6 يناير, 2026

الأكراد في سورية: بين التاريخ، المواطنة، والحقوق السياسية:تحقيق قانوني/حقوقي

يُعدّ النقاش حول الوجود الكردي في سورية من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، نظرًا لتداخله مع التاريخ الحديث للدولة السورية، ومع تحوّلات سياسية وعسكرية عميقة شهدتها البلاد خلال العقود الأخيرة. وقد أدّى هذا التداخل، في كثير من الأحيان، إلى خلطٍ بين الوقائع التاريخية، والمفاهيم القانونية، والمواقف السياسية، بما أضعف النقاش العام وأخرجه من إطاره العقلاني.

يهدف هذا التحقيق إلى تفكيك هذه الإشكالية من منظور قانوني وحقوقي، عبر التمييز الواضح بين التاريخ بوصفه سجلًا للوقائع، والمواطنة بوصفها رابطة قانونية متساوية، والحقوق السياسية بوصفها مجالًا مشروعًا للنقاش ضمن الدولة السورية الواحدة

●أولًا: البعد التاريخي – ما الذي يمكن اعتباره ثابتًا؟

تشير المراجع التاريخية إلى أن الوجود الكردي في سورية ليس حالة واحدة ولا زمنًا واحدًا.

1.فمن جهة، سُجّل وجود كردي قديم ومحدود في مدن مثل دمشق وحلب، ارتبط بأحياء سكنية وشخصيات سياسية وعسكرية معروفة في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي والوسيط.

2.ومن جهة أخرى، شهدت مناطق شمال وشمال شرق سورية، ولا سيما الجزيرة السورية، هجرات كردية واسعة خلال الربع الأول من القرن العشرين، على خلفية التحولات السياسية في الدولة العثمانية ثم الجمهورية التركية، وخاصة بعد قمع انتفاضة الشيخ سعيد بيران عام 1925. وقد أدّت الحملات العسكرية وسياسات التتريك والتهجير القسري التي استهدفت المناطق الكردية في تركيا إلى نزوح آلاف العائلات نحو الأراضي السورية، حيث وفّر الانتداب الفرنسي آنذاك بيئة أكثر استقرارًا نسبيًا مقارنة بالمناطق الحدودية المضطربة.

وقد انعكست هذه التحولات في وثائق رسمية ومذكّرات لمسؤولين سوريين في فترة الانتداب الفرنسي، من بينها مذكّرات محمد كرد علي، التي عبّرت عن هواجس إدارية وسياسية مرتبطة بإدارة الحدود والتنوّع السكاني. غير أن هذه الوثائق تعبّر عن سياقها الزمني والسياسي، ولا يمكن التعامل معها بوصفها أحكامًا نهائية صالحة لكل الأزمنة.

الوجود الكردي في سورية حقيقة تاريخية ثابتة، لكنه متعدّد السياقات، ولا يمكن توظيفه لتبرير نفيٍ مطلق أو ادّعاء أسبقية شاملة.

●ثانيًا: المواطنة – المعيار القانوني الحاسم

 

في القانون الدستوري الحديث، تُعدّ المواطنة رابطة قانونية تقوم على الجنسية والمساواة أمام القانون، لا على الأصل العرقي أو القومي. وبناءً على ذلك، فإن الأكراد في سورية:

1.يحملون الجنسية السورية
الأكراد جزء من المواطنين السوريين الذين تربطهم بالدولة رابطة قانونية واضحة هي الجنسية، وهي الأساس الذي تُبنى عليه الحقوق والواجبات.

2.يتمتعون – من حيث المبدأ – بالحقوق والواجبات ذاتها
بموجب الدستور والقانون، يتمتع الأكراد بالحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية نفسها التي يتمتع بها سائر المواطنين، دون أي تمييز قائم على الانتماء القومي أو اللغوي.
إن مصطلحات مثل «سوري بالأصالة» أو «سوري بالمواطنة فقط» لا أساس لها في القانون السوري أو في القانون الدولي، وتمثل تعبيرات خطابية تُستخدم خارج الإطار القانوني، وقد تؤدي إلى تكريس تمييز غير مشروع بين المواطنين.

اشارة قانونية:
المواطنة في سورية واحدة وغير قابلة للتجزئة، ولا يجوز ربطها بالانتماء القومي أو الخلفية التاريخية.

ثالثًا: الحقوق السياسية – بين المشروع وغير المشروع

يفرض المنهج الحقوقي التمييز بين الحقوق السياسية المشروعة من جهة، والممارسات المخالفة للقانون من جهة أخرى.

حقوق مشروعة:
1. المشاركة في الحياة السياسية.
2. التعبير الثقافي واللغوي.
3.التنظيم السياسي والحزبي السلمي.
4. المساهمة في تطوير الشؤون الخدمية والتنموية محليًا، ضمن أطر قانونية وإدارية واضحة، وبما يعزّز وحدة الدولة المركزية وسيادتها الكاملة.

ممارسات مرفوضة قانونيًا:

1.الانفصال الأحادي خارج الأطر الدستورية.

2.فرض وقائع سياسية أو إدارية بالقوة المسلحة.

3.السيطرة على أراضٍ أو موارد سيادية خارج سلطة الدولة.

4.ربط الحقوق القومية باحتكار الثروات الوطنية.

يحمي القانون الدولي حقوق الأقليات، لكنه في الوقت ذاته يؤكد على سيادة الدول ووحدة أراضيها، ولا يمنح حق الانفصال إلا في حالات استثنائية محدودة لا تنطبق، من الناحية القانونية، على الحالة السورية.

رابعًا: الخلط بين الحقوق والمشاريع السياسية

1. الأكراد كمكوّن وطني سوري

يمثّل الأكراد أحد المكوّنات الوطنية الراسخة في المجتمع السوري، شأنهم شأن بقية المكوّنات القومية والدينية. وتقوم علاقتهم بالدولة على رابطة المواطنة التي تكفل لهم الحقوق والواجبات ذاتها التي يتمتع بها جميع السوريين، دون تمييز قائم على الأصل أو اللغة أو الخلفية التاريخية.
إن اختزال الأكراد في “مشروع سياسي واحد” أو “توجّه موحّد” يتجاهل التنوع الاجتماعي والسياسي داخل المجتمع الكردي، ويحوّل مكوّنًا وطنيًا كاملًا إلى كتلة سياسية متخيّلة لا وجود لها في الواقع.

2. القوى السياسية والعسكرية التي تدّعي تمثيل الأكراد

في المقابل، ظهرت خلال العقود الأخيرة قوى سياسية وعسكرية مختلفة، بعضها يعمل ضمن أطر سياسية، وبعضها فرض نفسه بقوة السلاح أو عبر ظروف الحرب. هذه القوى لا تمثّل بالضرورة جميع الأكراد، ولا يجوز مساواة وجودها أو ممارساتها بالحقوق الطبيعية للمكوّن الكردي.
فالخلط بين “الأكراد” و“الجهات التي تتحدث باسمهم” يؤدي إلى نتائج خطيرة، منها:

1.تحويل الخلاف السياسي إلى صراع هوياتي.

2.تحميل مكوّن اجتماعي كامل مسؤولية أفعال فاعلين محددين.

3.إضعاف السلم الأهلي وتقويض إمكان بناء عقد اجتماعي قائم على المواطنة المتساوية.

●خلاصات واستحقاقات قانونية:

لا يمكن مقاربة القضية الكردية في سورية عبر سجالات الأصل أو عبر استدعاء انتقائي للتاريخ، بل من خلال الاحتكام إلى مبادئ الدولة الحديثة القائمة على سيادة القانون، ووحدة الإقليم، والمواطنة المتساوية. فالتاريخ يفسّر الوقائع ولا يُنشئ حقوقًا سياسية بذاته، كما أن الانتماء القومي، بوصفه معطًى ثقافيًا واجتماعيًا، لا يجوز أن يعلو على الانتماء الوطني الذي يحدّده القانون إطارًا جامعًا لجميع السوريين ضمن دولة واحدة.

إن الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للأكراد، باعتبارهم مواطنين سوريين متساوين مع سائر المكوّنات، لا يمثّل تهديدًا لوحدة البلاد، بل يشكّل أحد الشروط الأساسية لصونها. فتعزيز المشاركة السياسية وضمان حرية التعبير الثقافي يستندان إلى أسس قانونية واضحة، ويؤديان عمليًا إلى ترسيخ دولة عادلة تقوم على مرتكزات دستورية وديمقراطية.

ويُظهر هذا التحقيق أن الإشكال لا يكمن في المطالب الحقوقية ذاتها، بل في تحويلها إلى مشاريع أمر واقع تُفرض بالقوة المسلحة، أو تُربط بالتحكم بالموارد السيادية، أو تُقدَّم بوصفها تمثيلًا حصريًا لمكوّن وطني كامل. فهذا الانتقال من منطق الحقوق إلى منطق الهيمنة يخرج عن الإطار القانوني، ويقوّض مبدأ المواطنة المتساوية، ويفتح الباب أمام صراعات داخلية ممتدة.

وتقتضي المعالجة السليمة للقضية الكردية في سورية فصلًا واضحًا بين المكوّن الاجتماعي من جهة، والقوى السياسية أو العسكرية التي تدّعي تمثيله من جهة أخرى، كما تستدعي إدماج هذا الملف ضمن مشروع وطني شامل لإعادة بناء الدولة على أسس دستورية جديدة تضمن لامركزية منضبطة، وتكافؤ الفرص، والمساءلة، وسيادة القانون.

وعليه، فإن تحقيق سلام أهلي مستدام في سورية يستلزم مقاربة قانونية وحقوقية رصينة، منسجمة مع الدستور، تحمي الحقوق، وتحصّن السيادة، وتفكّك الالتباس المفتعل حول الانتماء الوطني، بعيدًا عن أوهام الإقصاء التي يروّج لها بعض الفاعلين السياسيين رغم غيابها عن الواقع الشعبي والدستوري. فالدولة الجامعة لا تُبنى بمنح امتيازات خاصة لمكوّن دون غيره، ولا بإنكار الحقوق، ولا بتفكيك الكيان، بل عبر تحقيق توازن دقيق بين وحدة الدولة وضمان الحقوق، وهو التحدي الحقيقي المطروح أمام السوريين اليوم.

المراجع:

1-محمد كرد علي، المذكّرات، الجزء الثاني، دمشق.

2-خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين.

3-فيليب خوري، سورية والانتداب الفرنسي، ترجمة مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

Jordi Tejel, Syria’s Kurds: History, Politics and Society, Routledge-4.

5-الدستور السوري (1973 – 2012).

6-العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الأمم المتحدة.

7-إعلان حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية، الأمم المتحدة (1992).

8-Antonio Cassese, Self-Determination of Peoples, Cambridge University Press.

 

أحمد سليمان:

الرابط : https://opl-now.org/2025/12/30/opl-54/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب