الحديث عن “أول برلمان يمثل سوريا الحرة” يصطدم مباشرة مع الوقائع، ليس فقط سياسياً، بل تاريخياً أيضاً.
فسوريا ليست بلداً يبدأ تاريخه البرلماني اليوم. قبل وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، عرفت البلاد تجارب انتخابية تعددية فعلية، وفي مقدمتها انتخابات 1954 التي جرت على أساس التنافس المفتوح والاقتراع المباشر، وشكّلت واحدة من أبرز المحطات الديمقراطية في تاريخ المنطقة. هذه الحقيقة ضرورية لفك أي التباس: ما قبل 1970 شيء، وما تلاه شيء مختلف تماماً من حيث طبيعة النظام السياسي.
أما اليوم، فنحن أمام آلية تُنتج التعيين لا التمثيل.
يتكوّن مجلس الشعب من 210 أعضاء، لكن نحو 70 منهم يُعيَّنون مباشرة، أي ما يقارب ثلث المجلس خارج أي عملية انتخابية. أما الـ140 الباقون، فلا يُنتخبون عبر اقتراع شعبي عام، بل من خلال هيئات ناخبة محدودة تُشكَّل بدورها ضمن آلية مُدارة تبدأ بلجان وتنتهي بقوائم مضبوطة سلفاً.
هذه الأرقام ليست تفصيلاً، بل جوهر المسألة: حين يكون ثلث المجلس مُعيّناً، والثلثان الآخران ناتجين عن عملية غير مباشرة ومقيّدة، فإن الحديث عن “انتخابات” يفقد معناه الفعلي.
في هذا الإطار، تصبح المحاصصة آلية عمل لا يمكن تجاهلها. ليست محاصصة تمثّل المجتمع، بل توزيعاً مضبوطاً داخل دائرة مغلقة، حيث يُحدَّد مسبقاً من يدخل ومن يُستبعد. العملية هنا لا تُنتج تمثيلاً، بل تعيد ترتيب النخبة ضمن شروط محددة.
ولا يمكن فصل ذلك عن طريقة تشكيل الحكومة، التي عكست النمط نفسه: انتقاء مركزي، غياب الشفافية، وضعف واضح في التمثيل، خصوصاً فيما يتعلق بحضور المرأة، الذي بقي هامشياً بشكل لافت. هذا ليس خللاً عرضياً، بل امتداد لمنهج يقوم على تقييد المشاركة لا توسيعها.
بالتوازي، ظهرت سلسلة من القرارات والممارسات التي مست الحريات الفردية بشكل مباشر، وبدت في كثير من الأحيان استفزازية لشرائح واسعة من المجتمع، سواء في ما يتعلق بأنماط الحياة أو المجال العام. هذا النوع من السياسات لا يعزز الثقة، بل يعمّق القطيعة بين السلطة والمجتمع.
أما الإعلان الدستوري، الذي كان يُفترض أن يؤسس لمرحلة انتقالية متوازنة، فقد جاء بصيغة تمنح صلاحيات واسعة ومفتوحة، ما يعزز مركزية القرار بدلاً من تقييده. وعندما يُقرن ذلك بمجلس تشريعي مشكَّل جزئياً بالتعيين، وجزئياً بآليات غير مباشرة، فإن النتيجة تكون بنية سياسية مغلقة أكثر منها انتقالاً نحو نظام تمثيلي.
فجوة بين الخطاب والواقع:
لا يمكن الحديث عن “برلمان حر” في ظل تعيين مباشر لثلث أعضائه، ولا عن “انتخابات” في ظل غياب الاقتراع العام المفتوح، ولا عن “تمثيل” في ظل تقييد مسبق لمن يحق له الترشح.
سوريا لا تحتاج إلى إعادة تسمية الواقع، بل إلى استعادة المعايير التي عرفتها سابقاً: انتخابات حقيقية، مؤسسات مستقلة، ودستور يقيّد السلطة لا يوسعها. دون ذلك، يبقى الخطاب السياسي أقرب إلى إعادة صياغة لغوية لواقع لم يتغير في جوهره.
أحمد سليمان
المصدر نشطاء الرأي

المزيد من المواضيع
سوريا بين خطابين: سلطة تبني وأخرى تهدم
بين سقف الشروط وحدود القوة: هل نحن أمام تسوية أم استراحة محارب؟
قضية حسين هرموش تعود للواجهة: تطورات جديدة وتهديدات مقلقة