8 أبريل, 2026

سوريا بين خطابين: سلطة تبني وأخرى تهدم

لا يمكن لدولة أن تقوم على هذا الانشطار. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح في ظل غياب العدالة، واستمرار الإفلات من العقاب، والتلاعب بهوية المجتمع.

لا يمكن لدولة أن تقوم على هذا الانشطار. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح في ظل غياب العدالة، واستمرار الإفلات من العقاب، والتلاعب بهوية المجتمع.

ما يجري اليوم في سوريا لم يعد مجرد أخطاء سياسية أو ارتباك في إدارة المرحلة، بل هو مسار واضح نحو تقويض فكرة الدولة نفسها. فمنذ ما سُمّي بالإعلان الدستوري، إلى تشكيل الحكومة، وصولًا إلى هندسة مجلس الشعب، تتكشف سلسلة من القرارات التي لا يمكن قراءتها إلا بوصفها انحرافًا متعمدًا عن أي مشروع وطني جامع.

الأمر لا يقف عند حدود الفشل، بل يتعداه إلى العبث. تكسير التماثيل، محو الرموز الحضارية من العملة، وتجاهل تاريخ يمتد لآلاف السنين – كل ذلك ليس تفصيلًا، بل تعبير فجّ عن عقلية تسعى لاقتلاع الذاكرة واستبدالها بهوية ضيقة ومفروضة.

وفي موازاة هذا العبث، تتصاعد ممارسات أكثر خطورة: تدخل سافر في حياة الناس الخاصة، اعتداء على الفضاء الثقافي كما في سرقة المتحف الوطني، وفرض وصاية مباشرة على المجتمع – من لباس البحر في اللاذقية إلى مظهر النساء في الفضاء العام. هذه ليست “تجاوزات”، بل سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة.

ويكتمل هذا المشهد بسياسات اقتصادية منفصلة عن الواقع، تركز على الكماليات وتتجاهل الانهيار المعيشي، في ظل تفشي الفساد، وإعادة تدوير شخصيات متورطة، ومنحها مواقع سيادية، مقابل تهميش واسع لنشطاء الثورة وأصحاب الكفاءات العلمية والمؤسساتية. إنها وصفة صريحة لإعادة إنتاج المنظومة ذاتها بوجوه جديدة.

ويزداد العبث السياسي تكاملًا مع هذه الصورة: ما يُسمى بدمج “قسد” لا يبدو سوى واجهة شكلية لإعادة إنتاج الانقسام، عبر تدوير شخصيات متورطة بانتهاكات جسيمة. كما أن عودة رجال أعمال مرتبطين بجرائم النظام السابق، تحت غطاء “تسويات” غامضة، تكشف أن الحديث عن القطيعة مع الماضي ليس إلا شعارًا للاستهلاك.

لكن الفضيحة الأكبر تبقى في تغييب العدالة: لا محاسبة، لا إنصاف، ولا حتى اعتراف حقيقي بمعاناة الضحايا. وكأن المطلوب من السوريين أن يطووا الصفحة دون أن تُفتح أصلًا.

في ظل هذا كله، لم يعد الحديث عن “ازدواجية سلطة” توصيفًا كافيًا. نحن أمام بنية مشوهة: سلطة تعلن خطابًا معتدلًا للاستهلاك، وأخرى تمارس على الأرض سياسات تقويضية بلا أي قيد. واحدة تتحدث عن الانفتاح، وأخرى تغلق المجتمع بالقوة. واحدة تعد بالإصلاح، وأخرى تفرغه من مضمونه.

هذه ليست ازدواجية عابرة، بل معادلة خطيرة: واجهة ناعمة تخفي خلفها جهازًا صلبًا يعيد إنتاج أنماط الهيمنة نفسها، لكن بأدوات جديدة وخطاب مختلف.

والأخطر أن هذه السياسات لا تهدد الحريات فحسب، بل تضرب أسس التعايش، وتدفع المجتمع نحو مزيد من التفتت، عبر استدعاء العصبيات وتغذيتها تحت غطاء ديني أو “شرعي” – وهو المسار ذاته الذي قاد تجارب متطرفة إلى مجتمعات مغلقة وممزقة.

بين الهدم والبناء: من يفرض الكلمة الأخيرة؟

السؤال اليوم لم يعد نظريًا: أيّ الخطابين سينتصر؟ هل ينجح خطاب الدولة في فرض نفسه، أم تبتلعه هذه البنية الموازية التي تعمل على تقويضه من الداخل؟

لا يمكن لدولة أن تقوم على هذا الانشطار. ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح في ظل غياب العدالة، واستمرار الإفلات من العقاب، والتلاعب بهوية المجتمع.

المسألة لم تعد صراعًا داخل السلطة فقط، بل اختبار حقيقي للمجتمع السوري نفسه: هل يقبل بإعادة إنتاج القمع بأشكال جديدة؟ أم يفرض مسارًا وطنيًا يضع حدًا لهذا العبث؟

الحقيقة القاسية هي أن الدولة لا تُبنى بالخطابات، بل بالممارسات. وكل ما يجري اليوم يشير إلى اتجاه معاكس تمامًا: نحو دولة شكلية، ومجتمع مُقيّد، وعدالة مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

الدولة التي لا تُبنى على الحرية والمساءلة ليست دولة – بل مجرد هيكل هش، قابل للانهيار عند أول اختبار جدي. وحدها الدولة التي تواجه ماضيها بجرأة، وتؤسس لعدالة حقيقية، قادرة على البقاء.

وحتى ذلك الحين، سيبقى السؤال مفتوحًا… لكن الإجابة تُكتب الآن، على الأرض، لا في البيانات.

 

أحمد سليمان

المصدر: نشطاء الرأي

الرابط : https://opl-now.org/2026/04/08/سوريا-سلطة-تبني-وأخرى-تهدم/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب