هل العدالة تُوقَّع برصيد بنكي؟
ما يجري اليوم تحت عنوان «التسويات المالية» ليس تفصيلًا إداريًا ولا خطوة تقنية عابرة، بل اختبار مباشر لمعنى العدالة في سوريا ما بعد الاستبداد. السؤال لم يعد نظريًا: هل يمكن للمال أن يحلّ محل العدالة؟ وهل يُسمح لمن موّل آلة القتل أن يشتري براءته بتحويل مصرفي؟
جوهر الاعتراض ليس على استعادة الأموال المنهوبة بحد ذاتها، بل على تحويل العدالة إلى معاملة مالية تُدار بين الدولة ورجال أعمال كانوا العمود الفقري الاقتصادي للنظام الأسدي، دون مساءلة علنية، ودون محاكمات، ودون أي اعتبار لحقوق الضحايا وذويهم. الدولة لا تملك أن تقوم مقام أولياء الدم، ولا أن تمنح صكوك غفران سياسية لمن شاركوا في الجريمة، ولا يحق لها أن تمنح «صفحة جديدة» نيابةً عمّن فقدوا أبناءهم ومنازلهم وأعمارهم.
حمشو نموذجًا: من تمويل السلطة إلى “تسوية” بلا محاسبة
حين يُطرح اسم محمد حمشو في سياق التسويات، فالمسألة ليست تقنية ولا رمزية. الرجل كان أحد أبرز المستفيدين من قربه من بشار الأسد، ومن أبرز ممولي النظام، وارتبط اسمه بعقود وامتيازات وشبكات نفوذ بُنيت على الفساد والولاء السياسي.
مصادر متعددة تؤكد أن حمشو كان جزءًا من منظومة اقتصادية–أمنية استفادت من الحرب، وخضعت لاحقًا لتحقيقات واسعة بعد سقوط النظام، شملت فحص أصوله وتجميد ممتلكاته. كما تشير تقارير أخرى إلى محاولات لإعادة تلميع صورته عبر حملات تبرعات “خيرية” أثارت غضبًا واسعًا، لأنها بدت كجزء من عملية شراء شرعية جديدة بالمال.
إدخال شخصية بهذا الثقل في “تسوية مالية” مغلقة، دون محاكمة أو كشف للحقائق، لا يمكن تقديمه كخطوة اقتصادية. إنه رسالة سياسية: النفوذ لا يُحاسَب… بل يُعاد تدويره.
الذرائع الاقتصادية… وتفريغ العدالة من معناها
يُقدَّم هذا النوع من التسويات للرأي العام بوصفه ضرورة اقتصادية: إعادة الأموال إلى الخزينة، تفكيك الكتلة الاقتصادية القديمة، تدوير عجلة الإنتاج، وفتح باب السلم الأهلي. لكن هذه الذرائع—even لو بدت براغماتية—لا تُسقط المسؤولية الجنائية ولا الأخلاقية.
فالعدالة الانتقالية، كما استقر عليها الفقه الدولي وتجارب الدول الخارجة من الاستبداد، تقوم على ثلاث ركائز: المحاسبة، جبر الضرر، وضمان عدم التكرار. ما يحدث اليوم يلتف على الركيزة الأولى ويُهمل الثانية بالكامل، ويحوّل الثالثة إلى شعار بلا مضمون. فالاقتصاد لا يُبنى على صفقات فوق الطاولة، بل على ثقة الناس بأن القانون واحد على الجميع.
إعادة إنتاج البنية القديمة… بوجوه قديمة وشعارات جديدة
الأخطر أن هذه التسويات تُعيد إنتاج البنية ذاتها التي حكمت الاقتصاد السوري لسنوات: نخبة راكمت ثروتها بفضل القرب من السلطة، والاحتكار، والتسهيلات الاستثنائية، ثم استُخدمت كأداة سياسية لتمويل القمع.
إعادة هذه الأسماء إلى واجهة الاقتصاد—حتى بعد “تسوية”—تعني عمليًا إعادة تدوير النفوذ نفسه. لا توجد ضمانات قانونية أو سياسية بأن ولاء هذه الطبقة سيكون للدولة الجديدة، لا لمن يدفع أكثر أو يفرض نفوذه لاحقًا.
أين الضحايا؟ وأين الثقة العامة؟
العدالة الانتقالية لا تُقاس بحجم الأموال المستردة، بل بحجم الإنصاف. لا معنى لتسوية لا تتضمن آليات واضحة لتعويض المتضررين، ولا تعترف بحقهم في التقاضي، ولا تمنحهم فرصة سماع الحقيقة علنًا.
المصالحة لا تُفرض من فوق، ولا تُشترى بشيكات مصرفية، ولا تُبنى على طمس الماضي أو إقناع المجتمع بأن المال يمكنه “غسل” الدم. فالعدالة التي لا تُنصف الذاكرة تُعيد إنتاج الجرح بدل تضميده.
والأخطر أن هذا النهج يضرب الثقة العامة في الدولة الناشئة. فحين يرى المواطن أن أصحاب النفوذ يشترون البراءة، بينما يبقى الضعفاء وحدهم تحت المساءلة، تتآكل شرعية الدولة قبل أن تكتمل مؤسساتها.
الطريق القانوني واضح… ولا يحتاج إلى التفاف
- محاكمات عادلة وعلنية
- تحقيقات تثبت المسؤوليات
- مصادرة الأموال الناتجة عن الجرائم
- ثم—وفقط بعد ذلك—يُطرح عفو عام على المجتمع
هذا ليس ترفًا قانونيًا، بل شرطًا لبناء دولة لا يخاف فيها المواطن من نفوذ المال. أي قفز فوق هذا المسار هو عدالة انتقائية تُكافئ النفوذ وتعاقب الضعفاء.
اقتصاد جديد… لا يحتاج إلى رموز الخراب القديم
إذا كان الهدف اقتصاديًا بحتًا، فسوريا ليست فقيرة بالموارد ولا بالطاقات. بناء اقتصاد سليم لا يحتاج إلى إعادة تمكين من ساهموا في تدميره، بل إلى قواعد شفافة، ومؤسسات مستقلة، وقضاء لا يساوم.
أي دولة نريد؟
الإصرار على اختزال العدالة بأرقام في الحسابات البنكية هو رسالة واحدة: العدالة ليست حقًا… بل امتيازًا لمن يملك ثمنها.
فالعدالة ليست بندًا في الموازنة، بل أساس العقد الاجتماعي. دولة خرجت من حكم ديكتاتوري لا يمكن أن تُبنى بلا عدالة انتقالية حقيقية. وكل تأخير أو تمييع لهذا الملف ليس حيادًا، بل انحيازٌ صريح ضد الضحايا، وضد فكرة الدولة ذاتها.
السؤال لم يعد: هل نحتاج المال؟ بل: أي دولة نريد؟ دولة قانون… أم شركة تُوقَّع فيها البراءة عند شباك المصرف؟
أحمد سليمان
الرابط :
https://opl-now.org/2026/01/09/opl-59/

المزيد من المواضيع
الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّين
لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران
حين يصبح السلاح عبئاً على الأكراد… حلّ قسد لم يعد خياراً