29 أغسطس, 2025

من يحاكم القتلة؟… خطر ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب في ذاكرة السوريين

من يقرر من يمثل أمام العدالة ومن يفلت منها؟ وهل يمكن بناء دولة قانون بينما يبقى بعض الجناة محميين بالانتماء أو الولاء؟
لم تعد هذه الأسئلة تجميلًا كلامياً أو شعارات تُرفع في المؤتمرات، بل أصبحت قضية حياة أو موت لآلاف الضحايا وذويهم في الساحل السوري، حيث شهدت المنطقة في مارس/آذار 2025 واحدة من أكثر موجات العنف دموية وتنظيماً منذ بداية النزاع.

من الفوضى إلى الأدلة:

مع اندلاع الاشتباكات في مدن وبلدات الساحل، ظهرت روايات متناقضة: رواية رسمية تتحدث عن حماية المدنيين، وروايات شهود ومنظمات حقوقية تكشف عن عمليات قتل جماعي، وتعذيب، واختطاف، وجرائم اغتصاب وزواج قسري.
وثّقت كل من هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية على مدى أشهر انتهاكات شملت القتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، والنهب، والحرق المتعمد للمنازل. ودعت المنظمتان بوضوح إلى مساءلة جميع الأطراف، سواء كانوا من قوات الحكومة الانتقالية أو من المسلحين الموالين للنظام السابق.

التحقيق الوطني… وعتبة السياسة:

في الداخل، شكّلت الحكومة السورية لجنة وطنية لتقصي الحقائق، زارت مناطق مثل بانياس واللاذقية، وجمعت مئات الإفادات. لكن عمل اللجنة واجه اتهامات من منظمات حقوقية محلية ودولية بالتركيز على طرف واحد وتجاهل تجاوزات فصائل محسوبة على الحكومة نفسها.
تسلّم الرئيس الإنتقالي أحمد الشرع التقرير النهائي في يوليو/تموز 2025، وأعلن التزامه بمبادئ “الحقيقة والمساءلة”. لكن أسئلة الملاحقة القضائية بقيت بلا إجابات واضحة، خصوصًا مع بقاء بعض المتورطين في مواقع القوة.

تقرير لجنة التحقيق الأممية… الإدانة متعددة الأطراف:

في 14 أغسطس/آب 2025، أصدرت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة تقريرها النهائي حول أحداث الساحل. التقرير، المبني على أكثر من 200 مقابلة وزيارات ميدانية ومراجعة صور أقمار صناعية، خلص إلى أن العنف كان واسع النطاق ومنهجيًا وقد يرقى إلى جرائم حرب.
نسبت اللجنة الانتهاكات إلى فصائل مرتبطة بالحكومة الانتقالية مثل “عمشات”، “حمزات”، “لواء السلطان سليمان شاه” و*”الفرقة 400″*، وكذلك إلى مسلحين موالين للنظام السابق. وأشارت إلى ارتكاب عمليات قتل جماعي، وتعذيب، وتمثيل بالجثث، ونهب، وحرق، إضافة إلى اختطاف واغتصاب وزواج قسري.

ورغم خطورة هذه الجرائم، أوضح التقرير أنه لم يجد أدلة على صدور أوامر مباشرة من الحكومة المركزية، لكنه شدّد على ضرورة ملاحقة كل المتورطين بغضّ النظر عن انتماءاتهم.

المسؤولية القانونية… التحدي الأكبر:

المساءلة الحقيقية لا تتجزأ. فإذا كانت الدولة تسعى إلى بناء مؤسسات تحترم القانون، فإن أول اختبار هو قدرتها على تقديم جميع المتورطين للمحاكمة أمام قضاء مستقل، وعدم الاكتفاء بالإدانة المعنوية أو التصريحات الإعلامية.
وأكدت منظمات دولية، مثل لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، أن العدالة الانتقالية التي تستثني أي طرف هي عدالة ناقصة تعيد إنتاج دوامة الإفلات من العقاب.

خطر ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب في ذاكرة السوريين

 

أسئلة لا بد أن تُجاب:

1.هل تملك السلطات السورية الإرادة السياسية والقانونية لملاحقة قادة الفصائل الموالية لها إذا ثبت تورطهم؟

2.ما الضمانات التي ستمنع تكرار الانتهاكات إذا بقي بعض المتورطين في مواقع النفوذ؟

3.كيف يمكن للضحايا وأسرهم أن يثقوا بمؤسسات الدولة إذا لم تُعقد المحاكمات بشكل علني وشفاف؟

الخاتمة المفتوحة:
أحداث الساحل ليست مجرد فصل دموي آخر في تاريخ سوريا الحديث، بل اختبار حقيقي لمصداقية الدولة الجديدة أمام شعبها وأمام العالم.
لقد بذلت منظمات دولية مثل لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية جهودًا كبيرة في جمع الأدلة وتوثيق الشهادات، فيما ساهم متعاونون محليون بشجاعة في كشف الحقائق في ملف شائك ومعقد.
كما أن تعاون السلطات السورية مع اللجنة الأممية يُعد خطوة مهمة على طريق إرساء العدالة، لكن المأمول أن تتبع هذه الخطوة إجراءات عملية تبدأ بعزل المتورطين عن مناصبهم، تمهيدًا لتقديم جميع الجناة، دون استثناء، إلى محاكم وطنية مستقلة وعلنية.
فإما أن تتحرك السلطات فورًا لفتح ملفات الملاحقة القضائية،
أو ستظل العدالة شعارًا مؤجلاً، بينما يتسرب الإحباط واليأس إلى نفوس الضحايا،
وتترسخ ثقافة الإفلات من العقاب في ذاكرة البلاد.

أحمد سليمان
● صادر عن نشطاء الرأي

رابط الملف:

https://opl-now.org/2025/08/15/sleiman-39/ ‎

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب