19 مارس, 2026

سوريا: انتهاكات بالجملة – الحريات الفردية لا تنفصل عن السياسية

لم يعد ما يجري قابلًا للتفسير بوصفه حوادث متفرقة أو اجتهادات محلية معزولة، بل بات يعكس مسارًا متدرجًا نحو إعادة تشكيل المجال العام على حساب الحريات الفردية. هذا المسار لا يظهر فقط في القرارات الرسمية، بل أيضًا -وهذا الأهم- في الممارسات اليومية التي تتم دون وضوح قانوني أو مساءلة. هنا تحديدًا تكمن الخطورة: حين تتحول السلطة من جهة تنظّم المجتمع بالقانون، إلى جهة تعيد تعريفه وفق معايير غير معلنة.
بدأت المؤشرات مبكرًا عبر استهداف رموز ثقافية وتاريخية. خلال عام 2025، تم تداول مقاطع تُظهر تحطيم تماثيل في حلب، دون صدور أي توضيح رسمي يحدد الجهة المسؤولة أو الإطار القانوني. هذه الحوادث، حتى لو قُدمت كأفعال فردية، تعكس مناخًا يسمح بإعادة صياغة الفضاء العام دون نقاش أو مساءلة، وهو ما يمهّد لتدخلات أعمق في حياة الأفراد.
في العام نفسه، برزت بشكل أوضح قرارات ذات طابع سلوكي مباشر. فقد صدرت تعليمات محلية في اللاذقية تتعلق بلباس البحر، ترافقت مع تداول قيود على المظهر الشخصي، بما في ذلك المكياج في بعض الأماكن العامة. هذه الإجراءات، حتى لو لم تُصغ كقوانين وطنية شاملة، تحمل دلالة سياسية واضحة: نقل سلطة تحديد المقبول اجتماعيًا من المجتمع إلى جهة إدارية أو أمنية.
لم تتوقف المسألة عند حدود المظهر، بل امتدت إلى الخصوصية الشخصية. في مقطع فيديو متداول من حلب، ظهرت طبيبة تؤكد أن عنصرًا أمنيًا طالبها بإثبات علاقتها بالشخص الذي كان برفقتها. وعلى الرغم من تقديمها دلائل متعددة، مثل رخصة القيادة ووثائق مشتركة، أصرّ العنصر على إبراز وثيقة زواج رسمية. وقد انتهت الحادثة بتدخل جهة أعلى في اليوم التالي وإغلاقها بشكل فردي، إلا أن حوادث مشابهة تكررت في أماكن مختلفة. هذه الوقائع ليست تفصيلًا عابرًا، بل تمثل انتقالًا خطيرًا من تنظيم السلوك العام إلى مراقبة العلاقات الشخصية، وهو نمط معروف في أنظمة الضبط الاجتماعي ذات الطابع المتشدد.
وفي عام 2026، تم تداول قرار يقضي بتقييد بيع واستهلاك الكحول، مع السماح بذلك ضمن نطاقات محددة في دمشق. كما مُنحت المطاعم والحانات مهلة ثلاثة أشهر لتطبيق القرار. بغض النظر عن الموقف من المسألة، فإن طريقة إدارتها تكشف تناقضًا واضحًا: لا يوجد معيار قانوني موحد، بل تنظيم انتقائي للحريات، ما يعني أن الحقوق لا تُمنح على أساس المواطنة، بل وفق اعتبارات ظرفية أو جغرافية.

انتهاك الحريات إلى خرق الإطار الدستوري:
ويُذكر أنه تم إقرار إعلان دستوري مؤقت، ورغم هشاشة عدد من بنوده وغموضها، فإن الإشكالية الأبرز لم تكن في ضعفه فقط، بل في طريقة التعامل معه. إذ برزت مؤشرات على تجاوزه عمليًا من قبل السلطة، سواء من حيث غياب الالتزام بروحه أو من حيث مخالفة مبادئه الأساسية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى في ملف النشيد الوطني. فقد تم الإعلان عن مسابقة لإقرار نشيد جديد، لكن تبيّن لاحقًا وجود شبهات تضارب مصالح، مع مشاركة وزير الثقافة ومسؤولين في الأنشطة الثقافية في كتابة نصوص ضمن المسابقة نفسها. هذا السلوك يطرح تساؤلات جدية حول معايير النزاهة والشفافية في إدارة ملف يفترض أنه وطني جامع.
يزداد الأمر إشكالية عندما يُطرح بديل لا يرقى إلى مستوى الإجماع الرمزي الذي حظي به نشيد ارتبط بوجدان السوريين خلال سنوات الثورة، والمستند إلى نص الشاعر عمر أبو ريشة. فالتعامل مع الرموز الوطنية بهذه الطريقة لا يعكس فقط خللًا إداريًا، بل يكشف عن غياب رؤية جامعة لماهية الدولة ورموزها.

ما يجمع هذه الحالات ليس فقط مضمونها، بل طبيعتها:

1.غياب نصوص قانونية واضحة وشاملة
2.الاعتماد على تعليمات محلية أو ممارسات ميدانية
3.غياب المساءلة أو التوضيح الرسمي
4.التوسع التدريجي من الرمزي إلى الشخصي

هنا تظهر العلاقة الحاسمة:
الحريات الفردية لا يمكن فصلها عن الحريات السياسية. عندما يُحرم المجتمع من المشاركة في القرار السياسي، تصبح الحريات الفردية أول ضحاياه. لأن السلطة التي لا تُحاسَب، تتوسع بطبيعتها، ولا تتوقف عند حدود.
السلطة، في هذا السياق، لا تتصرف كامتداد للمجتمع، بل ككيان فوقه. والخطاب الديني المستخدم لا يعمل كمرجعية أخلاقية جامعة، بل كأداة لإعادة ضبط السلوك العام. المشكلة ليست في الدين، بل في توظيفه سياسيًا لتبرير التدخل في حياة الأفراد. وعندما يُطرح مفهوم “الاعتدال” دون أن ينعكس في القوانين والمؤسسات، فإنه يفقد معناه ويتحول إلى غطاء لغوي.
الدولة الحديثة لا تُقاس بما تعلنه، بل بما تضمنه فعليًا: سيادة القانون، وضوح التشريع، والمساواة بين المواطنين. وأي مسار يستبدل هذه الأسس بتعليمات ضبابية أو ممارسات انتقائية، هو عمليًا مسار يقوّض فكرة الدولة نفسها.
الأخطر أن هذا التوجه لا يهدد الحريات الفردية فقط، بل يضرب أساس الاستقرار. فالمجتمع الذي يشعر بأن حياته الخاصة عرضة للتدخل، يفقد الثقة بأي إطار عام. ومع غياب قنوات سياسية حقيقية، يتحول الاحتقان إلى قابلية للانفجار.

ما يحدث ليس مجرد تضييق اجتماعي، بل إعادة تشكيل سياسية للمجتمع عبر بوابة الحريات الفردية. وأي محاولة لبناء دولة دون حماية هذه الحريات، ليست مشروع دولة، بل مشروع سيطرة.

أحمد سليمان

المصدر:  نشطاء الرأي

الرابط الدائم:

https://opl-now.org/2026/03/19/سوريا-انتهاكات-الحريات-الفردية/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب