سوريا بعد 8 ديسمبر 2024 ليست كما كانت قبلها. سقوط نظام الأسد لم يكن نهاية فحسب، بل بداية مرحلة استثنائية تتطلب إعادة ضبط كامل للسياسة، والسلطة، والمجتمع. في هذا السياق، أصبح الحديث عن “الخصوصية” مقلقًا حين يُعاد طرحه بطريقة انتهازية، وكأن بعض المكوّنات يمكنها استغلال الفراغ المؤسسي لتثبيت امتيازات فوق الدولة الجديدة.
الواقع في شمال شرق البلاد صار مثالًا حيًا على هذه المفارقة: مكونات ترفض أن تُعامل كجزء من دولة واحدة، وتطالب بحقوق تُفهم أحيانًا على أنها امتيازات خاصة، بينما غالبية السكان — الذين تحكمهم نفس الظروف والصعوبات — يُحرمون من أي تأثير فعلي على إدارة مناطقهم. هذه الحالة تطرح سؤالًا مركزيًا: هل الخصوصية حق مشروع ضمن الدولة، أم أصبحت مجرد ورقة ضغط لتأجيل العدالة وبناء سلطة موازية؟
السياق الجديد في سوريا يفرض علينا إعادة النظر في كل ما اعتُبر طبيعيًا في الماضي: أي مظلومية يجب أن تُقاس بعدالة، أي امتياز يجب أن يكون ضمن سقف الدولة، وأي سلطة خارج الدولة يجب أن تُعاد إلى مرجعية واحدة: سيادة الشعب السوري والدستور الجديد.
من الثورة إلى سلطات الأمر الواقع:
في ظل تراجع مؤسسات الدولة في شمال شرق سوريا عام 2012، برزت تشكيلات مسلحة كردية عُرفت بدايةً باسم وحدات حماية الشعب (YPG)، وفرضت نفسها كسلطة أمر واقع في أجزاء واسعة من الجزيرة السورية.
انسحبت قوات النظام آنذاك من معظم المراكز العسكرية والإدارية في مدن رئيسية، مع بقاء وجود محدود في بعض المربعات الأمنية. هذا الانسحاب – الذي جرى دون مواجهات واسعة النطاق – سمح لتلك التشكيلات بالسيطرة على البنية الأمنية والعسكرية القائمة، بما في ذلك مقرات وأسلحة تركتها الوحدات المنسحبة.
لاحقًا، وفي عام 2015، أُعلن عن تشكيل (قسد) كتحالف عسكري أوسع ضم فصائل عربية وسريانية إلى جانب الوحدات الكردية، إلا أن الثقل العسكري والتنظيمي بقي بيد البنية الأساسية المنبثقة عن تلك الوحدات. ومنذ ذلك الحين، تحولت “قسد” إلى قوة عسكرية تدير مناطق واسعة خارج إطار الدولة المركزية، وتطوّر نموذج إدارة ذاتية سياسي وأمني مستقل بحكم الأمر الواقع، مع توسع لاحق إلى مناطق في ريف حلب الشمالي ومنبج وأجزاء من محيط جرابلس.
المظلومية الجديدة:
خلال سنوات سيطرة قسد على الجزيرة، وُجّهت إليها انتقادات واسعة من شرائح محلية ومن تقارير حقوقية بشأن:
- فرض التجنيد الإجباري،
- تسجيل حالات تجنيد قاصرين،
- اعتقال معارضين سياسيين،
- اتهام خصومها بالارتباط بداعش دون مسارات قضائية شفافة،
- إدارة غير شفافة لملف النفط والموارد العامة.
بغض النظر عن اختلاف التقييمات، فإن قطاعات واسعة من السكان – خاصة من العرب والسريان – شعرت بالتهميش أو الضغط الأمني. هذا أسس مظلومية جديدة بحق غالبية السكان في الجزيرة، الذين تشير تقديرات متعددة إلى أنهم نحو 70–80% من السكان في أجزاء واسعة من المنطقة.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: لا يمكن معالجة مظلومية تاريخية بخلق مظلومية جديدة. المسألة ليست في هوية المكوّن الكردي، بل في طبيعة السلطة التي حكمت باسمه أو رفعت شعارات حمايته.
الخصوصية: حق أم أداة ضغط؟
اليوم، وبعد سقوط النظام السابق، يتكرر خطاب “الخصوصية” في لحظة يفترض أنها لحظة تأسيس دولة جديدة. السؤال لم يعد نظريًا: هل المقصود حماية حقوق ثقافية وإدارية ضمن دستور وطني جامع؟ أم تثبيت ترتيبات عسكرية وسياسية نشأت في زمن الفوضى؟
الحقوق الثقافية واللغوية والإدارية لأي مكوّن حق مشروع، ويجب أن تكون مكفولة دستوريًا للجميع دون استثناء. لكن تحويل الخصوصية إلى غطاء لبقاء بنية عسكرية مستقلة يُعد انحرافًا خطيرًا عن مفهوم الدولة.
الوقائع تشير إلى أن معظم التفاهمات التي جرت بين الحكومة السورية وقسد لم تُنفَّذ بروحها الأصلية، بل جرى الالتفاف على بعضها أو إعادة تفسيرها بما يضمن بقاء الهيكل العسكري كما هو. ورغم أن الطرح الرسمي أتاح دمج قوات قسد ضمن الجيش السوري مع بقائها متمركزة في الحسكة والقامشلي وعين العرب ضمن بنية وطنية موحدة، فإن الخطاب الصادر عن قسد يربط “الخصوصية” بالحفاظ على سلاحها وتنظيمها وقرارها الميداني.
المسألة هنا ليست إدارية، بل سيادية بامتياز. ما يجري طرحه فعليًا هو صيغة قوة مسلحة تحتفظ بقيادتها وسلاحها الثقيل وبنيتها التنظيمية، لكنها تُدرج شكليًا ضمن الجيش. وهذا نموذج أقرب إلى مليشيا بغطاء رسمي، لا إلى وحدة مندمجة بالكامل في مؤسسة عسكرية وطنية واحدة.
يزداد الأمر حساسية مع الإصرار على الاحتفاظ بالتحكم الفعلي في معبر حدودي مع العراق، إضافة إلى مواقع استراتيجية مثل جبل عبد العزيز، وهو موقع ذو أهمية عسكرية وجغرافية واضحة في ريف الحسكة. الجمع بين سلاح مستقل ومنفذ حدودي ومواقع مرتفعة استراتيجية يعني عمليًا الإبقاء على سلطة موازية داخل الدولة.
إذا كانت الدولة الجديدة قائمة على مبدأ احتكار السلاح وسيادة القانون، فلا يمكن قبول مفهوم “خصوصية عسكرية”. الخصوصية الثقافية حق، أما السلاح فمرجعيته واحدة: الدولة. وأي صيغة أخرى تُبقي على ازدواجية القوة داخل البلاد، وتعيد إنتاج منطق الأمر الواقع الذي يفترض أن المرحلة الانتقالية جاءت لإنهائه، لا لتكريسه.
العلاقة مع PKK:
لا يمكن فصل المشهد عن الامتدادات الأيديولوجية والتنظيمية العابرة للحدود. حزب العمال الكردستاني تنظيم نشأ خارج سوريا، ومصنّف كمنظمة إرهابية في عدة دول. وجود تأثير أو ارتباطات فكرية وتنظيمية في الشمال الشرقي كان جزءًا من معادلة السنوات الماضية.
لكن بعد سقوط النظام السابق، لم يعد هناك مبرر لبقاء أي قوة عابرة للحدود تحت عنوان “الحماية من النظام”. الدولة الجديدة — إذا كانت جادة في بناء جيش وطني جامع – يجب أن تكون المرجعية الوحيدة للسلاح.
لا تعميم ولا شيطنة:
من الضروري هنا توضيح أمر أساسي: الأكراد ليسوا كتلة سياسية واحدة، وليسوا جميعًا مؤيدين لقسد أو لأي حزب بعينه. كما أن بينهم معارضين ومنتقدين. تحميل جماعة كاملة مسؤولية ممارسات سلطة أمر واقع خطأ سياسي وأخلاقي.
القضية ليست ضد مكوّن، بل ضد منطق المليشيا.
الفرصة التاريخية:
سوريا اليوم أمام لحظة مفصلية:
إما أن تنتقل إلى دولة:
- دستور واحد،
- جيش واحد،
- قانون واحد،
- حقوق متساوية لكل المواطنين،
أو تبقى رهينة ترتيبات مناطقية تكرّس موازين قوة مؤقتة.
المطالبة بخصوصية ثقافية وإدارية ضمن الدستور حق مشروع. أما المطالبة بخصوصية مسلحة أو ترتيبات استثنائية خارج مشروع الدولة، فهي تعرقل مسار البناء.
ضرورات العدالة:
1.المظلومية السورية عامة.
2.العدالة يجب أن تكون عامة.
3.الدولة يجب أن تكون عامة.
4.لا امتياز فوق المواطنة،
5.لا سلاح خارج الدولة،
6.لا معالجة انتقائية لجراح الماضي.
المرحلة الانتقالية ليست ساحة لتثبيت مكاسب الحرب، بل فرصة لإنهاء منطقها بالكامل.
أحمد سليمان
صادر عن نشطاء الرأي
الرابط : https://opl-now.org/2026/02/10/opl-67/

المزيد من المواضيع
الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا
الإتفاق غير مطمئن: ترتيب أمني مع مليشيا مزدوجة المهام وحدود استعادة الدولة
ما بعد الحرب في سوريا: السيادة، الموارد، الأمن المجتمعي، والعدالة كاختبار للدولة