بين الحين والآخر تظهر خطط عمل وتصورات تعاني تداخلاً ملتبسًا بين الإداري والسياسي، في مقابل غياب شبه كامل لأي منجز ثقافي حقيقي. وقد لفت نظري مؤخرًا بيان صادر عن اتحاد الكتّاب العرب يتحدث عن «إعادة هيكلة المديريات المركزية»، وهو نص يكشف منذ عنوانه عن مشروع متخم بالرمزية الفارغة، يضخّم ذاته أكثر مما يقدّم رؤية أو وظيفة.
عند التمعّن في تفاصيل الخطة، يتضح أنها لا تعبّر عن إصلاح مؤسسي، بل عن خلل بنيوي في فهم طبيعة الاتحاد ودوره. ويمكن تلخيص أبرز الإشكالات في النقاط التالية:
1) خلط التسمية بالوظيفة
إن إدخال مصطلحات ذات طابع بيروقراطي–وزاري مثل “مديريات مركزية” في إطار اتحاد ثقافي يخلق خلطًا بين طبيعة الكيان ووظيفته. فالاتحاد الثقافي ليس جهازًا حكوميًا ولا يحتاج إلى هياكل سلطوية متضخمة، بل إلى تنظيم مرن وخفيف ينسجم مع طبيعة العمل الثقافي. استخدام هذه اللغة يضفي سلطة شكلية لا تستند إلى وظيفة حقيقية.
2) تضخم إداري بلا مبرر
تعدد المديريات وتسمياتها يوحي بمؤسسة سيادية كبرى، بينما الواقع يشير إلى اتحاد يعاني أصلًا من ضعف الإنتاج والتأثير. مديريات مثل «الاستثمار والأبنية» أو «البحث والذاكرة» أو «تدريب الشباب وتنمية المواهب» تبدو أقرب إلى إعادة تدوير للعناوين منها إلى استجابة لحاجة فعلية أو سجل إنجاز.
3) فصلٌ نظريّ بين القيادة والتنفيذ
الحديث عن إشراف «المكتب التنفيذي» على رسم السياسات مقابل تولّي المدراء «الخبراء» مهام التنفيذ ليس سوى فصلٍ نظري لا يجد أي ترجمة في الواقع. فمركز القرار الفعلي يبقى محصورًا في يد «قيادة مفترضة» تتحكم بكل التفاصيل، ويُنظر إلى أي محاولة لإعادة توزيع الصلاحيات بوصفها تهديدًا لما يُسمّى «الاستقرار الإداري». ما عدا ذلك ليس إلا تزيينًا لغويًا يخفي استمرار الهيمنة ذاتها.
4) غياب الفصل بين الدور النقابي والدور الثقافي
الجمع بين المهام النقابية والنشاط الثقافي دون تحديد أولويات أو وظائف واضحة ينتج مؤسسة بلا هوية. فلا هي تدافع عن أعضائها بفعالية، ولا تنتج ثقافة ذات أثر، بل تظل معلّقة بين وظيفتين لا تؤدي أيًا منهما كما يجب.
5) لغة إنشائية تخفي فراغًا عمليًا
النص مكتظ بمفردات مثل «التحول الرقمي» و«بناء القدرات» و«تقييم الأداء» و«بيئة عمل مرنة وشفافة»، لكنها تأتي بلا مؤشرات قياس أو جداول زمنية أو آليات تنفيذ. ما يُقدَّم أقرب إلى بيان علاقات عامة منه إلى خطة عمل.
6) إعادة إنتاج العقلية السلطوية
الهيكلية المقترحة تعيد إنتاج منطق العقلية المتضخمة: هرم إداري غير واقعي، لجان خبراء غير معرّفة، وتسميات كبيرة بلا صلاحيات واضحة. لم يتحرر الاتحاد من منطق السلطة، بل أعاد إنتاجه بثوب ثقافي.
تدوير الأنا:
لا تكمن المشكلة في الهيكل الإداري بحدّ ذاته، بل في الرؤية التي تُديره وتوجّه بوصلته. فبدل أن يكون الاتحاد فضاءً حرًا للإبداع، يتحول تدريجيًا إلى جهاز بيروقراطي يستهلك طاقته في تدوير المكاتب وتضخيم العناوين. ما يحتاجه اتحاد الكتّاب ليس إعادة ترتيب مديرياته، بل إعادة تعريف وظيفته: وظيفة تقوم على إنتاج ثقافي قابل للقياس، ومسؤوليات محددة، وبنية صغيرة وفعّالة. من دون ذلك، ستظل كل محاولات «التحديث» مجرد حركة داخل إطار فارغ.
ولكي يستعيد الاتحاد دوره الطبيعي، فهو يحتاج إلى:
- هيكل صغير وواضح
- أدوار محددة لا تتداخل ولا تتنازع
- إنتاج ثقافي يمكن قياسه وتتبّع أثره
- مساءلة فعلية لا شكلية
ما عدا ذلك، سيبقى الاتحاد إمبراطورية ورقية تُعيد إنتاج ذاتها بلا أثر ثقافي حقيقي.
أحمد سليمان
الرابط : https://opl-now.org/2026/01/09/opl-59/

المزيد من المواضيع
الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّين
لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران
هل العدالة تُوقَّع برصيد بنكي؟