6 يناير, 2026

أطفال بلا معيل… ووصاية بلا إحصاء: فجوة قانونية تهدد مستقبل سوريا

لم تعد مسألة غياب الإحصاءات المتعلقة بالعائلات التي فقدت معيلها، أو الأطفال الذين باتوا بلا رعاية أبوية فعلية، خللًا تقنيًا أو تقصيرًا إداريًا عابرًا، بل تحوّلت إلى ثغرة قانونية خطيرة تهدد بنية المجتمع السوري ومستقبل أجياله، وتنعكس مباشرة على التشريعات والسياسات العامة المرتبطة بالأسرة والطفولة.
إن إعداد إحصائية وطنية حديثة وعلنية بات ضرورة ملحّة لتوثيق حجم الكارثة الاجتماعية التي خلّفتها سنوات الحرب، ولا سيما في ما يتعلق بعدد الأسر التي فقدت معيلها، وعدد الأطفال الذين يحتاجون إلى وصاية قانونية أو رعاية بديلة. فالتعامل مع هذه القضايا دون أرقام موثوقة لا يعني الحياد، بل يعني اتخاذ قرارات قانونية في فراغ معرفي يُنتج ظلمًا منظمًا.
المؤشرات المتوفرة، حتى وفق أكثر التقديرات تحفظًا، تشير بوضوح إلى أرقام كارثية، نتيجة القتل، والاختفاء القسري، والاعتقال طويل الأمد، والهجرة القسرية، إضافة إلى التفكك الأسري والتخلّي المتعمّد عن تحمّل المسؤولية. وهي عوامل لم تترك أثرها الاجتماعي فقط، بل أعادت تشكيل واقع الأسرة السورية جذريًا، وغيّرت أدوار الإعالة والرعاية بشكل واسع.
إن الاستمرار في تجاهل هذا الملف يعني عمليًا ترك مئات آلاف الأطفال خارج أي إطار قانوني أو اجتماعي منظم، وتكريس فراغ خطير في منظومة الوصاية والحماية والمسؤولية المدنية. لذلك، فإن توفير هذه البيانات يجب أن يُعد أولوية عاجلة لا تقبل التأجيل أو الترحيل أو الطمس، لأن غيابها لا يؤخر الحل فحسب، بل يفتح الباب أمام تشريعات منفصلة عن الواقع.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل هذا الفراغ الإحصائي عن التوجه التشريعي الذي كرّسه تعميم وزارة العدل رقم (17) لعام 2025. فالتعميم لم يُبنَ على قراءة واقعية موثّقة لما آلت إليه الأسرة السورية بعد أكثر من عقد من الحرب، بل افترض ضمنيًا وجود أب أو عصبة ذكورية حاضرة وقادرة على الولاية والرعاية، في حين تؤكد الوقائع أن عشرات آلاف الأطفال يعيشون اليوم في ظل غياب الأب بالوفاة أو الاعتقال أو الاختفاء أو الهجرة، وأن الأمهات هنّ المعيل والمسؤول الفعلي الوحيد في عدد هائل من الحالات.
إن امتناع وزارة العدل عن إعداد أو نشر إحصاءات وطنية حديثة حول الأسر التي فقدت معيلها، والأطفال الذين يعيشون خارج إطار الرعاية الأبوية، لا يمكن اعتباره تقصيرًا إداريًا محايدًا، بل يشكّل شرطًا بنيويًا لتمرير نصوص قانونية منفصلة عن الواقع الاجتماعي. فلو كانت هذه الأرقام متاحة وموثّقة، لما أمكن تبرير نقل الولاية تلقائيًا إلى أقارب ذكور قد لا تربطهم بالطفل أي علاقة رعاية فعلية، ولا فتح الباب أمام علاقات قوة غير متكافئة تُستخدم عمليًا للضغط والابتزاز تحت غطاء قانوني.
بهذا المعنى، لا يكرّس التعميم رقم (17) حماية للطفل، بل يعمّق هشاشته القانونية، ويحوّل غياب الإحصاء من خلل تقني إلى أداة تشريعية تُعيد إنتاج الإقصاء داخل الأسرة السورية. وهو ما يضع وزارة العدل في موقع المسؤولية المباشرة، ليس فقط عن مضمون التعميم، بل عن البيئة القانونية التي سمحت بصدوره واستمراره رغم تعارضه الواضح مع الواقع الاجتماعي ومع مبدأ المصلحة الفضلى للطفل.

ملحق الأرقام والمؤشرات – سوريا
تنبيه منهجي:

لا توجد حتى نهاية عام 2025 إحصاءات رسمية سورية حديثة شاملة ومعتمدة دوليًا تغطي كامل الأراضي السورية. الأرقام التالية مستندة إلى تقديرات من منظمات أممية وحقوقية، وتُستخدم كمؤشرات مرجعية في التقارير الدولية.
(1) الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما
يُقدَّر عدد الأطفال السوريين الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما منذ عام 2011 بنحو مليون طفل.
لا يوجد تحديث رسمي منشور لهذا الرقم، ولا توجد مؤشرات على انخفاضه.

(2) الأسر التي فقدت معيلها
تشير تقديرات حقوقية، من بينها الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إلى أن عشرات آلاف الأسر فقدت المعيل الذكر بسبب القتل أو الاعتقال أو الاختفاء القسري.
كما فقدت آلاف الأسر المعيلة الأنثى في سياق القصف أو النزوح أو تدهور الرعاية الصحية.
هذه الأرقام لا تشمل حالات الهروب من المسؤولية أو التفكك الأسري غير الموثق رسميًا.

(3) الأطفال المحتاجون إلى وصاية قانونية أو رعاية بديلة
لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الأطفال المحتاجين إلى وصاية قانونية.

التقديرات تشير إلى وجود مئات آلاف الأيتام أو شبه الأيتام، إضافة إلى آلاف الأطفال المنفصلين عن أسرهم بسبب النزوح أو الفقدان أو الاعتقال.
نسبة كبيرة من هؤلاء الأطفال خارج أي نظام وصاية منظم أو خاضع للمساءلة.
(4) الأطفال المحتاجون إلى المساعدة الإنسانية
وفق تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، يحتاج نحو سبعة ملايين ونصف المليون طفل داخل سوريا إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
هذا الرقم لا يعبّر عن اليُتم فقط، بل يعكس هشاشة بنيوية عميقة في قدرة الأسرة السورية على الإعالة والحماية.
خلاصة
غياب الإحصاء ليس صدفة، بل نتيجة تفكك مؤسساتي وسياسي.
الكارثة الاجتماعية مثبتة بالمؤشرات، حتى في ظل غياب الأرقام النهائية.
وأي حديث عن عدالة، أو إصلاح قانوني، أو حماية للطفولة في سوريا، يفقد مصداقيته بالكامل ما لم يبدأ بإحصاء وطني شفاف، وبمراجعة تشريعية تعترف بالواقع بدل إنكاره.

أحمد سليمان

الملف صادر عن نشطاء الرأي

الرابط : https://opl-now.org/2025/12/21/opl-51/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب