31 أغسطس, 2025

اعتقال الرئيس الافتراضي لسوريا /صابر شرتح

قبل أيام طرحت سؤالاً عن حقيقة خبر اعتقال “الرئيس الكوميدي” السيد صابر شرتح بسبب تصريحات نارية يدين فيها الحكومة السورية ورئيسها.

دعونا لا نتوقف طويلاً عند مضمون التصريح، فالرجل يتنقل يومياً بين شخصيات متعددة عمداً كأسلوب يخصه، وظهوره على وسائل التواصل الاجتماعي أقرب إلى إمضاء وقت فكاهي مشوب بجرعات سياسية عابرة هادفة. ومع ذلك، يبقى السؤال مشروعاً: هل اعتُقل فعلاً؟

بغضّ النظر عن سبب توقيفه ـ إن صحّ ـ فإن المنطقي أن يُترك ليواصل مسيرته الساخرة. فمن يدري؟ ربما يترشح غداً لرئاسة سوريا فعلياً، في بلد تحوّل واقعه إلى مسرح للكوميديا السوداء، حيث تختلط النوايا الطيبة بممارسات تعكس أحياناً جوهر الظاهرة التي يمثلها شرتح نفسه.

يمكن تصنيف صابر شرتح اليوم كـ “رئيس للكوميديا السياسية الناقدة”؛ فهو لا يحمل برنامجاً سياسياً منظماً، لكنه يعبّر بطريقته الفوضوية عن مزاج شعبي ناقم وساخر في آن واحد، ويجسد فقدان الثقة بالخطاب الرسمي والمعارض معاً.

المطلوب أولاً: الكشف عن مصير الرجل لفهم حكايته، ثم التوقف عند الظاهرة الأوسع التي يعبر عنها.

لم يعد محمد صابر شرتح حالة فردية معزولة؛ فظهور شخصيات مماثلة في سوريا يعكس تحولات اجتماعية عميقة: مجتمع يختنق سياسياً، فيتحول المزاح إلى وسيلة تفريغ، والسخرية إلى لغة احتجاج، والخيال إلى بديل عن الواقع المسدود.

في الأوضاع الطبيعية، تبقى الشخصيات الساخرة على هامش المشهد العام، لكن حين تتراجع الثقة بالمؤسسات وتنهار القنوات التقليدية للتعبير السياسي، تتحول هذه الشخصيات إلى ظاهرة لافتة وربما إلى نجوم افتراضيين يتابعهم الآلاف. المزاح المختلط بالجد لا يضحك الناس فحسب، بل يعبر عن غضب مكتوم وعجز عن التغيير.

ظاهرة شرتح تكشف فراغاً في المجال العام السوري: لا مشروع سياسي واضح المعالم، ولا معارضة قادرة على فرض نفسها كبديل، ولا سلطة تستوعب النقد أو الفكاهة. في هذا المناخ، يصبح العبث خطاباً له جمهور. كثيرون يتابعون شرتح للتسلية، لكن آخرين يرون فيه تجسيداً لواقع فقد توازنه، حيث يمكن لكل شيء أن يحدث — حتى وصول شخصية هزلية إلى موقع رسمي.

التجارب العالمية تشير إلى أن السخرية السياسية ليست مجرد لهو. الممثل فولوديمير زيلينسكي أصبح رئيساً لأوكرانيا بعد أن لعب دور الرئيس في مسلسل كوميدي، وفي إيطاليا قاد الفكاهي بيبي غريللو حركة سياسية قلبت الموازين. ليست القضية في أشخاص بعينهم بقدر ما هي تعبير عن أزمة سياسية واجتماعية تجعل الجمهور يبحث عن وجوه جديدة، حتى لو جاءت من قلب الهزل.

من هنا، لا يكفي السؤال عمّا إذا كان صابر شرتح قد اعتُقل أو لا. وعلى الرغم من تضامننا معه ورفضنا لاعتقاله تحت أي ظرف، يبقى السؤال الأهم موجهاً للجهة التي اعتقلته: لماذا يتابع السوريون شخصيات مثله بإعجاب أو فضول؟ وما الذي يكشفه ذلك عن علاقتهم بالسياسة والسلطة والمعارضة معاً؟

أطلقوا سراحه فوراً، حتى لا يعتقد العالم أن حكومة ورئيساً يخافان مواطناً أعلن نفسه رئيساً للقلوب.

أحمد سليمان

 

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب