8 أبريل, 2026

بين سقف الشروط وحدود القوة: هل نحن أمام تسوية أم استراحة محارب؟

لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحوّل إلى اختبار حاد لتوازنات النظام الدولي، حيث تتقاطع الجغرافيا السياسية مع أسواق الطاقة وأمن الممرات البحرية. الهدنة الحالية خفّفت منسوب الخطر، لكنها لم تغيّر حقيقة أساسية: الصراع لم يُحسم، بل جرى تجميده مؤقتًا.
منذ بداية المواجهة مطلع 2026، انتقل التصعيد بسرعة من ضربات محدودة إلى تهديد مباشر لأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي: مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية يوميًا. ومع كل إشارة إلى تعطيله، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، في بعض التقديرات إلى مستويات تتجاوز 120 دولارًا للبرميل في سيناريو الإغلاق الكامل. هذا العامل وحده كان كافيًا لدفع القوى الدولية نحو فرض تهدئة عاجلة.
عسكريًا، لم تنجح الضربات الأميركية–الإسرائيلية في فرض ردع حاسم، كما لم تتمكن إيران من فرض معادلة ردع مستقرة. ما نتج هو ما يمكن تسميته بـ”توازن الضعف”: أي وضع يعجز فيه كل طرف عن تحقيق نصر استراتيجي، لكنه في الوقت نفسه يمتلك ما يكفي لمنع خصمه من الانتصار. هذا النوع من التوازن لا يُنتج استقرارًا، بل يفرض هدَنًا هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار.
في هذا السياق، جاء المقترح الإيراني محمّلًا بشروط تُصنّف في الأدبيات التفاوضية ضمن ما يُعرف بـ”السقف التفاوضي المرتفع”. المقصود هنا ليس مجرد التشدد، بل طرح شروط تتجاوز ما يمكن للطرف الآخر قبوله بكثير، بهدف إعادة ضبط نقطة الانطلاق في التفاوض. فالمطالبة برفع شامل للعقوبات، والإفراج عن أصول تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، والاعتراف بالتخصيب النووي، إضافة إلى تثبيت نفوذ دائم في مضيق هرمز، ليست بنودًا تفاوضية تقليدية، بل محاولة لإعادة تعريف ميزان القوة بعد المواجهة.
بالنسبة لواشنطن، تكمن خطورة الاعتراف بالتخصيب في أنه لا يتعلق بإيران وحدها، بل بقاعدة دولية أوسع. قبول هذا المبدأ دون قيود صارمة يفتح الباب أمام دول أخرى للسير في المسار نفسه، ما يقوّض نظام منع الانتشار النووي. لذلك، ترى الولايات المتحدة أن تقديم تنازل في هذا الملف ليس خطوة تكتيكية، بل سابقة استراتيجية يصعب احتواؤها لاحقًا.
في المقابل، لا تتحرك الدول العربية من موقع موحّد، لكن يمكن تحديد هاجسين رئيسيين يحكمان سلوكها. الأول أمني مباشر، يتمثل في الخوف من تحوّل أراضيها أو منشآتها النفطية إلى أهداف في أي تصعيد جديد. والثاني استراتيجي طويل الأمد، يتعلق بإمكانية أن تؤدي أي تسوية غير متوازنة إلى تكريس نفوذ إيراني أوسع في الإقليم. لذلك، تميل هذه الدول إلى دعم التهدئة، دون الانخراط الكامل في أي مشروع تصعيدي.
أوروبا تبدو أكثر هشاشة في هذا المشهد. فهي تعتمد بدرجة كبيرة على استقرار أسواق الطاقة، وتعاني أصلًا من ضغوط تضخمية وتباطؤ اقتصادي. أي اضطراب طويل في الإمدادات، أو تصعيد اقتصادي مع الولايات المتحدة، قد يدفعها إلى أزمة مركبة. لهذا السبب، تفضّل العواصم الأوروبية تسوية سريعة، حتى لو كانت غير مثالية.
أما الصين وروسيا، فتتعاملان مع الأزمة بمنطق براغماتي بحت. الصين معنية قبل كل شيء باستقرار تدفق الطاقة، فيما ترى روسيا في إطالة أمد الضغط على الولايات المتحدة فرصة لإعادة تشكيل موازين القوى. كلا الطرفين لا يسعى إلى حسم الصراع، بل إلى إدارته بطريقة تُضعف واشنطن دون تفجير الوضع بالكامل.
في المحصلة، لا يعكس المشهد انتصارًا لأي طرف، بل حالة جمود متوتر. وهنا يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:
1.تسوية تدريجية:
تقوم على خفض متبادل لسقف المطالب، مع تخفيف جزئي للعقوبات مقابل قيود محدودة على البرنامج النووي وضمانات للملاحة في هرمز.
2.انهيار الهدنة:
نتيجة حادث ميداني أو حسابات خاطئة، ما يعيد التصعيد بسرعة إلى نقطة الصفر.
3.تجميد طويل الأمد:
استمرار الوضع الحالي دون حل جذري، مع بقاء التوتر تحت السيطرة.
العامل الحاسم بين هذه السيناريوهات لن يكون عسكريًا فقط، بل اقتصادي بالدرجة الأولى: قدرة الأطراف على تحمّل كلفة الاستنزاف، وتأثير أسعار الطاقة على القرار السياسي، وحدود صبر الحلفاء.

أن ما يُطرح اليوم ليس سلامًا، بل إدارة مؤقتة للصراع. وبين سقف الشروط الإيرانية وحدود القوة الأميركية، يتشكل مسار تفاوضي بطيء، لا يهدف إلى الحسم، بل إلى منع الانفجار. وهذا بحد ذاته ليس حلًا، بل تأجيلٌ لأزمة لم تجد طريقها بعد إلى تسوية حقيقية.

أحمد سليمان
نشطاء الرأي

رابط الملف:

https://opl-now.org/2026/04/08/الحرب-الأمريكية-الإيرانية/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب