11 فبراير, 2026

انتصارات ناعمة أرادوها دموية: حين تُفرَّغ الاتفاقات من معناها الحقوقي

على مدى سنوات، طُلب من السوريين القبول بما يُسمّى «الانتصارات الناعمة» بوصفها المخرج الأقل كلفة من حرب مدمّرة. الفكرة، نظريًا، تقوم على تخفيف العنف والانتقال التدريجي نحو الاستقرار. لكن الواقع السوري يفرض حقيقة أكثر قسوة: في كثير من الأحيان، كان ثمن هذه التسويات دمويًا، وكانت الضحايا في صدارة المشهد لا في نهايته.

في هذا السياق، جاء الاتفاق الأخير بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، باعتباره خطوة تهدئة واحتواء. غير أن قراءة هادئة لبنوده، ومقارنة صيغته الأولية بما انتهى إليه، تفرض التعامل معه بحذر شديد، لا باعتباره حلًا نهائيًا، بل مسارًا هشًا قابلًا للانفجار إذا أُسيء تطبيقه أو تُرك بلا رقابة.

الاتفاق، في جوهره، يلامس قضايا سيادية حساسة: الترتيبات الأمنية، دمج القوى المسلحة، إدارة الموارد، والوظائف الإدارية والعسكرية. هذه الملفات لا يمكن التعامل معها بوصفها تفاصيل تقنية، بل هي مفاصل تقرير المصير والأمن المجتمعي. وأي تطبيق متسرّع أو انتقائي لها قد يحوّل الاتفاق من أداة تهدئة إلى مصدر خوف جديد.

الأحداث الميدانية الأخيرة تؤكد هذا القلق. من الشيخ مقصود ودير حافر، إلى تصفية السجناء في مدينة الطبقة – وحتى الآن لا توجد إحصائية دقيقة عن عددهم – واستمرار قنص المدنيين من أسطح الأبنية في الرقة، إضافة إلى مجزرة في الحسكة ذهب ضحيتها أطفال ونساء وكبار السن . ثم تصاعد القصف المدفعي والصاروخي بعد الإعلان الرسمي عن توقيع الاتفاق، وسقوط عشرات القتلى من عناصر الجيش السوري. كل ذلك يطرح سؤالًا مباشرًا: كيف يمكن لاتفاق يُنتهك فور توقيعه أن يُقدَّم كضمانة للاستقرار؟

في المقابل، لا يمكن تجاهل المبادرة التي أعلنتها الحكومة السورية مؤخرًا، بمنح الأكراد حقوقًا حُرموا منها لعقود طويلة، بل لما يقارب قرنًا كاملًا. هذه الخطوة، بغضّ النظر عن توقيتها الذي جاء في ظرف مصيري شديد الحساسية، تمثل من حيث المبدأ تحولًا سياسيًا إيجابيًا، ورسالة تهدئة، وإقرارًا بحقوق ثقافية وقومية طال إنكارها. وهي، موضوعيًا، خطوة ساهمت في قطع الطريق على محاولات توظيف القضية الكردية كذريعة دائمة للصراع.

غير أن الإشكالية لا تكمن هنا. الخطر الحقيقي يتمثل في استغلال هذه الحقوق المشروعة من قبل مليشيا قسد، التي تقدّم نفسها بوصفها قوة «ديمقراطية»، بينما مارست طوال أكثر من عقد أبشع أشكال القمع والاستغلال. فمن السيطرة على الموارد الوطنية، وعلى رأسها النفط والمحاصيل الزراعية، إلى فرض الأمر الواقع بالقوة، مرورًا بالبطش الأمني، واستغلال الأطفال، وتجنيد القاصرين والقاصرات، تحوّلت هذه المليشيا إلى سلطة أمر واقع لا تقلّ قسوة عن النماذج التي تدّعي مناهضتها.

هنا يجب أن يكون النقاش واضحًا: حقوق الأكراد ليست محل نزاع، ولا يجوز ربطها ببقاء مليشيا مسلّحة تفرض سيطرتها على الجزيرة السورية. بل على العكس، فإن الاعتراف بهذه الحقوق ضمن إطار الدولة، وبضمانات قانونية واضحة، يسحب الذريعة الأساسية التي استخدمتها قسد لتبرير استمرارها كقوة عسكرية منفصلة عن أي مساءلة.

من منظور حقوقي، الاتفاق الحالي لا يمكن أن ينجح إذا عُومل كغطاء سياسي مؤقت، أو إذا فُرض تطبيقه بشكل انتقائي. المطلوب رقابة دقيقة ومستقلة، خاصة في ما يتعلّق بالملفات الأمنية والسيادية، وضمان ألا تتحول «الاندماجات» إلى إعادة تدوير للنفوذ المسلح بأسماء جديدة. كما أن وقف إطلاق النار لا يمكن أن يكون التزامًا أحاديًا، ولا يجوز التعامل مع الانتهاكات كأضرار جانبية مقبولة.

التجربة السورية، خاصة في ظل نظام الأسد، أثبتت أن الخوف لا يُنتج فقط بالقمع المباشر، بل أيضًا عبر اتفاقات غامضة، وترتيبات غير شفافة، وتسويات تُدار فوق رؤوس الناس. إعادة إنتاج هذا النموذج، حتى تحت شعارات جديدة، تعني إعادة إنتاج المأساة نفسها.

الخلاصة واضحة: إن لم يُطبَّق هذا الاتفاق بحذر صارم، وإن لم يُحصَّن برقابة حقيقية، وضمانات تنفيذ، وفصل واضح بين الحقوق المشروعة للأكراد وبين سلوك المليشيات المسلحة، فلن يكون «انتصارًا ناعمًا»، بل تسوية دموية مؤجّلة.

 فالانتصارات الحقيقية لا تُقاس بالنصوص الموقّعة، بل بقدرتها على حماية الإنسان، لا تحويله إلى كلفة سياسية.

  • تحليل الاتفاق:

1. الاتفاق خطوة إيجابية نظريًا، خاصة المبادرة الحكومية بمنح الأكراد حقوقًا حُرموا منها منذ أكثر من مئة عام. هذه المبادرة ساهمت في قطع الطريق على مليشيا قسد التي كانت تحاول توظيف القضية الكردية لاستمرار وجودها كمليشيا مسلحة تحتل الجزيرة السورية.

2. لكن التطبيق يحتاج إلى حذر شديد: غياب الرقابة المستقلة وآليات التنفيذ الدقيقة، خاصة في الملفات السيادية والأمنية، قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الخوف ذاته الذي فرضه نظام الأسد على السوريين.

3. مليشيا قسد، التي تقدم نفسها ديمقراطية، مارست على أرض الواقع أكثر من عقد قمعًا واسعًا، استغلالًا للموارد الوطنية من نفط وزراعة، إضافة إلى البطش واستغلال الأطفال وتجنيد القاصرات. أي تساهل معها يهدد فعالية الاتفاق.

4. الحقوق الممنوحة للأكراد يجب أن تُنفَّذ ضمن إطار الدولة وبضمانات واضحة، بحيث لا تتحول إلى ذريعة لإبقاء قوى مسلحة خارج القانون.

  • تعليق ختامي: 

الاتفاق خطوة نحو التهدئة، لكنه لا يشكل ضمانًا للسلام أو العدالة ما لم يُحكم بتنفيذ صارم ورقابة دقيقة، مع مساءلة كاملة لكل الانتهاكات السابقة. دماء السوريين لا يمكن أن تُعامل ككلفة جانبية لأي تسوية.

أحمد سليمان

الرابط : https://opl-now.org/2026/01/18/sleiman-64/

 


●● نص الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”:

  • دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة وهياكلها.
  • تلتزم قسد بتزويد دمشق بأسماء ضباط فلول النظام السابق في شمال شرق سوريا.
  • تلتزم قيادة قسد بالامتناع عن دمج فلول النظام السابق في صفوفها.
  • تسليم محافظتي الرقة ودير الزور إداريا وعسكريا للحكومة السورية بشكل فوري.
  • انسحاب قوات قسد إلى شرق نهر الفرات تمهيدا لإعادة الانتشار.
  • وقف فوري وشامل لإطلاق النار على جميع الجبهات وخطوط التماس.
  • دمج أفراد قسد ضمن هياكل وزارتي الدفاع والداخلية على أساس فردي.
  • استلام الحكومة كل المعابر الحدودية وحقول النفط في الحسكة.
  • الاتفاق مع قسد ينص على عدم ضم فلول النظام السابق إلى صفوفها.
  • إصدار مرسوم رئاسي بتعيين مرشح لتولي منصب محافظ الحسكة ضمانة للتمثيل المحلي.
  • إزالة الوجود العسكري الثقيل من مدينة عين العرب كوباني.
  • تشكيل قوة أمنية في عين العرب كوباني من سكان المدينة.
  • الإبقاء على قوة شرطة محلية في عين العرب كوباني ترتبط إداريا بوزارة الداخلية.
  • دمج الجهة المسؤولة عن سجناء تنظيم الدولة والمخيمات ضمن الحكومة.
  • الحكومة السورية تتحمل كامل المسؤولية القانونية والأمنية عن سجون تنظيم الدولة الإسلامية.
  • اعتماد مرشحين من قسد لتولي مناصب عسكرية وأمنية ومدنية رفيعة ضمن هيكل الدولة.
  • تلتزم قسد بإخراج قادة وأعضاء حزب العمال الكردستاني غير السوريين خارج الدولة.
  • تلتزم الدولة بمواصلة مكافحة الإرهاب كعضو بالتحالف الدولي وبالتنسيق مع واشنطن.
  • العمل على تفاهمات بشأن عودة آمنة وكريمة لسكان عفرين والشيخ مقصود لمنازلهم.

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب