9 فبراير, 2026

الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا

لا تُدار المناطق والدول اليوم بالدبابات وحدها، بل بالبيانات والاقتصاد وشبكات النفوذ المتداخلة. القوة الكبرى لم تعد بحاجة لاحتلال مباشر كي تفرض حضورها؛ يكفي أن تمسك بمفاتيح الطاقة، وأن تتحكم بسلاسل التوريد، وأن تؤثر في مراكز القرار المالي والإعلامي. السؤال لم يعد من يملك الموارد فحسب، بل من يحدد أسعارها، ومن يضبط النظام المالي الذي تُباع من خلاله.
هنا تبدأ الهندسة السياسية الحقيقية، لا في فعل ظاهر بدائي، بل في تصميم قواعد اللعبة نفسها.
الإدارة الحديثة للمناطق تقوم على أدوات دقيقة تعمل بهدوء: مراقبة تقنية متقدمة، حضور غير مباشر عبر شركات واستشاريين، تقارير إعلامية تُستخدم لتهيئة الرأي العام، وعقوبات اقتصادية تُسوَّق باعتبارها أدوات قانونية. التصريحات السياسية لا تكون دائمًا تعبيرًا عن موقف عابر، بل قد تكون تمهيدًا محسوبًا لخطوة لاحقة. الأزمات بدورها لا تُصنع دائمًا من الصفر، لكنها كثيرًا ما تُستثمر بذكاء. ارتفاع الأسعار، اضطراب الأسواق، توترات أمنية محدودة… كلها يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط ضمن سياق استراتيجي أوسع.

سوريا: أزمة الإدارة بين الخطط والواقع:
تُمثل سوريا نموذجًا واضحًا للفجوة بين الخطط المعلنة والقدرة الإدارية الفعلية في إدارة الخدمات الأساسية بعد سنوات الحرب. الدولة خرجت من صراع قاسٍ، لتجد نفسها أمام اختبار أصعب: إعادة بناء الإدارة قبل إعادة بناء الحجر.
تتولى طبقة جديدة – معظمها من غير ذوي الخبرة الكافية في إدارة المؤسسات – مسؤولية إعادة تشغيل مرافق الحياة اليومية. إدارة الكهرباء والمياه والاتصالات والسكن تتطلب خبرة تقنية وإدارية عالية، لا تُكتسب بالشعارات أو الولاء السياسي وحده.

ضغط المعيشة والأسعار:
النتائج اليومية واضحة على الأرض. ارتفعت أسعار المواد الأساسية بشكل ملحوظ، بينما تبقى القدرة الشرائية للأسر في تراجع. أحد أبرز الأمثلة هو سعر ربطة الخبز التجاري الذي وصل في أواخر 2025 إلى نحو 5500 ليرة سورية مع تقليص وزنها مقارنة بما كانت عليه سابقًا، في حين استمر سعر الخبز المدعوم منخفضًا رسميًا لكنه غير كافٍ لتغطية حاجة الأسر بالكمية والجودة المطلوبة. في المقابل، لا يواكب الدخل الحقيقي للمواطن هذا الارتفاع في التكاليف، ما يسهم في تراجع مستويات المعيشة.
تكاليف المعيشة لأسرة متوسطة الحجم تضاعفت بشكل كبير، حيث تجاوزت احتياجات الأسرة الأساسية مستويات يصعب تحملها على الدخل المتاح، بينما لا تزال كثير من برامج الدعم عاجزة عن سد الفجوة بين الحاجة الفعلية والقدرة الشرائية.
المشاريع الكبرى والإصلاح المؤجل:
تتفاقم مشكلة الأداء المؤسسي حين تتحول المشاريع الكبرى المعلنة إلى شعارات دون تنفيذ فاعل. على سبيل المثال، تم الإعلان عن توفير كميات كبيرة من القمح لدعم سوق الخبز، ومع ذلك تظل الإجراءات التنفيذية غير مكتملة بعد أسابيع من الإعلان. وعلى صعيد الطاقة، أعلن عن مناقصات لاستيراد النفط وتشغيل وحدات طاقة لحل أزمة الكهرباء، ولكن شبكة الكهرباء الوطنية – المتضررة منذ سنوات – لم تتحسن بشكل ملموس، ولا تزال ساعات التغذية الكهربائية محدودة.
هذه الفجوة بين الخطاب والخطة من جهة، وبين التنفيذ والنتائج على الأرض من جهة أخرى، تجعل الأداء الإداري أقرب إلى إدارة استجابة لحالات طارئة بدل إدارة استراتيجية طويلة الأمد.

تداخل الصلاحيات والوصايا غير الرسمية:
تزداد تعقيدات الإدارة حين تتداخل الصلاحيات بين مؤسسات رسمية ناشئة وبين فئات ذات نفوذ اجتماعي أو أمني سابق. بعض الشخصيات التي برزت في زمن الفصائل تشكل طبقة جديدة من الشيوخ أو الوجاهة الاجتماعية ( ما يوحي بأنها دولة داخل دولة) ، وتسعى إلى فرض سلطة وصاية على القرارات الإدارية. يظهر هذا بشكل واضح حين تؤثر هذه الفئات في إصدار القرارات المتعلقة بحياة الناس اليومية، سلوكهم، ومظاهرهم الشخصية، إضافة إلى محاولات لفرض رؤى رمزية أو تنظيمات اجتماعية تتجاوز نطاق القانون والجهات الرسمية.
هذه السلطة الموازية – التي لا تستند إلى نص قانوني واضح – تُربك سير المؤسسات، وتضعف المساءلة، وتخلق تنافراً بين ما هو رسمي وما يُمارَس فعليًا على الأرض، ما ينعكس سلبًا على قدرة الدولة في ممارسة سلطتها بفعالية.

التفوق التكنولوجي والأداة النسبية:
التفوق التكنولوجي يبقى عنصرًا حاسمًا في أي معادلة إدارة سياسية حديثة. من يمتلك قدرات متقدمة في التشفير، الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني يملك أدوات أكبر لجمع المعلومات، التأثير في السرديات وربما تعطيل خصومه رقميًا عند الحاجة. إلا أن هذه الأفضلية لا تمنح السيطرة المطلقة، بل تمنح أفضليات نسبية ضمن صراع دائم التغير بين دول، مصالح، وشبكات نفوذ.

التخطيط مقابل رد الفعل:
السياسات الكبرى لا تُرسم كرد فعل يومي، بل ضمن استراتيجيات ممتدة تهدف إلى تثبيت مناطق النفوذ، حماية موارد الطاقة، ومنع استقلال كامل للخصوم في القرار أو الموارد. الهندسة السياسية ليست أسطورة جهة تتحكم بكل شيء، بل واقع معقد لشبكات مصالح تتحرك وفق خطط طويلة الأمد.
المشكلة لا تكمن في وجود التخطيط بحد ذاته، بل في غياب التخطيط المقابل داخل المؤسسات المحلية كي يكون قادراً على استيعاب التحديات اليومية وتحويلها إلى فرص إصلاح حقيقية. في عالم تُدار فيه الحسابات الدقيقة، من يكتفي برد الفعل يبقى خارج المعادلة.

أحمد سليمان
صادر عن نشطاء الرأي
الرابط:

https://opl-now.org/2026/02/09/opl-66/ ‎

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب