية كمجرم حرب، قتل وشرد وسجن السوريين كما لم يحدث في حروب كبرى.

اختراقات:

تم التركيز على اختراق الثورة من هوامشٍ وثغرات عدة، أبرزها: ضعف الوعي الكامل لدى بعض القيادات الشبابية، وقِلّة التمويل خصوصًا في العام الأول، فضلاً عن تدخّل أطراف إقليمية عبر تحالفات مع عناصر أخرجها النظام من سجونِه ووظّفها. كما ساهم وجود روسيا وإيران وميليشيات وأحزاب متمرِّسة بالحروب في تعقيد المشهد.

وفي المقابل، نشأت مجموعات غريبة عن نسيج المجتمع السوري، تمثّلت بداعش وجبهة النصرة في بداياتها؛ هذه الأطراف امتلكت أيادًا وأقدامًا وعقولًا تُبرمج حساباتها وفق بيئةٍ أمنية تُرسّخها نيابةً عنها. اندمج بعضهم مع متطرّفين أجانب ومهاجرين، وتلاقَت مصالحهم مع أجندات مجرمين أُطلق سراحهم من السجون بعد أن وُزِّعت عليهم أدوار محددة، واستُخدمت خبراتهم في مشاريع الارتزاق تحت مسمّى الجهاد — جهادٌ أحمق يخدم في نهاية المطاف أهداف العائلة الحاكمة وعصاباتها التي انحرفت عن كل قيم الإنسانية.

هؤلاء جميعًا ساهموا في تشويش الرأي العام المحلي والدولي وإغراق الثورة في فوضى منظّمة.

التباس كردي وخداع

كما في أساطير المنافقين باسم الأديان، تنتشر ظاهرة الإمارات السلفية (داعش نموذجًا) التي طبختها أجهزة مخابرات عائلة الأسد. كما ظهرت دعوات “داعشية” تقودها منظمات كردية، وكأنها تكرر منطق حزب بعث آخر، جناح كردي بقيادة جماعات أسست لها المخابرات السورية “حزبًا”، وتربّت قيادته في سهل البقاع في لبنان، بإشراف غازي كنعان شخصيًا، الذي اغتيل لاحقًا على يد بشار الأسد.

مع انطلاقة الثورة، راح بعض الأكراد، وعلى طريقة داعش، يضربون النظام علنًا، مقتنعين بأن أساطيرهم في تحقيق حكم خاص لهم تمر عبر دعم حلم بشار الأسد في قمع الثورة. فكانت أول ضربة قاصمة وغير متوقعة.

كما لاحظ العالم أن بعض الأكراد يسعون لإقليم خاص بهم من جهة، ويعملون في سياق آخر لتعزيز مكاسب سياسية في كامل سوريا، متوقعين أن يُعاملوا كمدللين من الجميع، دون أي مشاركة مثل عموم السوريين في الثورة، التي واجهها النظام بالطائرات والنابالم، فيما قدم بعض الأكراد دعمًا خفيًا للنظام ضد أبناء وطنهم الواحد.

وفق هذا المشهد الغادر والمخزي، تأخر الطرفان الكرديان في حسم مشاركتهما لصالح سوريا، فيما كان النظام يقتل الجميع بلا تمييز. نتج عن ذلك انقسام الأكراد إلى تشكيلات التحقت بعد عام ونصف بالثورة، وما يوازي ذلك دخول قوات حزب كردي (PKK) له امتداد في تركيا، لتصبح جزءًا من معادلة النظام وجناحًا عسكريًا له. كما ساهمت مجموعات مثل (حزب الله، حالش، قوات الصدر والمالكي والحرس الإيراني) في تعزيز دور النظام “بورقة الأكراد”، وملوحًا بالأفق تحريضًا قذرًا على تقسيم البلاد.

لا شك أن الأكراد تعرضوا للقمع والاضطهاد، ولكن ذلك شأنهم كسائر السوريين. ومع التحاقهم بالثورة بعد عام ونصف، يطرح السؤال: لماذا يطالبون بمعاملة مميزة لأنفسهم ويتغاضون عن دماء أكثر من 250 ألف شهيد قدمتهم الثورة؟ الواضح أنهم وقعوا في فخ سياسي، وشاركوا بمزيد من التورط في قتل السوريين، في خطوة تُعد خيانة بحق الوطن والثورة. فالمنطق السليم هو المطالبة بحقوق متساوية لجميع السوريين.

تنسيق النشطاء 2010

غابت الثورة الشعبية السورية عن الإعلام لسنوات ثلاث، خلالها تم وضع مقدمات أسس لها ما يمكن وصفه بتنظيم مدني شارك فيه عدد من الكتاب والنشطاء عبر الشبكات الاجتماعية. وقد سبقت ذلك مطالبات لإطلاق سراح المعتقلين على خلفية إبداء الرأي أو كتابة مقال، أو لمجرد متابعته لنشرة أخبار تشير إلى اعتقالات غير قانونية، أو ناشط يدين محاكم الدولة في سوريا، التي كانت آنذاك مجرد مخافر شرطة لتشريع الفساد السياسي وسيطرة المخابرات على سلطات القرار. وكل من يخالف هذه السلطات أو يحتج أو يطالب بتطبيق القوانين يكون عرضة للاعتقال لسنوات، أو تلفَّق بحقه تهم تجعله معزولًا وأسير جلسات التحقيق، بما قد يؤدي إلى طرده من وظيفته.

وحدث هذا مع مثقفي ونشطاء إعلان دمشق، حيث توجت أنشطتهم بين نشطاء حقوق الإنسان وعدد من المثقفين والسياسيين المستقلين بتنسيق مدني حول فكرة دعم الحريات والديمقراطية كطريق سليم للتحوّل المدني، من خلال تبني قضايا ذات أهداف واضحة، أبرزها الدفاع عن سجناء الرأي وكشف الفساد السياسي.

من هنا بدأت قضيتنا مع طل الملوحي، التي ساعدتنا على التعرف على جوانب لم نكن ندركها في قضايا أكبر بكثير من قصة معتقلة واحدة. وقد جمعت حولها أكبر تحالف، إلى جانب رغبة قوية من النشطاء للعمل العلني الذي يسهم في صناعة الرأي العام وكشف الانتهاكات المتأصلة في جسد نظام يتعامل مع مواطنيه بالتهميش والقسوة.

كان أول عمل مشترك متقن يطالب بتحرير المدونة طل الملوحي، وتطورت المطالبة تدريجيًا مع ردود فعل النظام آنذاك، الذي استغل قضيتها كلعبة إعلامية للتخاطب مع الغرب وأمريكا. وفي الوقت نفسه، ارتفع سقف مطالب النشطاء، لتصبح قضية الملوحي شعارًا يختزل معاناة السوريين منذ وصول عائلة الأسد إلى الحكم. وقد طويت قضيتها بحكم خمس سنوات، وكان ذلك قبل شهر من أول تحرك يدعو لإسقاط النظام، لتلتقي مطالبات إطلاق السجناء مع شرارة الثورة الشعبية.

قبل الثورة بشهر

قبل أكثر من شهر من شرارة الثورة، دعا نشطاء إلى اعتصام، على أن يليه مظاهرة في وقت لاحق، متوسمين أن يؤسس ذلك لحالة أكبر. شخصيًا، وصلتني دعوة حول ذلك، وقمت بتحويل مضمونها إلى زملاء أعمل معهم في أنشطة حقوقية. كانت تربطني علاقة وطيدة بالسيدة سهير الأتاسي، وقد رافقت كل مراحل التهديد والاستدعاءات التي كانت تبلغني عن مضمونها، على غرار عملي في منظمة مدنية تتابع أخبار نشطاء الديمقراطية. انقطع الاتصال بعد إعلانها الأول عن مشاركتها في المظاهرة، والذي أسفر عن اعتقالها إلى جانب حوالي 300 ناشط، أبرزهم المفكر طيب تيزيني، والكاتبتين حسيبة عبدالرحمن وناهد بدوية.

بالرغم من أن الدعوة جاءت من أفراد، صدرت بعض الآراء من شخصيات سياسية ما زلنا نبني عليها آمالًا بالتغيير، على الأقل على المستوى الفكري. هذه الآراء كانت تتساءل عن معين المكان والزمان، معتبرة أن الدعوة ومصدرها خارج سوريا، وهو أمر طبيعي، إذ أن المزامنة يحددها الداخل، الذي هو أعلم بمجريات الأحداث وعلى صلة مباشرة بها.

على هذا الأساس، قمت بمراسلة بعض المشاركين في الحملة، وسألتهم عن طبيعة الدعوة، فأكدوا أنها مبادرة عفوية من الداخل. ثم توالت الدعوات، التي تراوحت بين المطالبة بالإصلاح الديمقراطي والمطالبة برحيل النظام السوري.

في هذه الأثناء، وردت بعض التعليقات التي لم تتبنى التظاهر، بينما أبدى آخرون تحفظاتهم، لاسيما بشأن خطابات راديكالية قد لا يتحملها النظام وقد تتسبب في اعتقالات. بات المشهد محاطًا بالاتهام والاستهجان، وفي الوقت نفسه كان هناك طابور منافق يتواصل مع الجميع، يثيرون فتنة مشبوهة. وفهمنا أن ذلك ناتج عن غيرة وحساسية من أنشطة عامة يشارك فيها الجميع.

أما البعض، فراح يحاججني: لماذا لا أنزل إلى دمشق، بينما كنت محرومًا حينها من دخول بلدي، كوني مدرجًا ضمن لائحة المعرضين للاعتقال. في الوقت نفسه، كان النظام وبعض طباله (الجبهة الرجعية – الأحزاب الرسمية) يتحدثون إلى جانب مسؤولي النظام، مدعين أن الحالة السورية فردوسية، وأن سقف الحريات فيها معقول، وأن سجناء الرأي مجرد مشاغبون تتم معاقبتهم.

في هذا السياق، أشير إلى مقال منشور بتاريخ 1 فبراير 2011، تضمن إجابات واضحة وصريحة عن دعوات تكللت بعد أنشطة مشتركة (اضغط هنا). وهكذا، في كل مرة يظهر علينا نخبة من المعارضين أو المعارضات، دون أن ندري من أي صالون بدأت معارضتهم، وما هو عمر معارضتهم. كنا وما زلنا نقرأ لهم غالبًا تعليقًا يقتصر على إدانة القتل الذي يمارسه نظام تحول إلى مجموعة عصابات تمارس البطش والترويع والإجرام ضد شعبنا.

أذكر، وبشكل كبير، تحقيقًا أنجزته في 24 ديسمبر 2009 بعنوان “قضاء اللا نزاهة وتشريع الاستبداد”، ذكرت فيه ظاهرة التشييع السياسي. هذا التحقيق أوقعني في خصومات حينها مع بعض الأشخاص. إلا أن الثورة جمعتني بهم مجددًا، ومن دافعت عنهم في ذلك التحقيق، أصبح أغلبهم الآن ينظرون إلى مضامين ما قلته قبل سنوات، وقد أصبح الرفاق القدماء ومن كانت مواقفهم هادئة قادة في الثورة.

الطائفة كذبة سياسية

كثر الحديث واللعب على الجانب الإيماني والديني والمذهبي والإثني والقومي، ومسميات لا حصر لها تلخّص طبيعة هندسة وراثية خبيثة تمتهنها منظومة لم تدخر وسعًا في استخدام كل قذارة للحفاظ على بنيتها.

جمعتني الصدف بأصدقاء رائعين، وتعرّفت أيضًا إلى بشر غير سويين، ولم أندم قط؛ كان بيتي المتواضع يجمع كثيرين من كتّاب وشعراء ومعارضين. كنا نلتقي نهاية كل أسبوع في “المدوكا” ونختم نهارنا بأمسية شعرية أو عرض مسرحي، وذلك في محيط مساحته ألف متر في شارع الحمرا حيث أقمت في بيروت.

لم أطرح على أحد سؤالًا عن طائفته، رغم أن الحديث عن الطائفية في بيروت يذكّرك فورًا بصور صراع دامٍ استمر ثلاثين عامًا تحت اسمٍ طائفي. مقابل هذا المشهد الدموي كانت حيوية العيش هناك وروح الناس من جنوبهم إلى شمالهم شيئًا يشدك إليهم. أنا السوري الذي اندمج قليلاً دخلت بيوت أصدقاء من كل المذاهب والديانات، ورغم تحفظات بعضهم حتى بعد عقد ونصف من العيش بينهم، كان ذلك طبيعيًا بالنسبة لي إذا راجعنا أسباب تحفظاتهم؛ فقد خلف نظامٌ أساء لجيشه وجهاز مخابراته على مدى عقود دمارًا في النفوس، وقتلًا، وسرقةً للمؤسسات، واعتقالاتٍ واغتيالاتٍ كثيرة.

كانت لقاءاتنا لا تخلو من المزاح والسخرية على ما يحدث في سوريا ولبنان، وما جمعنا كان أعمق من مجرد استنكار لواقع فرضته ظروف سياسية. لم تغب عن بالي لحظة دخولي شارع الحمرا؛ تعرفت هناك على كتّاب وشعراء اعتدت منهم ابتسامة الأمل ورقة الحديث: عباس بيضون، يحيى جابر، يوسف بزي، عقل العويط، وصديقي ربيع خليل الذي توفي في الصين… كثيرون أحببت فيهم حضور الإنسان على كل اعتبار. كان ذلك فهمًا وسلوكًا عهدته منهم طوال سنوات إقامتي الثلاثة عشر في بيروت التي منحتني كل شيء، بينما جئت هاربًا من قسوة نظام حَرمني كل شيء.

أيضًا في بيروت تعرّفت على أشخاص طارئين كشفت فيهم وحدة الخوف والهزيمة والقلق، قادمين من سوريتنا المعتقلة بفم ذئبٍ وجيش ثعالب منتشر في كل مكان. ومع ذلك، من كان مضطربًا صباحًا نجده في السهرة متزنًا يفيض ثورة ويطالب بإسقاط النظام. هنا أفتح قوسًا لأخيّ من كل الطوائف: كانت علاقتي جيدة بشباب من الدروز في السويداء، ومن ساحل المعارضة اليسارية، ومع مثقفي القرى العلوية، وقسم من الإسماعيليين السلمية، وبينهم كرد عفرين وقا مشلي.

كنت السوري المتأمل لرفاق أحبّ صداقتهم، وحديثنا كان يطبعه رفض قاطع لقوى الجهالة البربرية السياسية وخطاب القمع الذي مثّله نظام حافظ الأسد آنذاك. أنا السوري المؤمن بإرادة شعبنا، ما زلت أتفحص روحي ووعيي كل صباح؛ وإن تغيرت الظروف وأعلنت ثورات وأسقطت حكومات، فإن برابرةً من نوع مختلف أفلحوا في الإفلات من أجهزة مخابرات العالم، فإذا بنا نواجه نشيدًا يهجم علينا باسم الدين يشبه أخلاق من هندس ونظّم ذات القمع، واضعًا على الرؤوس أكثر من حذاء عسكري صنع بمعامل المخابرات.

اليوم، وأنا أراجع رسائل وردتني وأقارنها بتعليقات منشورة في أكثر من مكان، لفتني تعليق بسيط لكنه بالغ الدلالة، وصفه مراقبون بأنه نذير استفاقة من قبَل “العلويين” كون غالبيتهم مؤيدين. استطاع النظام خداعهم أو أوهمهم بأن بقاء عائلة الأسد سيحميهم، لكن الأحداث المتواترة كشفت أكاذيب من هذا النوع. فقد قام بشار الأسد أكثر من مرة بمقايضة ضباط إيرانيين وشخصيات ومقاتلين من حزبٍ حليش وسواهم، لكنه في الوقت نفسه لم يوافق على مقايضة شيخ الطائفة وكبيرها “موفق غزال” وتركه يُقتل، في محاولة خبيثة لإحداث شرخ كبير في المجتمع السوري، يبدو فيه الصراع طائفيًا. لقد تمنى النظام مقتل “موفق غزال” بأيدي متطرفين كي يبرر بطشه وقصفه للسوريين، ولتثبيت رغبات قتل وانتقام تصدر عن مؤيديه.

بانتهاء مريع وبشع لمصلحة الشيخ “الغزال”، استطاع بشار الأسد أن يتظلم أمام العالم، ويقنع المترددين من ذات الطائفة بالوقوف إلى جانبه. كما أسلفت، ظنّ النظام أن ذلك رسالة تعكس رأيًا لشريحة كبيرة تشكلت حديثًا بعد آخر مقايضاته، حين تجاهل أسرى كثيرين من الطائفة وأفرج عن 16 راهبة مقابل 151 سيدة سورية كانت تُعتقل لدى النظام (راجع الربط هنا). أطرح سؤالًا واحدًا لا غير: بأي قاموس في الدنيا يموت المرء طائفيًا لأجل عائلة؟

نخلص بالقول: إن عصر الطغاة الذين أنجبتهم عائلة الأسد قد ولى، وما تلاحظونه اليوم ليس سوى مسوخ في طريقهم إلى الانقراض. أما سوريا التي نريدها فهي وطنٌ نهائي للجميع؛ لذلك أي فكرٍ انقسامي – ديني، قومي، إثني، شعبوي أو عشائري – يسعى لهدم إرادة شعبنا فهو غير مرحّب به.

ما زلت أحتفظ بمسودة بيان كان يُفترض نشره قبيل اعتصام وزارة الداخلية في دمشق ، وتم التخاطب والتنسيق مع أصدقاء و زملاء من أجل توظيف التحرك السلمي على نحو يؤدي الى نتائج مرجوة . لابد من العودة الى سنوات ثلاثة مضت بل قبل شهر واحد من الثورة حين بعثت لي سيدة تنشط معنا في الداخل السوري برسالة على بريدي الخاص ، تخبرني عن استحالة العمل الجماعي في ظل مشاحنات تسيئ لأي نشاط . وقد قرأت مضمون الرسالة في ذات الصفحة التي كنت قد أنشأتها من أجل اطلاق سراح الدكتورة تهامة معروف وسائر المعتقلين ، أذكر بأنه تم تعيين بعض النشطاء كأدمن للصفحة من بينهم الشاعر فرج بيرقدار وذات السيدة التي اقدر نضالاتها عاليا حين كانت موزعة حياتها بين تحقيقات وانشطة .. كنت وما زلت مثل كثيرين من الكتاب ، متبنيا ذات الأنشطة ، عبر منظمة مدنية كان لها شرف الدفاع عن أول مدونة سورية تحولت قضيتها لجزء هام ، بل مستوعب كبير من مقدمات الثورة .. وقد وقع نظري فجأة لأفتح ايملي واستل منه عدد من مخاطبات سيدة ، شاء النضال العاصف في بلدنا ان يخطفها من بيننا و تتحول الى ( نجمة سياسية ) لم يعد يطالها اصغر سوري اشعل الثورة .

 

معمودية الدم السوري: 

سوريا، أرضُ الحضارات والملاحم، تحولت على مدى سنوات إلى مسرحٍ لمعمودية الدم، حيث كل قطرة سقطت على ترابها كانت شاهدة على فوضى مترسخة وانتهاكات بلا عقاب. من الثورة الأولى إلى التفجيرات، ومن الاعتقالات التعسفية إلى المجازر المنهجية، صار الدم السوري مرجعًا وحيدًا للشهادة على غياب العدالة، التي أصبحت فالتة، عاجزة عن حماية المدنيين أو محاسبة المسؤولين.

في مفترقات هذا الدم، تبرز تساؤلات قاتلة: من يحاسب القاتل؟ ومن يعيد الحقوق للضحايا؟ كيف تتوازن القيم بين السلطة والمواطن، وبين القانون وعبثية القوة؟ العدالة التي فشلت في سوريا ليست مجرد غياب محاكم عادلة، بل انعكاس لمنظومة دولية وإقليمية أضحت تراعي المصالح على حساب الأرواح، وتطيل أمد معاناة الشعب الذي يئن تحت وطأة البطش والقهر.

مع كل يوم جديد، يثبت السوريون عبر صمودهم أن الدم الذي أُريق لم يكن عبثيًا، بل شهادة على إرادة الحرية والكرامة. إلا أن العدالة الفالتة ما زالت تقف على مفترق طرق، بين الانتقام والصلح، بين التوازن السياسي وحقيقة التاريخ، لتبقى سوريا الحقيقية بحاجة إلى وطن جديد، يُعيد الحقوق لكل أبنائها ويعيد بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة.

بقلب أبيض أختم :

اتذكر في هذه اللحظة طفلة مقطوعة الرأس ، نسوة مقدسات ذُبحن بصمت … ثوار سوريين أرواحهم تغطي سماء العالم … عشاق متيمون بالعدالة ، إلى أكثر من قساوسة أحرار ، امثال غسان سلطانة ، يوسف الجادر ، عبد القادر الصالح ، مشعل تمو ، الى وطني الذي يتنفس في رئة السماء …. لتسقط الشعارات المسعورة التي يعلنها تجار الدين ، مرتزقة السياسة وعبيد المال . مع كل هذا وذاك ، لدي ايمان عميق ، بأن شعبنا قادر على تخطي الفخ الذي تنصبه ثقافة اللحى الملوثة والمتفجرات ، هذه العقلية الخرقاء هيأ لها بشار أسد.



 

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب