في الشرق الأوسط، لا تكمن أهمية التصريحات السياسية في ما تقوله فقط، بل في ما تحجبه أيضاً. لذلك أثارت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، التي انتقد فيها علناً المقاربة الإسرائيلية تجاه الملف الإيراني، اهتماماً واسعاً تجاوز حدود الخبر نفسه. فحين يقول مسؤول أمريكي بهذا المستوى إن دولة لا تستطيع معالجة جميع مشكلاتها الأمنية بالقوة وحدها، فإن السؤال لا يتعلق بحدة العبارة، بل بما إذا كانت تعكس تحولاً حقيقياً في السياسة الأمريكية أم مجرد اختلاف مؤقت في إدارة الأزمة.
للوهلة الأولى، تبدو التصريحات وكأنها مؤشر على توتر غير مألوف بين واشنطن وتل أبيب. غير أن قراءة أعمق للعلاقة بين الطرفين تكشف أن الخلافات التكتيكية ليست جديدة. فقد شهدت العقود الماضية تباينات واضحة بشأن الاستيطان، والاتفاقات النووية، وتوقيت العمليات العسكرية، من دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار التحالف الاستراتيجي الذي يشكل أحد ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة.
الإشكالية الأساسية هنا تكمن في التمييز بين الخلاف على الوسائل والخلاف على الأهداف. فالولايات المتحدة، أياً كانت الإدارة الحاكمة، تسعى إلى منع إيران من التحول إلى قوة نووية قادرة على فرض توازن ردع جديد في المنطقة، كما تعتبر أمن إسرائيل جزءاً من منظومتها الاستراتيجية. لكن الإدارات الأمريكية تختلف أحياناً في كيفية تحقيق هذه الأهداف: هل يكون ذلك عبر الدبلوماسية والاتفاقات المؤقتة واحتواء التصعيد؟ أم عبر الضغوط القصوى وإبقاء الخيار العسكري مطروحاً؟
في المقابل، اعتادت إسرائيل العمل ضمن هامش واسع من الاستقلالية العملياتية. فمنذ تأسيسها، تبنت عقيدة أمنية تقوم على المبادرة الاستباقية وعدم الارتهان الكامل لحسابات الحلفاء، حتى وإن كانوا الحليف الأكبر والأكثر تأثيراً. لذلك لم يكن مستغرباً أن تظهر في أكثر من محطة وكأنها “تغرد خارج التفاهمات”، محتفظة بحق استخدام القوة عندما ترى أن مصالحها الأمنية المباشرة مهددة.
غير أن هذا الهامش لا يعني بالضرورة وجود تنسيق كامل خلف الأبواب المغلقة، كما لا ينفي احتمال وجود خلافات حقيقية داخل المعسكر الواحد. فالعلاقات الدولية أكثر تعقيداً من السرديات الثنائية التي تختزل المشهد بين “خداع كامل” أو “قطيعة كاملة”. قد تضغط واشنطن باتجاه اتفاق مع إيران لأنها ترى فيه وسيلة لتجنب حرب إقليمية واسعة، فيما تفضّل دوائر إسرائيلية استمرار سياسة الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض أو منع أي تسوية تعتبرها غير كافية.
من هنا، يصبح السؤال الأكثر دقة: هل نحن أمام تحول استراتيجي أمريكي أم أمام إعادة توزيع للأدوار؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات كافية للحديث عن مراجعة جذرية للتحالف الأمريكي الإسرائيلي. ما يبدو أقرب إلى الواقع هو وجود خلاف حول إدارة الوقت وكلفة الخيارات المتاحة. فالإدارة الأمريكية قد ترى أن التهدئة المرحلية تخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية، بينما ترى إسرائيل أن الاحتفاظ بخيار القوة ضرورة لا يجوز تعطيلها تحت وطأة الحسابات الدولية.
المشكلة أن المنطقة اعتادت قراءة لغة التهدئة باعتبارها نهاية للأزمات، بينما أثبتت التجارب أن فترات التفاوض قد تكون أيضاً مراحل لإعادة التموضع وتجميع الأوراق وإعادة تعريف حدود الردع. لذلك فإن التعامل مع التصريحات الأخيرة بوصفها انقلاباً في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية قد يكون استنتاجاً متسرعاً، كما أن افتراض وجود مسرحية متكاملة محكمة التفاصيل يفتقر بدوره إلى الأدلة.
بين هذين التفسيرين، يبقى الثابت الوحيد أن الشرق الأوسط لا يُدار بالتصريحات وحدها، بل بتوازنات القوة ومصالح الدول وحسابات الكلفة والعائد. أما التصريحات النارية، مهما بلغت حدتها، فقد تكون أحياناً جزءاً من التفاوض ذاته، لا إعلاناً عن نهاية التحالفات أو ولادة تحالفات جديدة.
وفي منطقة اعتادت أن تُصاغ مصائرها في المساحات الرمادية، قد لا يكون السؤال: هل اختلفت واشنطن وتل أبيب؟ بل إلى أي حد يسمح هذا الاختلاف لكل طرف بأن يذهب أبعد في اختبار حدود الآخر، من دون أن يضطر أي منهما إلى كسر القاعدة التي حكمت علاقتهما لعقود طويلة.
أحمد سليمان

المزيد من المواضيع
الدولة بين استعادة الاستقرار ومنطق احتكار السلطة
القفز عن الإجابات في السجال الإعلامي بين حسان عقاد وموسى العمر
تجميد الحرب الأميركية – الإيرانية… تفاهمات مؤقتة تؤجل الصراع ولا تصنع سلاماً دائماً