24 فبراير, 2026

العدالة الانتقالية في سوريا: بين التسويات المالية واستياء الضحايا

في أعقاب سقوط بشار الأسد، يواجه الشأن السوري مرحلة جديدة حاسمة لإعادة بناء الدولة المنهكة بعد حرب طويلة ودموية دمرت المؤسسات وأرهقت المجتمع المدني. لكن هذه المرحلة تتخللها تحديات جسيمة على صعيد العدالة الانتقالية، حيث يتزايد الاستياء الشعبي والحقوقي، ويشعر الضحايا وذووهم بأن مطالبهم بالعدالة والمساءلة لم تجد صدى حقيقيًا.

وفي هذا السياق، تُثار التساؤلات بحدة حول مساءلة الفاعلين الكبار وأصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي الذين ارتبطت مصالحهم بالنظام السابق واستفادوا من سلطته، في ظل سلسلة من التسويات المالية التي يستفيد منها رجال أعمال بارزون، وكأنها إعادة ترتيب للثروة أكثر منها مسارًا قضائيًا مكتمل الأركان. ولا يخفى على أحد التساهل مع بعض المتورطين، إذ أُطلق سراح عدد منهم في فترات متفرقة من العام الفائت تحت مبررات لم تقنع الرأي العام، مما يعمّق الشعور بأن العدالة تُدار بميزان سياسي لا قضائي.

وتتجسد هذه الإشكالية عمليًا في ملف طريف الأخرس، رجل الأعمال السوري المعروف بارتباطه بشبكات اقتصادية نشأت وتوسعت في ظل النظام السابق، وهو ابن عم أسماء الأسد. اسمه برز في سياق حديث عن تسوية مالية أبرمتها هيئة مكافحة الكسب غير المشروع، تقضي بمصادرة ما يقارب ثمانين في المئة من ممتلكاته، بما يشمل عقارات وأصولًا ومنقولات، ضمن سلسلة اتفاقات مشابهة مع رجال أعمال ارتبطوا بالبنية الاقتصادية للنظام السابق.

هذه الإجراءات، وإن بدت في ظاهرها محاولة لاسترداد المال العام، تبقى إجراءات مالية لا جنائية، إذ لم يُعلن عن محاكمات مستقلة وعلنية تحدد المسؤوليات أو تفصل في طبيعة العلاقة بين النفوذ الاقتصادي والسياسات التي ساهمت في إدامة منظومة القمع السابقة.

وعليه، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في حجم الأموال المصادرة، بل في السؤال الأعمق:
هل تكفي التسويات المالية لمعالجة إرث معقد من المصالح والتواطؤ، أم أن العدالة الانتقالية تقتضي مساءلة أوسع تتجاوز الأرقام إلى المسؤولية؟

تحليل حقوقي: الفجوات بين التسويات المالية والعدالة الجنائية الشاملة

أولًا: غياب المساءلة الجنائية الفعلية
الإجراءات المالية تركز على استرداد الأصول، لكنها لا تتضمن تحقيقات قضائية شفافة تحدد إن كان هناك دعم مباشر أو غير مباشر لسياسات انتهكت حقوق المدنيين. وهذا يترك العدالة ناقصة من منظور الضحايا.

ثانيًا: الاعتماد على التسويات الفردية
التسويات تتم عبر اتفاقات خاصة، لا ضمن إطار قانوني شامل معلن للرأي العام، ما يفتح باب التأويل حول معايير الاختيار والشفافية.

ثالثًا: إقصاء الضحايا من المسار
لم يُعلن عن إشراك الضحايا أو ممثليهم في آلية اتخاذ القرار بشأن هذه التسويات، وهو عنصر أساسي في أي نموذج متكامل للعدالة الانتقالية.

رابعًا: تحويل المساءلة إلى إجراء مالي
حين تُختزل المحاسبة في مصادرة أصول، تتحول القضية من سؤال مسؤولية إلى مسألة تسوية حسابات مالية، ما يُضعف البعد الأخلاقي والقانوني للعدالة.

خامسًا: الفجوة بين استرداد المال واسترداد الحق
استعادة جزء من الثروة العامة لا تعني بالضرورة استعادة الحق المعنوي والقانوني للضحايا، خاصة في ظل غياب محاكمات توضح حجم الأدوار والمسؤوليات.

ميزان العدالة:

أولًا: التسوية المالية مع طريف الأخرس تمثل خطوة ضمن مسار استرداد الأصول، لكنها لا تُشكّل بحد ذاتها عدالة انتقالية مكتملة.

ثانيًا: العدالة الانتقالية الحقيقية تستوجب:
واحد: محاكمات مستقلة وعلنية.
اثنان: تحديد واضح لمسؤوليات الفاعلين الاقتصاديين.
ثلاثة: إشراك الضحايا في آليات المساءلة والتعويض.
أربعة: شفافية كاملة في معايير التسويات وإجراءاتها.

ثالثًا: أي مسار يقتصر على الجانب المالي دون مساءلة قانونية واضحة سيبقي الشك قائمًا في وعي المجتمع، ويضعف الثقة بمؤسسات المرحلة الجديدة.

العدالة المؤجلة: بين التسويات وصوت الضحايا

يبقى ملف طريف الأخرس مثالًا على التعقيد الذي يحيط بمرحلة ما بعد النظام السابق: هل نحن أمام تفكيك حقيقي لشبكات النفوذ، أم إعادة تدوير منضبطة لها؟

إن العدالة الانتقالية لا تُقاس فقط بما تسترده الدولة من أموال، بل بما تكشفه من حقائق، وما تُقرّه من مسؤوليات، وما تمنحه للضحايا من اعتراف وإنصاف.

ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل ستكون التسويات المالية مدخلًا لمسار قضائي أوسع، أم محطة نهائية تُغلق بها الملفات الثقيلة تحت عنوان “المصلحة العامة”؟

أحمد سليمان

 

 

* تنويه وتصحيح
ورد في المقال المنشور يوم أمس خطأ في ذكر الاسم، حيث أُشير إلى فواز الأخرس بدلًا من الاسم الصحيح طريف الأخرس، وهو المعنيّ بالحديث عن ملف التسوية المالية.
نعتذر عن هذا الخطأ غير المقصود، ونؤكد حرصنا على الدقة المهنية في تناول الأسماء والوقائع، خصوصًا في الملفات ذات الطابع القانوني والحقوقي.

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب