24 أكتوبر, 2026

التوغلات الإسرائيلية والمظاهرات الرافضة: هل تتجه سوريا إلى سلام أحادي؟

خرج السوريون، اليوم، في احتجاجات شعبية شملت مدن حلب والرقة ودرعا وحمص والقنيطرة، ومناطق في دمشق وريفها، بينها المزة والطبالة والدويلعة ودوما وسقبا وسعسع، إضافة إلى مصياف والسلمية والحسكة وخان أرنبة، تنديدًا بالتوغلات والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في جنوب سوريا وريف دمشق، ومطالبةً بوقف الانتهاكات واحترام سيادة البلاد ووحدة أراضيها.

ومن خلال مراجعة الصحافة الدولية وتقارير منظمات حقوق الإنسان، إلى جانب منشورات ناشطين مدنيين وسياسيين ومراقبين، يتضح أن السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا لا ترتبط بشخص رئيس الحكومة وحده، ولا يُفترض أن تتغير تلقائيًا بخسارته الانتخابات أو وصول منافس إلى السلطة؛ فالتجارب السياسية تشير إلى أن تبدّل الحكومات لا يعني بالضرورة تبدّل الاستراتيجيات، ولا سيما حين تتصل المسألة بحسابات أمنية وعسكرية ومصالح مؤسسية تتجاوز الأشخاص.

وهذا ما يعكس خطورة المرحلة الراهنة ومفصلية تطوراتها. فمن هنا، لا ينبغي أن ينشغل السوريون وحدهم بمصير بنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، بل بما إذا كانت التوغلات العسكرية الإسرائيلية ستتوقف فعلًا إذا غادر منصبه، أم أن سوريا ستظل تواجه السياسة ذاتها بأسماء مختلفة، ما دامت الظروف التي تسمح باستمرارها قائمة.

في الجنوب السوري، لم تعد المسألة تقتصر على خلاف بشأن ترتيبات أمنية أو تحركات عسكرية قرب خط وقف إطلاق النار. فالتوغلات المتكررة، ودخول القوات الإسرائيلية إلى مناطق مأهولة، وعمليات التفتيش والاعتقال، وإقامة مواقع عسكرية، تثير أسئلة مباشرة بشأن السيادة السورية، وحماية المدنيين، ومستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي السورية.

وفي المقابل، تشهد سوريا مظاهرات رافضة لهذه التحركات، فيما تواجه السلطة الانتقالية تحديات داخلية تشمل نشاط تنظيم داعش، وتعدد التشكيلات المسلحة، والخلافات حول دمجها في المؤسسة العسكرية، فضلًا عن ضعف الثقة العامة بأداء مؤسسات الدولة.

وسط هذه التطورات، يبرز سؤال لا يقل أهمية عن طبيعة التحركات الإسرائيلية نفسها: أين تقف الأمم المتحدة من هذه الانتهاكات، وما الذي تستطيع فعله لوقفها؟ فقد أصدرت المنظمة الدولية قرارات واضحة بشأن الجولان السوري المحتل، وحذرت هيئات أممية من تداعيات العمليات الإسرائيلية في جنوب سوريا. لكن الفجوة بين القرارات والتحذيرات الدولية وبين إحداث تغيير ملموس على الأرض تظل موضع مساءلة.

ولا تنفصل هذه المسألة عن مسؤولية السلطة الانتقالية السورية. فضعف المؤسسات، وتراجع الثقة الشعبية، وغياب استراتيجية معلنة ومتكاملة للتعامل مع التوغلات، قد يضيّق هامش المناورة أمام دمشق. لكن أخطاء السلطة لا تمنح إسرائيل حق انتهاك السيادة السورية، مثلما أن مواجهة التهديدات الخارجية لا تمنح الحكومة حصانة من النقد والمساءلة.

● من الجولان المحتل إلى التوغلات الجديدة: تسلسل زمني لا يجوز تجاهله

تعود جذور القضية إلى حرب يونيو/حزيران 1967، حين احتلت إسرائيل معظم هضبة الجولان السورية. وفي 14 ديسمبر/كانون الأول 1981، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونًا فرضت بموجبه إسرائيل قوانينها واختصاصها وإدارتها على الجولان، في خطوة رفضها مجلس الأمن بعد ثلاثة أيام.

ففي 17 ديسمبر/كانون الأول 1981، اعتمد مجلس الأمن القرار 497، الذي قرر أن فرض إسرائيل قوانينها واختصاصها وإدارتها على الجولان السوري المحتل باطل ولا أثر قانونيًا دوليًا له، وطالبها بإلغاء قرارها فورًا. كما أكد استمرار انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على الأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل منذ يونيو 1967.

ولم يكن ذلك موقفًا عابرًا. فقد واصلت الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتماد قرارات تؤكد عدم قانونية الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير الوضع القانوني والديمغرافي للجولان، وتدعو إلى احترام حقوق السكان السوريين الواقعين تحت الاحتلال.

وفي 4 ديسمبر/كانون الأول 2024، اعتمدت الجمعية العامة القرار 79/90 بشأن الجولان السوري المحتل، مؤكدة مجددًا عدم قانونية فرض إسرائيل قوانينها وإدارتها على المنطقة، وداعية إلى الامتناع عن تغيير طابعها المادي وتركيبتها السكانية وبنيتها المؤسسية ووضعها القانوني، ولا سيما من خلال إقامة المستوطنات.

وبعد أربعة أيام، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، سقط نظام بشار الأسد. وفي أعقاب ذلك، تحركت القوات الإسرائيلية إلى منطقة الفصل الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، ثم امتدت تحركاتها إلى مواقع داخل الأراضي السورية خارج المنطقة.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه إزاء الانتهاكات الواسعة لسيادة سوريا وسلامة أراضيها، وخصوصًا الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة. وأكد أن اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 لا يزال ساريًا، وأدان الأفعال المخالفة له، داعيًا إلى إنهاء أي وجود غير مصرح به داخل منطقة الفصل.

وفي 13 ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك أنها رصدت منذ 7 ديسمبر زيادة ملحوظة في تحركات الجيش الإسرائيلي داخل منطقة الفصل وعلى امتداد خط وقف إطلاق النار، وأكدت بقاء القوات الإسرائيلية في مواقع متعددة داخل المنطقة. وأوضحت أنها أبلغت الجانب الإسرائيلي بأن هذه التحركات تشكل انتهاكًا لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وتوضح هذه المحطات أن التوغلات لم تبدأ بوصفها قضية مرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية الراهنة، بل برزت في سياق تحول عسكري أعقب سقوط النظام السوري السابق، واستمرت خلال المرحلة الانتقالية، وفق ما وثقته جهات أممية لاحقًا.

● اتفاق 1974: ما الذي تلتزم به الأطراف؟

أنشأ اتفاق فض الاشتباك بين سوريا وإسرائيل لعام 1974 منطقة فصل تخضع لمراقبة قوة الأمم المتحدة، وحدد مناطق انتشار القوات والقيود المفروضة على الوجود العسكري في المناطق المعنية.

وشدد مجلس الأمن، في قراراته المتعلقة بولاية قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك، على ضرورة احترام الاتفاق كاملًا، والامتناع عن الأنشطة العسكرية داخل منطقة الفصل.

وهنا ينبغي التمييز بين الجولان المحتل منذ عام 1967، ومنطقة الفصل التي أنشأها اتفاق 1974، والمواقع السورية الأخرى التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد ديسمبر 2024. فلكل منها وضع ميداني وقانوني ينبغي توثيقه بدقة. لكن وجود منطقة فصل لا يمنح أي طرف حق التوسع العسكري داخل الأراضي السورية خارج ما تسمح به الاتفاقات ذات الصلة.

كما أن تأكيد إسرائيل أن تحركاتها تهدف إلى حماية أمنها لا يحسم قانونية تلك التحركات. فتقييمها يتطلب النظر في الوقائع الميدانية، وطبيعة السيطرة العسكرية، والالتزامات الدولية ذات الصلة، لا الاكتفاء بالمبررات التي تقدمها الأطراف المعنية.

ومن حق أي دولة أن تناقش مخاوفها الأمنية، لكن ذلك لا يلغي التزاماتها القانونية ولا يحوّل الإجراءات العسكرية إلى أفعال مشروعة لمجرد وصفها بأنها دفاعية. فالأمن لا يمكن أن يكون تفويضًا مفتوحًا لتغيير الوقائع على الأرض.

● الأمم المتحدة: ليست صامتة تمامًا، لكن أين أثر قراراتها؟

من غير الدقيق القول إن الأمم المتحدة لم تتحدث عن التحركات الإسرائيلية في سوريا. فقد أعلنت قوة فض الاشتباك أن التحركات الإسرائيلية داخل منطقة الفصل تخالف اتفاق 1974، وحذر الأمين العام من انتهاكات السيادة السورية، كما تناولت هيئات أممية المخاطر التي يتعرض لها المدنيون في الجنوب السوري.

لكن المساءلة لا تتعلق بعدد البيانات وحده، بل بمدى قدرة المواقف والقرارات الدولية على إحداث تغيير في الوقائع الميدانية.

وفي 8 سبتمبر/أيلول 2026، حذرت لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا من أن بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية قد ترقى إلى جرائم حرب. وأشارت، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن اللجنة، إلى تصاعد التوغلات البرية والدوريات والمداهمات وعمليات التفتيش وإقامة بنى عسكرية، ولا سيما في محافظتي القنيطرة ودرعا، فضلًا عن حالات احتجاز مدنيين سوريين ونقلهم عبر الحدود.

وذكرت اللجنة أنها حددت 49 سوريًا، بينهم طفلان، قالت إن القوات الإسرائيلية احتجزتهم داخل الأراضي السورية ونقلتهم عبر الحدود. كما أثارت المعلومات المتعلقة باحتجاز أشخاص بمعزل عن العالم الخارجي مخاوف من التعذيب أو سوء المعاملة.

ورفضت إسرائيل الانتقادات، وقالت إن وجودها العسكري في المنطقة الحدودية ضروري لحماية مواطنيها، وإنها لا تسعى إلى السيطرة على أراضٍ سورية.

وفي 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلن مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن رصده للمصادر المفتوحة سجل نحو 280 حادثة توغل مسلح إسرائيلي داخل سوريا خلال سبتمبر/أيلول وحده، وهو أعلى عدد شهري منذ بداية العام وفق الإحاطة الأممية. وشملت الحوادث التي أشار إليها المكتب مداهمات للمنازل، وقيودًا على الحركة، ومضايقات للمدنيين، واعتقالات، وتدميرًا لمصادر الرزق.

كما أشار المكتب إلى معلومات تفيد ببقاء 49 سوريًا في الاحتجاز الإسرائيلي، مع التنبيه صراحة إلى أنه لم يتحقق بصورة مستقلة وشاملة من العدد الإجمالي الحالي. وتحدثت المعلومات التي تلقاها عن فترات احتجاز مطولة، وعدم إبلاغ بعض المحتجزين بأسباب احتجازهم، وادعاءات تتعلق بالتعذيب وسوء المعاملة.

ومن الضروري هنا التمييز بين ثلاثة مستويات: ما رصدته الأمم المتحدة أو نقلته عن مصادرها، وما خلصت إليه هيئات التحقيق من مخاوف قانونية، وما يمكن أن تقرره محكمة مختصة بعد فحص الأدلة. فالتحذير من احتمال وقوع جرائم حرب ليس حكمًا قضائيًا نهائيًا، لكنه ليس تفصيلًا يمكن تجاهله أيضًا.

وتؤكد هذه المعطيات أن المخاوف لم تعد مقتصرة على بيانات سياسية سورية، بل أصبحت موضوعًا لتوثيق أممي وتحذيرات حقوقية بشأن آثار العمليات العسكرية على المدنيين.

ومع ذلك، يبقى السؤال السياسي قائمًا: ما الإجراءات التي ستتخذها الدول الأعضاء ومجلس الأمن لضمان احترام القرارات والاتفاقات، وحماية المدنيين، ومنع تحول الوجود العسكري الذي تصفه إسرائيل بأنه مؤقت إلى واقع دائم؟

إن الفرق بين التوثيق والمحاسبة جوهري. فالبيانات الأممية تستطيع كشف الوقائع، والضغط الدبلوماسي يستطيع رفع الكلفة السياسية، لكن وقف الانتهاكات يحتاج إلى إرادة دولية وإجراءات أكثر فاعلية من مجرد إصدار التحذيرات.

● الانتخابات الإسرائيلية: تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تغيير السياسة

من الخطأ اختزال مستقبل سوريا بمصير بنيامين نتنياهو وحده. فالانتخابات قد تغير تركيبة الحكومة، وتعيد توزيع النفوذ بين الأحزاب، وتؤثر في طريقة إدارة الملفات الأمنية والدبلوماسية. لكنها لا تضمن تلقائيًا إنهاء التوغلات أو الانسحاب من المواقع التي دخلتها القوات الإسرائيلية.

ويتطلب تقييم أي حكومة مقبلة النظر إلى مواقفها المعلنة، وقراراتها الفعلية، وشروطها بشأن الوجود العسكري في سوريا، ومدى استعدادها لاحترام اتفاق 1974 والالتزامات الدولية ذات الصلة.

ولا يصح افتراض أن جميع الأحزاب الإسرائيلية تتبنى الموقف نفسه، كما لا يصح التعويل على تغيير رئيس الحكومة وحده بوصفه حلًا كافيًا. فالسياسات الأمنية قد تستمر إذا ظلت المصالح والتقديرات التي تستند إليها قائمة، حتى مع تغير الأشخاص.

ومن هنا، ينبغي أن يتجه الاهتمام السوري إلى الأسئلة العملية: هل ستلتزم الحكومة الإسرائيلية المقبلة بالانسحاب من المواقع التي دخلتها بعد سقوط الأسد؟ هل ستقبل بآلية مراقبة واضحة؟ وهل ستوقف عمليات المداهمة والاعتقال التي تطال المدنيين؟ وما الضمانات الدولية التي يمكن أن تحول دون استمرار التوغلات؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من الرهان على نتيجة انتخابية لا يمكنها، وحدها، أن تضمن احترام السيادة السورية.

● هل المظاهرات السلمية توقف التوغلات؟

تمثل المظاهرات الشعبية الرافضة للتوغلات الإسرائيلية تعبيرًا مشروعًا عن التمسك بالسيادة الوطنية ورفض الانتهاكات على الأراضي السورية. كما تمنح المواطنين مساحة للتعبير عن مخاوفهم، وتؤكد أن أي ترتيبات أمنية لا ينبغي أن تتجاهل حقوقهم ومصالحهم.

لكن الاحتجاجات الشعبية، مهما اتسع نطاقها، لا تملك وحدها أدوات إجبار قوة عسكرية على الانسحاب. ويعتمد أثرها على قدرتها على الاستمرار بصورة سلمية، وإيصال رسالتها إلى الرأي العام الدولي، والارتباط بتحرك دبلوماسي وقانوني منظم.

وهنا تقع مسؤولية مباشرة على السلطة الانتقالية. فليس كافيًا التعويل على المظاهرات أو الاكتفاء بإدانة التوغلات؛ بل ينبغي توضيح الاستراتيجية الدبلوماسية، وتوثيق الانتهاكات، ورفع الملفات إلى الهيئات الدولية المختصة، والمطالبة بتطبيق القرارات ذات الصلة، وتقديم معلومات دورية للسوريين عن النتائج والعقبات.

كما أن الاحتجاج السلمي لا ينبغي أن يكون بديلًا من العمل السياسي والقانوني، بل أحد عناصره. فالمظاهرات التي توثق مطالبها بوضوح، وتحافظ على سلميتها، وتتجنب التحريض، تستطيع أن تعزز شرعية الموقف السوري أمام الرأي العام الدولي.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تتحول الاحتجاجات إلى مساحة للتحريض ضد اليهود أو الإسرائيليين على أساس الهوية، أو إلى دعوات للعنف ضد المدنيين. فالرفض السياسي والقانوني للسياسات الإسرائيلية لا يتعارض مع مكافحة معاداة السامية، ولا مع التمسك بالمبادئ الإنسانية التي تحمي المدنيين دون تمييز.

إن قوة الموقف السوري تكمن في وضوح مطالبه القانونية، وتماسكه الوطني، وقدرته على التمييز بين المسؤولية السياسية الفردية والانتماء الجماعي، وبين المقاومة المدنية المشروعة والتحريض.

● هشاشة الوضع الداخلي: فرصة للآخرين؟

لا يمكن فصل قدرة الدولة على حماية سيادتها عن طبيعة مؤسساتها ومدى تماسكها وثقة المواطنين بها. فالمؤسسات المهنية التي تقوم على الكفاءة والنزاهة والمساءلة تكون أقدر على إدارة الأزمات من مؤسسات تتداخل فيها الولاءات الشخصية والتنظيمية، أو تُهمَّش فيها المعايير القانونية.

ومن هنا، فإن الاعتراض على تعيين شخصيات توجد أدلة جدية على تورطها في انتهاكات، أو على إسناد المسؤوليات إلى أشخاص ارتبطوا بممارسات سلطوية أو متطرفة، ليس مجرد خلاف إداري. إنه جزء من النقاش بشأن شرعية المرحلة الانتقالية ومستقبل الدولة.

لكن المحاسبة لا تستقيم بالاتهامات العامة أو بالإدانة على أساس الانتماء وحده. المطلوب تدقيق مستقل في السجلات، وتحقيقات تستند إلى الأدلة، وإجراءات قانونية عادلة تمنع الإفلات من العقاب، وتحول دون الانتقام السياسي في الوقت نفسه.

وتواجه سوريا تحديات أمنية حقيقية، من نشاط تنظيم داعش إلى تعدد التشكيلات المسلحة والخلافات بشأن دمجها في مؤسسة عسكرية وطنية. غير أن معالجة هذه الملفات تتطلب مؤسسات واضحة الصلاحيات، وسلسلة قيادة مسؤولة، ورقابة قانونية تمنع تحوّل القوة المسلحة إلى سلطة موازية للدولة.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا هو أن تنتقل من احتكار السلطة في عهد الأسد إلى احتكار جديد، أو أن تتحول مؤسسات الدولة إلى مساحة لتوزيع النفوذ بدلًا من أن تكون إطارًا جامعًا للمواطنين.

وكلما تراجعت الثقة الشعبية بالسلطة، أصبح بناء موقف وطني متماسك في مواجهة التدخلات الخارجية أكثر صعوبة. وهذه نتيجة سياسية تستحق التدقيق، من دون الادعاء بأن أخطاء دمشق تسببت وحدها في السياسة الإسرائيلية، أو أنها تعفي إسرائيل من مسؤولية قراراتها.

● من حافظ الأسد إلى المرحلة الانتقالية: هل يعود منطق الاستثناء الدائم؟

يتذكر السوريون كيف تحولت المخاوف من الحروب والتهديدات الخارجية في عهد حافظ الأسد إلى جزء من الخطاب الذي برر استمرار القبضة الأمنية وتقييد الحريات. لم تكن المشكلة في وجود تهديدات خارجية بحد ذاته، بل في استخدام الحالة الاستثنائية لتوسيع سلطة الأجهزة الأمنية، وإضعاف الرقابة والمساءلة، وتحويل النقد السياسي إلى مصدر للاشتباه.

واليوم، ينبغي الحذر من إعادة إنتاج هذا المنطق، حتى لو اختلفت الظروف والوجوه والشعارات.

فالتوغلات الإسرائيلية تمثل تحديًا حقيقيًا، كما أن خطر داعش والانقسامات داخل التشكيلات المسلحة ورفض بعض القوى الاندماج في المؤسسة العسكرية ملفات تستحق معالجة جدية. لكن وجود هذه المخاطر لا يمنح الحكومة حصانة من النقد، ولا يبرر تأجيل الإصلاح، ولا يسمح بتحويل كل مطالبة بالمحاسبة إلى تشكيك في الدولة أو تهديد لأمنها.

الدولة التي تواجه الإرهاب والتدخلات الخارجية ليست مضطرة إلى التضحية بحقوق مواطنيها. بل إن بناء مؤسسات خاضعة للقانون، وإتاحة المجال للنقد السلمي، وتعزيز الرقابة على السلطة، عناصر من الأمن المستدام، لا عقبات أمامه.

والمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت الحكومة تتعامل مع كل تهديد بوصفه ملفًا محددًا له أدلته وإجراءاته ومسؤوليته، أم تجمع المخاطر المختلفة في سردية واحدة تتيح لها تجنب الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بأدائها.

إن حماية السيادة لا تنفصل عن حماية المواطن من التعسف الداخلي. فالدولة التي تطالب الآخرين باحترام القانون الدولي لا تستطيع بناء شرعيتها المستدامة من دون احترام القانون وحقوق المواطنين داخل حدودها.

● السلام لا يكون تنازلًا أحاديًا

السلام ليس مجرد غياب الحرب، ولا يعني أن تتوقف الدولة عن الاعتراض على انتهاك سيادتها، أو أن يُطلب من شعبها التعايش مع توغلات متكررة باعتبارها أمرًا واقعًا لا يمكن تغييره.

إن أي مسار تفاوضي مسؤول ينبغي أن يحدد بوضوح قواعد احترام السيادة، والوجود العسكري، وحماية المدنيين، وآليات التحقق من الالتزامات، والضمانات التي تمنع تحويل الترتيبات المؤقتة إلى واقع دائم. كما ينبغي ألا يتحول الحديث عن التهدئة أو التفاهمات الأمنية إلى غطاء لتجاهل الوقائع الميدانية أو تجاوز الحقوق القانونية لسوريا.

وفي الوقت نفسه، فإن رفض الانتهاكات لا يستوجب الانزلاق إلى خطاب تعبوي أو التحريض على جماعات أو شعوب. فالخلاف هنا يتعلق بسياسات وقرارات ومسؤوليات محددة، ويجب أن يبقى النقد موجهًا إلى الجهات التي تتخذ القرارات وتنفذها.

أما السلطة الانتقالية، فإن مسؤوليتها لا تقتصر على إعلان الرفض أو التعويل على المظاهرات. إنها مطالبة بتوضيح استراتيجيتها، وشرح ما تحقق دبلوماسيًا، وتحديد ما تستطيع فعله لحماية المدنيين، ومصارحة السوريين بحدود قدرتها والعقبات التي تواجهها.

إن بناء الدولة لا يتحقق بتبرير العجز، كما أن استعادة السيادة لا تتحقق بالشعارات وحدها. وبين هذين الحدين، تحتاج سوريا إلى سياسة تجمع بين الموقف الوطني الواضح، والعمل الدبلوماسي والقانوني، والإصلاح المؤسسي، واحترام حق المجتمع في مساءلة السلطة.

فهل تستطيع المقاومة المدنية السلمية، حين تقترن بتحرك دبلوماسي وقانوني فعّال، أن تدفع إسرائيل إلى وقف توغلاتها واحترام السيادة السورية، أم ستظل المظاهرات تعبيرًا عن الرفض فيما تستمر الوقائع العسكرية على الأرض؟

المصادر الأساسية:

  1. قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981 بشأن الجولان السوري المحتل – الأمم المتحدة
  2. قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 79/90 بشأن الجولان السوري المحتل – 4 ديسمبر 2024
  3. بيان قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك بشأن التحركات الإسرائيلية – 13 ديسمبر 2024
  4. بيان الأمين العام للأمم المتحدة بشأن سوريا – 12 ديسمبر 2024
  5. رويترز: لجنة تحقيق أممية تحذر من أن بعض الأفعال الإسرائيلية في سوريا قد ترقى إلى جرائم حرب – 8 سبتمبر 2026
  6. إحاطة مكتب الأمم المتحدة في جنيف بشأن التوغلات والاحتجازات في سوريا – 9 أكتوبر 2026

أحمد سليمان:

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب