23 فبراير, 2026

بين القرار والمجتمع: لماذا أصبحت المراجعة ضرورةً سياسية؟

لم تعد الإشكالية المطروحة اليوم مرتبطة بسوء أداءٍ هنا أو قرارٍ خاطئٍ هناك، بل بطبيعة المسار العام الذي أُديرت به المرحلة الأخيرة. فحين تمتد إدارة الأزمات لتتحول إلى نمط حكمٍ دائم، يصبح الخلل بنيوياً لا ظرفياً، وتغدو المراجعة السياسية ضرورةً وطنية لا ترفاً نقدياً. عند هذه النقطة تحديداً، لا تعود العموميات كافية، لأن السياسة ليست خطاباً إنشائياً، بل ممارسةً يوميةً تترك آثارها المباشرة على حياة الناس وثقتهم بالدولة.

تعود جذور هذا الخلل إلى الإعلان الدستوري نفسه، الذي قُدِّم بوصفه إطاراً انتقالياً، لكنه بدا في بنيته وصياغاته أقرب إلى نصٍّ دائمٍ منه إلى وثيقةٍ مؤقتةٍ محدودة الأجل. فإعداده ضمن دائرةٍ ضيقة، وغياب نقاشٍ عامٍّ واسع حوله، وافتقاره إلى سقفٍ زمنيٍّ واضح وآلياتٍ ملزمة للانتقال إلى دستور دائم، كلها عوامل تثير مخاوف مشروعة من تكريس مرحلة انتقالية مفتوحة تتحول تدريجياً إلى واقعٍ مستقرٍّ بحكم الأمر الواقع. في التجارب المقارنة، الدساتير الانتقالية تُصمَّم كجسورٍ لا كمساكن دائمة؛ وإذا تحوّل الجسر إلى إقامةٍ طويلة، تفقد فكرة الانتقال معناها، وتتحول المرحلة المؤقتة إلى صيغة حكم بلا تفويض شعبي مباشر.

على مستوى الممارسة اليومية للسلطة، برزت مجموعة أخطاء لا يمكن تجاهلها. أولها مسألة الفساد، وعلى رأسها ظاهرة توظيف الأقارب في المؤسسات العامة. تقارير صادرة عن منظمة الشفافية الدولية خلال السنوات الماضية تضع سوريا ضمن الدول ذات المؤشرات المرتفعة جداً في الفساد البنيوي. هذا النمط من المحسوبية لا يضرب مبدأ الكفاءة فحسب، بل يخلق شعوراً عاماً بانعدام تكافؤ الفرص، ويحوّل الدولة من مؤسسة عامة إلى شبكة علاقات مغلقة. وفي مجتمعات خارجة من نزاع طويل، يُعدّ تفكيك هذه الشبكات شرطاً أساسياً لبناء الثقة، لا تفصيلاً إدارياً يمكن تأجيله.

ثاني هذه الأخطاء يتمثل في التوسع في التدخل في الشؤون الشخصية للمواطنين. حين تنتقل السلطة من تنظيم المجال العام إلى مراقبة أنماط الحياة وفرض معايير أخلاقية فضفاضة، فإنها تخلط بين ما هو عام وما هو خاص. الفلسفة السياسية الحديثة تميز بوضوح بين المجالين، لأن كرامة الفرد وحقوقه مرتبطة بقدرته على اتخاذ قراراته الشخصية ما لم يعتدِ على حقوق الآخرين. هذا الخلط يفتح الباب لاستنسابٍ خطير، ويحوّل القانون من أداة تنظيم إلى أداة وصاية.

ثالثاً، تفاقم الجشع لدى بعض التجار والتلاعب بالأسعار في ظل ضعف الرقابة الفعلية. في اقتصادٍ متدهور، تصبح السوق بيئةً خصبة للاحتكار. تقارير البنك الدولي حول الاقتصادات الهشّة تشير بوضوح إلى أن غياب الشفافية وضعف المؤسسات الرقابية يؤديان إلى تشوهاتٍ سعريةٍ حادة، يدفع ثمنها المستهلك الأضعف. وتزداد هذه المشكلة حدّةً مع تكرار الإعلان عن مشاريع اقتصادية كبرى من دون تقديم بياناتٍ واضحة حول مسارها، تمويلها، أو آليات مراقبتها، ما يجعل الاقتصاد ساحة وعودٍ إعلامية لا خطة إنقاذ قابلة للتقييم.

رابعاً، تداخل العلاقة بين بعض المؤسسات الحكومية والنقابات المهنية. في النظرية الديمقراطية، النقابة كيان مستقلٌّ يدافع عن مصالح أعضائه. لكن حين يتحول مسؤولو النقابات إلى فاعلين سياسيين متصدرين للفضائيات، بينما تعاني النقابات التي يديرونها من الاحتكار والعجز وضعف التمثيل، تُفرغ الوظيفة النقابية من مضمونها. هذا التداخل يربك الفصل بين المجتمع المدني والسلطة التنفيذية، ويحوّل النقابات من أدوات ضغطٍ اجتماعي إلى أذرع سياسية.

خامساً، التراجع الواضح في ملفات العدالة الانتقالية. فالعدالة الانتقالية ليست شعاراً عاطفياً ولا مادة خطابية، بل منظومة متكاملة تشمل كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. تجارب دولية موثقة في تقارير الأمم المتحدة تؤكد أن تأجيل هذه الملفات أو تفريغها من مضمونها يرسّخ الإفلات من العقاب، ويؤجل المصالحة المجتمعية بدلاً من تمهيد الطريق لها.

سادساً، ما سُمّي بمدونة السلوك، التي قُدّمت على أنها مطروحة للنقاش العام، في حين بدا أن قراراتها مبرمجة سلفاً. الإشكال هنا ليس في مبدأ التنظيم، بل في الصياغات الفضفاضة التي يمكن استخدامها لاحقاً للتضييق على الصحفيين والكتّاب. قوانين الإعلام الحديثة تقوم على حماية حرية التعبير مع مساءلة دقيقة ومحددة، لا على عبارات مطاطة مثل “الإضرار بسمعة الدولة” القابلة للتأويل السياسي.

وأخيراً، انتشار التخويف بالملاحقة تحت بند الجرائم الإلكترونية. هذه القوانين وُجدت أصلاً لمكافحة الاحتيال والابتزاز والاختراق، لكن استخدامها لملاحقة الرأي أو النقد السلمي يحوّلها إلى أداة ردع سياسي، ويقوّض المجال العام الرقمي الذي أصبح في المجتمعات المعاصرة ساحةً مركزية للنقاش المدني والمساءلة.

المحصلة أن المشكلة لا تكمن في وجود قوانين أو مؤسسات، بل في طريقة تصميمها وتطبيقها، وفي العقل السياسي الذي يديرها. الدولة القوية لا تخشى النقد، بل تعتبره جهاز إنذارٍ مبكراً يمنع الانهيار. أما الدولة التي ترى في كل صوتٍ مستقلٍّ تهديداً، فإنها تُراكم هشاشتها بيدها. من هنا، فإن مسؤولية اللحظة السورية لا تكمن في إدارة الأزمة، بل في الشروع بإصلاح المسار: دستورٌ تشاركي، مؤسسات خاضعة للمساءلة، اقتصاد شفاف، وعدالة لا تُؤجَّل، لأن تأجيلها ليس حياداً… بل موقف.

أحمد سليمان

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب