تترافق المشاورات الجارية حول إعادة تفعيل اتفاقية فضّ الاشتباك الموقّعة عام 1974 بين سوريا وإسرائيل مع نقاشات تتعلق بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2025، في خطوة يُفترض أن تعيد الوضع الميداني إلى ما كان عليه قبل هذا التاريخ. ويأتي ذلك في سياق إقليمي متوتر، يتسم باستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، بما في ذلك الضربات الجوية والتوغلات المحدودة، إلى جانب تصريحات رسمية وإعلامية إسرائيلية أثارت انتقادات واسعة لما تحمله من مساس بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ولفهم دلالات هذا الحراك السياسي والأمني، لا بد من العودة إلى الأساس القانوني لقضية الجولان. فمنذ حزيران/يونيو 1967، حين احتلت إسرائيل معظم الهضبة السورية خلال حرب الأيام الستة، بقي الجولان أرضًا محتلة وفق القانون الدولي. وبعد حرب تشرين عام 1973، أُبرمت اتفاقية فضّ الاشتباك عام 1974 برعاية الأمم المتحدة، ونُشرت بموجبها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فضّ الاشتباك (UNDOF)، بهدف تثبيت خطوط الفصل ومنع الاحتكاك العسكري، من دون أن تُحدث أي تغيير في الوضع القانوني للجولان.
ويستند هذا الوضع القانوني إلى قرارات أممية واضحة، أبرزها قرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967، الذي يؤكد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة ويدعو إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة، وقرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981، الذي اعتبر فرض إسرائيل قوانينها وولايتها على الجولان لاغيًا وباطلًا ولا أثر قانونيًا له. وقد جدّدت الأمم المتحدة في السنوات الأخيرة تأكيدها عدم الاعتراف بأي سيادة إسرائيلية على الجولان، والتزامها بمرجعيات القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
في ضوء ذلك، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للترتيبات الأمنية، بما فيها إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك، أن تتحول عمليًا إلى إطار يُدير الاحتلال بدل أن يمهّد لإنهائه، إذا غاب عنها الارتباط الصريح بالمرجعيات القانونية الدولية؟ فالاتفاقات الأمنية، بطبيعتها، أدوات تقنية تهدف إلى الحد من التصعيد وضبط التوتر، لكنها لا تُنشئ حقوقًا سيادية ولا تُعدّ بديلًا عن القرارات الدولية الملزمة.
وعليه، فإن أي مقاربة تكتفي بإدارة الوضع القائم من دون ربطه بمسار سياسي واضح يستند إلى القانون الدولي، تبقى عرضة للانتقاد بوصفها تكريسًا للأمر الواقع، لا خطوة نحو حلّ النزاع. كما أن تحويل الترتيبات الأمنية إلى إطار دائم قد يضعف تدريجيًا مركزية المرجعيات القانونية، ويُهمّش جوهر القضية المتمثل في إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة السورية على كامل الجولان.
خلاصة القول :
إن الحل السلمي المستدام لقضية الجولان يقتضي الالتزام الكامل بالقرارات الدولية، وضمان انسحاب الاحتلال، واحترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها. ولا يمكن لأي ترتيبات أمنية، مهما كانت ضرورتها، أن تُعدّ بديلًا عن الحل السياسي القائم على القانون الدولي، الذي يبقى الإطار الوحيد القادر على حماية حقوق السوريين وصون حدود البلاد وتوفير أساس واقعي لاستقرار طويل الأمد.
أحمد سليمان
نشطاء الرأي
الرابط :

المزيد من المواضيع
لماذا الولاية القضائية عرجاء؟ : عندما يُعتقل مادورو وتُكافأ جرائم بشار الأسد
الإحصاء الغائب: كيف فُتحت بوابة التلاعب الديموغرافي في الجزيرة السورية؟
دراسة في الهوية والذاكرة وتمثّلات السلطة على العملة الوطنية