23 فبراير, 2026

من يكتب أخلاق المهنة؟ قراءة في آليّة طرح مدوّنة السلوك الإعلامي في سوريا

في البلدان التي خرجت من الحروب الطويلة، لا يكون الإعلام مجرّد ناقلٍ للأحداث، بل أحد أعمدة إعادة بناء الثقة العامة.
ولهذا تبدو أي محاولة لتنظيم العمل الصحفي حدثاً مفصلياً يستحق التدقيق: هل نحن أمام خطوةٍ نحو المهنية والاستقلال، أم أمام صياغةٍ جديدة لعلاقةٍ قديمة بين السلطة والكلمة؟
الإعلان عن مدوّنة السلوك الأخلاقي والمِهني للصحفيين في سوريا قُدِّم بوصفه مشروعاً لتعزيز المسؤولية الإعلامية وترسيخ المعايير المهنية.
ومن حيث المبدأ، لا يمكن لأي بيئة إعلامية سليمة أن تستغني عن ميثاقٍ أخلاقي يحمي المجتمع من التضليل، ويصون كرامة الأفراد، ويضبط العلاقة بين الحرية والمسؤولية.
هذه ليست فكرةً محلية، بل قاعدةٌ مستقرة في كل التجارب الديمقراطية التي دعمتها مؤسسات دولية معنية بحرية التعبير مثل اليونسكو، وكذلك المواثيق المهنية التي يعتمدها الاتحاد الدولي للصحفيين.
لكن الإشكالية في الحالة السورية لا تتعلق فقط بما تقوله المدونة، بل بكيفية ولادتها.
ففي النماذج الديمقراطية، تُكتب مدونات السلوك من داخل الجسم الصحفي نفسه، عبر نقاشاتٍ مفتوحة تشارك فيها النقابات والمؤسسات الإعلامية المستقلة وخبراء القانون وحقوق الإنسان.
الشرعية الأخلاقية هنا لا تأتي من النص وحده، بل من المشاركة الحرة في صياغته.
أما في الحالة السورية، فتشير مواقف هيئات صحفية مستقلة إلى غياب مسارٍ تشاركي شامل يتيح لجميع الصحفيين الاطلاع والمناقشة والتعديل قبل الإقرار، مع ارتباط عملية الصياغة بجهةٍ تنفيذية حكومية.
وهذه النقطة تحديداً تمسّ جوهر الاستقلال المهني، لأن الأخلاق الصحفية لا تُدار بعقلية الضبط الإداري، بل بثقافة المسؤولية الذاتية.
من ناحية المضمون، تتضمن المدونة عناوين مألوفة عالمياً:
الدقة، حماية الخصوصية، منع خطاب الكراهية، احترام السلم المجتمعي.
وهي مبادئ إيجابية نظرياً، بل ضرورية.
غير أن التحدي الحقيقي يظهر عندما تُصاغ هذه المبادئ بعباراتٍ عامة قابلة لتفسيراتٍ سياسية واسعة، من دون ضماناتٍ قانونية مستقلة تحمي الصحفي من التعسف في التأويل أو التطبيق.
وهنا تظهر الفجوة الجوهرية بين ميثاقٍ مهني وأداة تنظيم إداري:
الميثاق المهني يحاسب عبر هيئاتٍ مستقلة هدفها التصويب،
بينما التنظيم الإداري يميل إلى العقوبة والضبط.

أسئلة في سلوك طرح المدونة:
وجود مدونة أخلاقية للصحافة أمر ضروري لأي مجتمع،
لكن قيمتها الحقيقية تُقاس بثلاثة أسئلة بسيطة جداً:
هل كتبها الصحفيون بحرية؟
هل تحمي الصحفي من السلطة أم تحمي السلطة من الصحفي؟
هل تُستخدم للتصويب المهني أم للمنع والعقاب؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد إن كانت المدونة
جسراً نحو إعلامٍ حر…
أم مجرد قناعٍ لغوي لرقابةٍ قديمة بثوبٍ جديد.
والتاريخ، ذلك الأرشيف العنيد، يعلّمنا شيئاً واحداً:
لا يمكن للأخلاق أن تزدهر تحت الخوف،
كما لا يمكن للحقيقة أن تتنفس داخل غرفةٍ مغلقة.

في النهاية، لا يكمن التحدي الحقيقي في كتابة مدونةٍ أخلاقية، بل في بناء بيئةٍ تسمح لهذه الأخلاق بأن تعيش.
فالصحافة لا تصبح مسؤولة لأنها خاضعة، بل لأنها حرة.
وكل محاولةٍ للإصلاح الإعلامي لن تكتمل ما لم تبدأ من النقطة الأكثر بساطة والأكثر صعوبة في آنٍ معاً:
ضمان حرية الكلمة قبل تنظيمها.
هناك فقط يمكن أن تتحول المدونات من نصوصٍ رسمية إلى عقدٍ مهني حيّ،
ومن شعاراتٍ أخلاقية إلى ممارسةٍ يومية تصنع ثقة المجتمع… وتعيد للصحافة معناها الأول: البحث الحر عن الحقيقة.

أحمد سليمان

*المقال صادر عن نشطاء الرأي .

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب