في تصريح مثير للجدل، أعلن السيد أحمد الشرع: “أنا لست امتداداً للربيع العربي.”
هذا الجزء تحديدًا هو ما يعنينا نحن السوريين من مجمل التصريح، الذي تنصّل فيه أيضًا من نشأته، وذلك شأنه الخاص. لكن حين يتعلق الأمر بتاريخ امتد لأكثر من أربعة عشر عامًا، ناضل فيه السوريون ضد واحدة من أبشع الطغم الحاكمة في التاريخ المعاصر، يصبح الإنكار فعلًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.
كلمات الشرع لا تعكس مجرد موقف سياسي، بل تفتح الباب لسؤال أوسع: إن لم يكن امتدادًا للثورة، فما الذي تبقى من الطريق الذي أوصله إلى هنا؟
أنا واحد من الذين عاشوا تفاصيل الثورة منذ يومها الأول، بل قبلها بأعوام. عاصرت، كما ملايين السوريين، تراكمات القمع والاحتقان والسجون. أعيش في الخارج منذ عقدين، لكن أحداث بلدي لم تغب عني لحظة. رصدت الانتهاكات، وشاركت في الاعتصامات، وأدنت الجرائم عبر بيانات وفيديوهات ووسائل إعلام مختلفة. رأيت كيف دفع السوريون دماءهم ليفتحوا بابًا نحو التغيير، وكيف عبرت الثورة محطات صعبة، كان فيها كثيرون جسورًا مشوا عليها ليصل غيرهم. واليوم، حين يعتلي أحدهم المنصة لينكر كل ما سبق، نشعر أن التضحيات تُمحى بجملة عابرة.
وليس تصريح الشرع الأخير وحده ما يثير الريبة. ففي خطابه الأول، أعلن أن “الثورة انتهت”، واعتبرنا ذلك إشارة مبكرة إلى أن ما جرى طوال السنوات الماضية لا يعنيه إلا بقدر ما أوصله إلى الكرسي. وفي لقاء إعلامي اختاره بنفسه، أعلن أنه “تنازل عن الجراح التي سببها حزب الله في سوريا”، وكأن دماء الآلاف التي نزفت بيد تلك الميليشيا يمكن أن تُختصر في ورقة تفاوضية تُطوى على طاولة السياسة.
هذه التصريحات لم تُوجَّه إلينا نحن السوريين، بل صيغت كلها لتُخاطب الخارج:
إلى واشنطن وأوروبا ليقول: “لم أعد جهادياً.”
إلى الخليج والقاهرة ليقول: “لست إخوانياً، ولن أكرر الربيع العربي.”
إلى أنظمة المنطقة ليقول: “أنا لست ثورة”، بل مجرد سلطة تبحثون عنها ومُتاحة للاستثمار.
من حق أحمد الشرع أن يتنكر لماضيه الجهادي، فهذا شأنه، والمسار الجهادي أصلًا لا يمثل السوريين، وأنا واحد منهم. لكن حين يمتد هذا التنكر ليشمل الثورة نفسها، يصبح الأمر إساءة فظة للذاكرة الجمعية. الربيع العربي لم يكن هامشًا في وجدان السوريين، بل كان جوهر الحلم الذي دفعهم إلى الساحات، وهو الذي أوصل الشرع إلى موقعه اليوم، رغم أنه كان في بداياته من أشد خصوم الثورة، وظهر في تسجيلات يشتم الديمقراطية ويدوس علمها. فكيف لمن أنكر الثورة أن يدّعي تمثيلها؟
أما الرسالة التي تصل إلينا نحن، فهي أوضح: الشرع ببساطة يعتبر أن لكل مرحلة أدواتها، يتم استهلاكها ثم التنكر لها.
داعش كانت أداة، وكذلك القاعدة والجهاديون والثوار الذين آمنوا به، الحواضن العشائرية كانت أداة، وحتى الثورة نفسها عاملها كأداة انتهى دورها. وعندها يصبح الدم السوري سلعة تُستبدل باعتراف خارجي، بينما الشعب يُوضع على الهامش.
القضية ليست في الخلاف على الأسماء أو الانتماءات، بل في الثقة.
من يعلن اليوم أن الثورة انتهت، يوحي بأن جراح الضحايا طيّ النسيان، ومن ينكر الربيع العربي، فهو عمليًا ينكر ثورة السوريين.
بفضل رسائله الموجّهة للخارج، قد يمنحه هذا الأخير أوراق اعتماد حين تقتضي المصالح، لكنها تُسحب حين تتغير الموازين.
قد يرفع زعيمًا إلى الواجهة، لكنه لا يمنحه يومًا استقرارًا دائمًا، لأن هذه شرعية ظرفية، هشّة بطبيعتها، تعيش بقدر ما تعيش المصلحة التي أنتجتها.
أما الشرعية التي تستقر، فلا تُمنح عبر صكوك الاعتماد من عواصم الخارج، بل تُبنى مع الناس الذين دفعوا الثمن وصمدوا على الأرض.
كل سلطة تُقام على رضا الخارج وحده تبقى معلّقة بخيوط رفيعة، وإن استمرت… فلن يكون ذلك إلا بشرعية الدماء وأجهزة المخابرات والبندقية الموجّهة إلى الداخل.
ومع ذلك، هذا النوع من الشرعية لا يؤسس لدولة ولا يصنع مستقبلًا، بل يعيد إنتاج الكارثة التي جرّبها السوريون لعقود.
فوحدها شرعية الشعب قادرة على تحويل السلطة إلى مشروع وطني، لا مجرد وظيفة سياسية في سوق الصفقات الدولية. وهذا درس فهمه الطغاة عبر التاريخ، ولكن دائمًا بعد فوات الأوان، وبعد أن دمّروا شعوبهم وأوطانهم.
تصريح الشرع ليس مجرد نفي للماضي، بل إعلان بأن الداخل ليس جزءًا من حساباته، وأن الشعب والثورة والضحايا لا يساوون عنده شيئًا أمام ختم اعتراف خارجي. وهذه ليست براغماتية، بل بيع رخيص في سوق السياسة الدولية.
ما قاله الشرع لا يخص النقاش عن “جهاديين أو إخوان” وخلطه مع ربيع عربي، بل عن معنى الوفاء، وعن قيمة الدم السوري الذي لا يجوز أن يُمحى بجملة في خطاب.
فمن يرى أن الخارج يكفيه ليبقى، فليتذكر أن الداخل هو الذي كتب التاريخ، وهو الذي سيحسم المستقبل.
ملاحظة توضيحية:
بعد نشر هذا المقال، وردتني إشارات تفيد بأن بعض التصريحات المنسوبة للسيد أحمد الشرع قد تكون غير دقيقة أو جرى تداولها خارج سياقها. ورغم انتشارها عبر شبكات التواصل الاجتماعي ونسب بعضها إلى قناة “سكاي نيوز”، فإن المرجع الإعلامي الموثوق والمعتمد يبقى في الاقتباسات المباشرة. عدم نشر هذه التصريحات عبر وكالة “سانا” الرسمية لا يعني بالضرورة أنها غير موجودة، إلا أن التشكيك في دقتها يستدعي من المكتب الإعلامي المعني توضيح طبيعتها، والكشف عن نسختها الموثقة صوتًا أو صورة، ضمانًا للمصداقية ومنعًا لأي التباس في نقل المواقف.
أحمد سليمان
More Stories
الإعلام المرئي حول سوريا: منبر للنقاش أم ساحة للرهانات والتصفية السياسية؟
بين جمهوريتين: برلمان ما بعد الحرب هل يمهّد الطريق لسوريا جديدة؟
سوريا بين توازن النفوذ وتعثر السيادة: إدارة أزمة أم غياب حل؟