1. الإشكالية الديموغرافية بين الغياب والتسييس
في الدول الحديثة، لا يُعدّ الإحصاء السكاني إجراءً إداريًا فحسب، بل قاعدة أساسية لبناء العدالة في توزيع الحقوق والموارد والتمثيل السياسي.
غياب الإحصاء الدقيق يفتح المجال للتأويل، ثم للتوظيف السياسي.
في سوريا، وخصوصًا في الجزيرة السورية، تحوّل هذا الغياب إلى خلل مزمن.
لم يُنشأ تعداد شامل، ولم تُطوّر منصة إلكترونية وطنية للإحصاء السكاني، ما جعل الأرقام عرضة للتضخيم أو الإنكار أو الازدواج.
2. مرسوم 93 لعام 1962: نقطة الانكسار
صدر المرسوم رقم 93 في أغسطس/آب 1962، وأُجري تعداد استثنائي في محافظة الحسكة بهدف تحديد ما سُمّي بـ«المتسللين الأجانب».
شرط التعداد: إثبات الإقامة في سوريا منذ عام 1945.
من لم يثبت إقامته: صُنّف كـ«أجنبي» أو «مكتوم القيد».
النتائج المباشرة:
- تجريد نحو 120,000 كردي من الجنسية السورية
- انتقال الحرمان القانوني إلى الأبناء والأحفاد
- فقدان حقوق أساسية: التملك، العمل الحكومي، التعليم العالي، السفر، التمثيل السياسي
3. غياب الإحصاء الإثني الرسمي
لا يتضمن أي تعداد سوري بيانات إثنية معلنة. لذلك تعتمد التقديرات على:
- دراسات أكاديمية
- نسب النمو السكاني العامة
- التوزع الجغرافي التاريخي
- تقارير وتحليلات دولية
الأرقام التالية تقديرية لكنها الأكثر اعتمادًا.
4. تقديرات عدد الأكراد في سوريا (1970 – 1990)
تقديرات العدد:
- 1970: 550,000
- 1975: 600,000
- 1979: 650,000
- 1980: 700,000
- 1985: 850,000
- 1989: 950,000 – 1,000,000
- 1990: 1,050,000 – 1,150,000
5. نسبة الأكراد من إجمالي سكان سوريا
النسب التقديرية:
- 1970: بين 7% و8%
- 1975: بين 7.5% و8.5%
- 1980: بين 8% و9%
- 1985: نحو 9%
- 1990: بين 9% و10%
6. الهجرة الداخلية والازدواج في السجلات (الثمانينيات)
- وسط تدهور اقتصادي، هاجر آلاف الأكراد من الجزيرة السورية إلى حلب ودمشق.
- بقيت قيود النفوس في أماكن الأصل.
- سُجّل العمل والإقامة في المدن الجديدة.
النتيجة:
ازدواج في الأسماء → تضخيم الأعداد → استغلال سياسي.
أدّى بقاء قيود النفوس في مناطق الأصل، مقابل تسجيل الإقامة والعمل في المدن الجديدة، إلى ظهور آلاف الحالات التي يظهر فيها الشخص نفسه في سجلّين مختلفين. ومع غياب أي منصة وطنية موحّدة تربط السجلات ببعضها، أصبح من السهل أن يُحتسب الاسم الواحد مرتين أو أكثر في الإحصاءات المحلية.
هذا الازدواج لم يكن مجرد خطأ إداري، بل تحوّل لاحقًا إلى مادة جاهزة للتوظيف السياسي. فقد استُخدمت هذه الأرقام المكرّرة باعتبارها “العدد الحقيقي للسكان”، في سياقات هدفت إلى تضخيم حجم مجموعات معينة أو التقليل من أخرى، بما يخدم روايات سياسية متباينة حول التوازن الديموغرافي في الجزيرة السورية.
7. منصة إلكترونية للإحصاء السكاني: السيناريوهات
7.1 تصحيح القرار السياسي
- اعتماد الأرقام الفعلية لتوزيع الموارد
- تمثيل أدق في المجالس المحلية
- إنهاء الجدل حول “الأحجام السكانية”
7.2 تحصين السلم الأهلي
- نزع الطابع السياسي عن الأرقام
- تقليص خطاب التخويف الديموغرافي
- تحويل النقاش من صراع إلى إدارة
7.3 العدالة المدنية
- ربط الحقوق بالإقامة الفعلية
- تقليص التهميش الإداري
- تعزيز المواطنة المتساوية
الملحق البصري (إنفوغرافيك نصي)
أولًا: الخط الزمني للاختلال
- 1962: تعداد استثنائي في الحسكة → حرمان عشرات الآلاف من الجنسية
- 1970: الاعتماد على تقديرات غير رسمية
- 1975–1980: نمو طبيعي للسكان → سجلات غير محدثة
- 1985: هجرة داخلية واسعة → ازدواج قيود النفوس
- 1985–1990: تضخيم الأعداد → بداية التوظيف السياسي للأرقام
ثانيًا: تطور العدد التقديري للأكراد
- 1970: 550,000
- 1975: 600,000
- 1979: 650,000
- 1980: 700,000
- 1985: 850,000
- 1989: 950,000 – 1,000,000
- 1990: 1,050,000 – 1,150,000
ثالثًا: نسبتهم من إجمالي السكان
- 1970: 7% – 8%
- 1975: 7.5% – 8.5%
- 1980: 8% – 9%
- 1985: نحو 9%
- 1990: 9% – 10%
رابعًا: مخطط سبب – نتيجة
غياب تعداد وطني
→ سجلات غير محدثة
→ ازدواج القيد
→ أرقام متناقضة
→ توظيف سياسي
→ توتر اجتماعي
خامسًا: قبل / بعد المنصة الإلكترونية
قبل:
- أرقام تقديرية
- تضارب المصادر
- جدل سياسي دائم
- غياب الثقة
بعد:
- بيانات موحدة
- تحديث مستمر
- شفافية رقمية
- قرارات قائمة على الواقع
سادسًا: أثر المنصة على صنع القرار
سياسيًا:
تمثيل أدق، توزيع عادل للموارد
اجتماعيًا:
نزع الطابع السياسي عن الأرقام، تحصين السلم الأهلي
مدنيًا:
ربط الحقوق بالإقامة الفعلية، تعزيز المواطنة المتساوية
ليس أخيرًا:
ليست المشكلة في سوريا أن مجتمعها متنوع، بل أن هذا التنوع تُرك طويلًا بلا مرآة رقمية تعكسه كما هو.
وحين غابت المرآة، حلّت مكانها الروايات، ثم الاتهامات، ثم الأرقام التي تُصاغ وفق الحاجة لا وفق الحقيقة.
إن بناء منصة وطنية للإحصاء السكاني ليس مجرد مشروع تقني، بل فعل استعادة للواقع نفسه.
فهو يعيد للناس أسماءهم وأعدادهم ووجودهم، ويمنح الدولة القدرة على التخطيط، ويمنح المجتمع القدرة على الثقة.
إنه الخطوة التي تفتح الباب لسياسات عادلة، ولحوار يستند إلى الوقائع لا إلى المخاوف، ولإدارة تنظر إلى التنوع بوصفه ثروة لا عبئًا.
أحمد سليمان
الرابط : https://opl-now.org/2025/12/31/opl-56/

المزيد من المواضيع
من محاربة داعش إلى انهيار قسد وانكشاف مشروع PKK
ثقافة التنكيل: لسنا في بلادٍ متخيَّلة كي نبتسم
انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناها الحقوقي