29 يناير, 2026

ما بعد الحرب في سوريا: السيادة، الموارد، الأمن المجتمعي، والعدالة كاختبار للدولة

بلدٌ مثل سوريا، الخارج لتوّه من حرب مدمّرة وطويلة، وجد نفسه في مواجهة كتلٍ وأحلافٍ دولية متشابكة المصالح. وفي مثل هذا السياق، غالبًا ما تكون الخطوة الأولى لأي سلطة ناشئة هي محاولة استقطاب الخصوم أو تحييدهم، حتى لو تحوّل ذلك إلى عبء سياسي أو هدف مباشر. غير أن هذا المسار، مهما بدا واقعيًا، لا يمكن أن ينجح ما لم يترافق مع جهدٍ داخلي موازٍ يهدف إلى تفكيك العصبيات السياسية والإثنية والعسكرية، وكل الجيوب المسلحة والشبكات السرية التي تشكّلت منذ مرحلة الفصائل، والتي أثبتت التجربة أنها قادرة على تعطيل أي مسار تنموي حقيقي، بل وتحويله إلى صراعٍ جديد بأدوات مختلفة.

أولًا: الموارد السيادية وحق السوريين في المساءلة

من المشروع، بل من الضروري، طرح أسئلة واضحة ومباشرة حول ملفات العطل والضرر، وإيرادات النفط والغاز، ولا سيما أن الشعب السوري، بمختلف مكوّناته، كان محرومًا من هذه الموارد لأكثر من عشر سنوات. هذا الحرمان لم يكن نتيجة عجز تقني أو ظرف قاهر، بل نتيجة إدارة خارج الأطر القانونية، ووجود سلطات أمر واقع تعاملت مع الموارد السيادية بوصفها مصدر تمويل خاص، لا ملكية عامة.

وعليه، تبرز ضرورة جمع وتوثيق الملفات التي تُثبت عمليات تهريب النفط والغاز إلى الخارج، وتتبع مسارات البيع والعقود غير المعلنة، ومساءلة الجهات التي أدارت هذه الملفات، أياً كانت، وفق معايير قانونية واضحة، بعيدًا عن الانتقائية أو التسييس.

 

ثانيًا: الاقتصاد الموازي والعسكرة الخفية

لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته ميليشيا قسد على مدى سنوات في ارتكاب انتهاكات ترقى إلى جرائم حرب، فضلًا عن تحالفها الوثيق مع نظام بشار الأسد وتقديم الدعم له. كما تشمل المسؤولية الأحزاب والقيادات المرتبطة بها، والتي تمثل في الواقع قيادتها الفعلية. وتشير معطيات متعددة إلى أن جزءًا من العائدات الناتجة عن استغلال الموارد الطبيعية جرى توجيهه نحو مشاريع ذات طابع عسكري وأمني، بدلًا من توظيفها في مجالات تنموية وخدمية. وقد شمل ذلك حفر شبكات أنفاق واسعة، وبناء تحصينات تحت الأرض، وإنشاء بنى لوجستية عسكرية، لا تمت بصلة للاستخدامات المدنية أو الخدمية.

كما لا يمكن فصل هذا المسار عن شراء شركات أو الاستثمار فيها، وتسجيلها بأسماء أفراد أو أطراف ثالثة، بما يعكس وجود اقتصادٍ موازٍ هدفه تحقيق مكاسب ذاتية أو تمويل مشاريع سياسية طويلة الأمد، خارج أي رقابة مالية أو قضائية.

ثالثًا: خرائط الأنفاق والألغام كأولوية إنسانية وأمنية

قبل أي حديث عن تسويات سياسية أو دمج قوى وشخصيات في مؤسسات الدولة، تبرز مسألة لا تحتمل التأجيل: الحصول الكامل وغير المشروط على خرائط الأنفاق وأماكن الألغام التي زُرعت خلال سنوات السيطرة العسكرية.

فهذه ليست مسألة تفاوض، بل قضية تتعلق مباشرة بحياة المدنيين، وبأمن القرى والمدن، وبإمكانية عودة النازحين وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار. إن استمرار إخفاء هذه الخرائط، أو استخدامها كورقة ضغط، يُعدّ انتهاكًا جسيمًا لحقوق السكان، ويحمّل الجهات المسؤولة عنها مسؤولية قانونية وأخلاقية مباشرة عن أي خسائر بشرية لاحقة.

 

رابعًا: العدالة الانتقالية وجبر الضرر كحق لا يسقط

لا يمكن الحديث عن دولة ما بعد الحرب دون مقاربة جدّية للعدالة الانتقالية، بوصفها حقًا أصيلًا للضحايا، لا منّة سياسية ولا بندًا قابلًا للمساومة. فالعدالة الانتقالية لا تعني النسيان، ولا تقتصر على الخطاب الرمزي، بل تقوم على الاعتراف بالضحايا، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار.

ويقتضي ذلك إقرار آليات واضحة لتعويض من تضرروا فعليًا، سواء بفقدان الحياة، أو بالإعاقة الدائمة، أو بترمّل النساء نتيجة فقدان المعيل، أو بحرمان الأطفال من أحد الوالدين أو كليهما. كما يتطلب إنشاء صناديق وطنية مستقلة، خاضعة للرقابة القضائية والمالية، تشمل:

 

1.صندوق تعويض أسر القتلى والمفقودين.

2.صندوق خاص بالمصابين وذوي الإعاقة الدائمة.

3.صندوق لرعاية الأطفال الأيتام، يضمن التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.

4.صندوق مخصص لكبار السن من عائلات الضحايا، ممن فقدوا أبناءهم أو معيلهم ولا يملكون مصادر دخل ثابتة.

خامسًا: المحاسبة القضائية ومنع الانزلاق إلى العدالة الفردية

إن العدالة الانتقالية تفقد معناها بالكامل إذا جرى التغاضي عن ملاحقة المتورطين في الجرائم الجسيمة، ولا سيما القتلة الذين ثبتت إدانتهم بأدلة قانونية واضحة أو صدرت بحقهم أحكام قضائية. فالإفلات من العقاب ليس تسوية، بل وصفة مؤكدة لعدم الاستقرار.

إن محاسبة هؤلاء تمثل ركيزة أساسية للسلم الأهلي، ليس بدافع الانتقام، بل لمنع تحول الألم إلى ردود فعل فردية أو ثأرية من قبل أهالي الضحايا. فالدولة التي تعجز عن إنفاذ العدالة تترك مواطنيها أمام خيارين أحلاهما مرّ: الصمت القسري أو العدالة الذاتية.

وعليه، فإن تفعيل الملاحقات القضائية، وتنفيذ الأحكام الصادرة، وتسريع إجراءات التقاضي في قضايا الجرائم الكبرى، وإعلان مسار المحاسبة للرأي العام بشفافية، كلها شروط لا غنى عنها لبناء دولة قانون، تحتكر حق العقاب، وتحمي المجتمع من إعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة.

 

أحمد سليمان 

صادر عن نشطاء الرأي

الرابط : https://opl-now.org/2026/01/29/opl-64/ ‎

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب