في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، يواجه الشأن السوري مرحلة جديدة حاسمة لإعادة بناء الدولة المنهكة بعد حرب طويلة ودموية دمرت المؤسسات وأرهقت المجتمع المدني. لكن هذه المرحلة تتخللها تحديات جسيمة على صعيد العدالة الانتقالية، حيث يتزايد الاستياء الشعبي والحقوقي، ويشعر الضحايا وذووهم بأن مطالبهم بالعدالة والمساءلة لم تجد صدى حقيقيًا.
وفي هذا السياق، تُثار التساؤلات بحدة حول مساءلة الفاعلين الكبار وأصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي الذين ارتبطت مصالحهم بالنظام السابق واستفادوا من سلطته، في ظل سلسلة من التسويات المالية التي يستفيد منها رجال الأعمال وكأنها غسيل للتمويل الذي ساهم في دعم الإجرام الأسدي. ولا يخفى على أحد التساهل مع مرتكبي الجرائم، فقد أُطلق سراح البعض منهم في فترات متفرقة من العام الفائت تحت حجج غير مبررة، مما يعمّق شعور المجتمع بأن العدالة لم تُنفَّذ، وأن السلطة الجديدة تتعامل مع الماضي بأسلوب انتقائي يخدم مصالح القلة على حساب حقوق الضحايا.
وتتجسد هذه الإشكالية عمليًا في ملفات مثل فواز الأخرس، الطبيب السوري‑البريطاني ووالد أسماء الأسد، الذي ارتبطت مصالحه وعائلته بالنظام السابق. فقد أبرمت معه هيئة مكافحة الكسب غير المشروع اتفاقًا ماليًا يقضي بمصادرة نحو ثمانين في المئة من ممتلكاته، بما في ذلك العقارات والأصول والمنقولات، في إطار سلسلة من التسويات المماثلة مع كبار رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق. هذه الإجراءات تهدف إلى استرداد جزء من الثروة العامة، لكنها تبقى إجراءات مالية وليست محاكمات جنائية شفافة، مما يثير التساؤلات حول مدى شمول العدالة الانتقالية في التعامل مع كبار أصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي الذين استفادوا من النظام السابق.
على الرغم من أن هذه التسويات المالية تهدف إلى ضبط الأصول وإعادة الأموال للدولة، إلا أنها لا تغطي بعد الفجوات الجوهرية في العدالة الانتقالية، ولا تضمن مساءلة جنائية مستقلة بحق من ارتكبوا انتهاكات جسيمة أو استغلوا مواقعهم الاقتصادية والسياسية لإلحاق الأذى بالمواطنين. وهذا يترك الضحايا وذويهم في موقف مستمر من الاستياء والانتظار لعدالة حقيقية، حيث يشعرون بأن أي اتفاق مالي، مهما كان حجم الأموال المستردة، لا يعادل محاسبة فعلية على الجرائم والانتهاكات السابقة.
في هذا السياق، يظل السؤال الحقوقي المحوري مطروحًا:
هل التسويات المالية مثل تلك المتعلقة بفواز الأخرس وكبار رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق تُعدّ عدالة انتقالية حقيقية، أم أنها مجرد إجراءات اقتصادية تخفف من المسؤولية دون ضمان مساءلة فعلية للضحايا وذويهم؟
تحليل حقوقي: الفجوات بين التسويات المالية والعدالة الجنائية الشاملة
أولًا: غياب المساءلة الجنائية الفعلية
الإجراءات المالية تهدف فقط إلى مصادرة الأصول أو جزء منها، لكنها لا تشمل محاكمات مستقلة للتحقق من مسؤولية الأفراد عن الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين. أي شخص استفاد من النظام السابق أو ساعد في دعم سياسات قمعية أو اقتصادية جائرة لا يخضع للمحاسبة الجنائية، وهو ما يجعل العدالة ناقصة من منظور الضحايا.
ثانيًا: الاعتماد على التسويات الاختيارية
التسويات الحالية غالبًا انتقائية وتعتمد على اتفاقات فردية، دون إطار قانوني واضح أو آليات شفافة، مما يفتح الباب أمام انتقائية في استهداف أو استثناء أشخاص محددين، وهو ما يضعف مصداقية العدالة الانتقالية ويزيد شعور الاستياء الشعبي والحقوقي.
ثالثًا: غياب إشراك الضحايا في العملية
العدالة الانتقالية الحقيقية تتطلب إشراك الضحايا وذويهم في كل مراحل المساءلة، سواء في التحقيق أو اتخاذ القرارات حول العقوبات أو التعويضات. التسويات المالية الحالية تُنفذ غالبًا بعيدًا عن مشاركة الضحايا، ما يزيد شعورهم بالإقصاء والظلم.
رابعًا: خطر تحويل الإجراءات إلى غطاء اقتصادي
هناك مخاوف أن تتحول هذه التسويات إلى غطاء لإضفاء شرعية على ثروات مكتسبة من النظام السابق، أو إلى ما يشبه غسيل تمويل استغل لمساندة سياسات الإجرام، إذا لم تصاحبها آليات رقابة قضائية واضحة وشفافة.
خامسًا: الفجوة بين القانون والعدالة المجتمعية
حتى إذا استردت الدولة جزءًا من أموال فواز الأخرس وأمثاله، فإن ذلك لا يلبي مطالب المجتمع والضحايا بالعدالة الحقيقية، إذ أن العقوبة المالية وحدها لا تعوض عن فقدان الأرواح، الانتهاكات الجسيمة، والآثار النفسية والاجتماعية للجرائم المرتكبة خلال الحرب.
ميزان العدالة الضائع:
أولًا: التسوية المالية لفواز الأخرس تمثل خطوة جزئية في سياق مكافحة الفساد واسترداد الأصول، لكنها لا تعكس العدالة الجنائية أو العدالة الانتقالية الكاملة.
ثانيًا: لتحقيق عدالة انتقالية حقيقية، يجب أن تشمل الإجراءات:
1.محاكمات مستقلة وشفافة لمرتكبي الانتهاكات.
2.مشاركة فعالة للضحايا وذويهم في عملية المساءلة.
3.ضمان عدم إفلات الفاعلين الاقتصاديين والسياسيين من المحاسبة تحت غطاء التسويات المالية.
4.رقابة واضحة على كيفية تنفيذ أي تسوية أو مصادرة للأصول لضمان الشفافية ومنع أي استغلال غير قانوني.
ثالثًا: أي تركيز على الإجراءات المالية وحدها دون متابعة جنائية واضحة يترك انطباعًا لدى الضحايا والمجتمع بأن العدالة لم تتحقق بالكامل، وهو ما يزيد الاستياء الشعبي ويضعف ثقة المواطنين في قدرة الدولة على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الماضية.
العدالة المؤجلة: بين التسويات وصوت الضحايا
يبقى ملف فواز الأخرس وسواه من رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق مثالًا صارخًا على التموج بين استرداد الثروات ومساءلة مرتكبي الانتهاكات. فبينما تهدف التسويات المالية إلى إعادة جزء من الأموال للدولة، لا تزال العدالة الجنائية الحقيقية غائبة، ويشعر الضحايا وذووهم بأن حقوقهم لم تُسترجع، وأن المصالح الاقتصادية للنفوذ السابق ما زالت تُعامل بتساهل.
إن العدالة الانتقالية الحقيقية تتطلب أكثر من إجراءات مالية؛ فهي تتطلب محاكمات شفافة، مساءلة كاملة، ومشاركة فعالة للضحايا في كل مرحلة من مراحلها. أما الاقتصار على التسويات المالية وحدها، فهو يترك الباب مفتوحًا لاستمرار الإفلات من العقاب، ويزيد من الشعور بالإقصاء والظلم.
يبقى السؤال المطروح أمام السوريين والمجتمع الدولي: هل ستنجح سوريا في بناء عدالة انتقالية شاملة، أم ستظل الحقوق المؤجلة رهينة التسويات الاقتصادية وحدها؟
أحمد سليمان
نشطاء الرأي
الرابط :
https://opl-now.org/2026/02/23/opl-68

المزيد من المواضيع
مدينة تؤازر إخوتها… الرقة
دولة المواطنة تمنح الخصوصية للجميع: لا امتياز منفرد ولا سلاح متفلت
الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا