29 أغسطس, 2025

الإعلام المرئي حول سوريا: منبر للنقاش أم ساحة للرهانات والتصفية السياسية؟

( دور الإعلام الإقليمي في تأجيج الانقسامات داخل سوريا وسط تنافس دولي متشابك)

في ظلّ التحولات السياسية المتسارعة التي تشهدها سوريا، يتبدّل دور الإعلام المرئي من ناقل للخبر إلى لاعب مباشر في صناعة الحدث. فبعض المنابر لم تعد تكتفي بعرض الوقائع أو تحليلها، بل باتت منصات لتوجيه الرسائل السياسية المشفّرة، وإطلاق التهديدات الرمزية، وحتى التلميح بالعنف. هذا التحوّل لا يعكس فقط أزمة في الخطاب الإعلامي، بل يكشف عن خلل أعمق في بنية الدولة، حيث تتداخل العصبيات المحلية مع التدخلات الخارجية، وتُستغل المنصات الإعلامية لتصفية الحسابات بدل بناء جسور الحوار.

منذ صعود أحمد الشرع إلى سدّة الحكم، تشكّلت لوحة سياسية يغلب عليها التوتر والوعود غير المنجزة. الحوار التشاوري بدا أقرب إلى الاستعراض منه إلى البحث عن حلول، فيما لم ينجح الإعلان الدستوري في تبديد الشكوك. الحكومة الجديدة، التي طغى عليها منطق الولاء على حساب الكفاءة، لم تتمكن من احتواء الأزمات المتصاعدة، خصوصاً في الساحل والسويداء، حيث تفجّرت اشتباكات ذات طابع طائفي ومناطقي.
أحداث الساحل والاشتباكات في السويداء كشفت عن تورّط فصائل وُصفت بـ”المتفلتة”، دون محاسبة واضحة. ظهور مقاطع لمقاتلين يرتدون زيّ الأمن العام زاد من تعقيد المشهد، خاصة مع نفي السلطات واتهامها لخلايا متنكرة. هذا التضارب في الروايات يعكس هشاشة المنظومة الأمنية وتراجع الثقة الشعبية.

تصريحات عمر رحمون

في موازاة ذلك، تكرّرت الغارات الإسرائيلية على مواقع للجيش السوري بذريعة حماية الحدود الشمالية، فيما أثارت تفاهمات بين دروز سوريا ودروز إسرائيل دعوات انفصالية رفضها معظم السوريين، بمن فيهم أبناء الطائفة الدرزية. في الساحل، ظهرت شخصيات مغتربة تطالب بإقليم خاص، مستغلة الهواجس المحلية. هذا التداخل بين الداخل والخارج يعزز مناخ الانقسام ويضعف فرص الحل الوطني.

وسط هذا المشهد المتشابك، جاءت تصريحات عمر رحمون عبر قناة “المشهد” اللبنانية لتضيف وقوداً إلى النار. استخدامه لغة الرهانات (“خمس كيلو ذهب إذا بقي أحمد الشرع بعد 1 كانون الثاني 2026”)، وربط مصير الشرع بمصير الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، يعكس تحوّل الإعلام المرئي إلى ساحة استعراض لا تهدف إلى كشف الحقائق، بل إلى بثّ الرعب وتوجيه الرسائل السياسية المشفرة.
رهان الذهب ليس مجرد نكتة سياسية، بل أداة استعراضية تكشف عن طبيعة المشهد الإعلامي الحالي: شخصيات تتبارى على شدّ الانتباه، تستغل العصبيات الطائفية والمناطقية لتعزيز خطاب القوة والتهديد. هذه التصريحات لا تقف عند حدود الكلام، بل تُستخدم لتعبئة الأنصار وتأليب الخصوم، في وقت تتشابك فيه خطوط النفوذ الداخلي مع التدخلات الخارجية.

التنافس الدولي: بين الحذر الأوروبي والتشابك الروسي–الأمريكي

لا يمكن فصل تحوّلات الإعلام المرئي حول سوريا عن السياق الدولي الأوسع، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى على أرضٍ باتت ساحة مفتوحة للتجاذبات. فالموقف الأوروبي، رغم تماسكه في دعم الحل السياسي ورفض التصعيد، بقي حذراً ومتردداً في التدخل المباشر، مكتفياً ببيانات الإدانة والمساعدات الإنسانية، دون أن يملك أدوات ضغط فعّالة على الأرض.
في المقابل، يتجلى التنافس الروسي–الأمريكي بشكل أكثر وضوحاً. روسيا، التي دعمت النظام السوري عسكرياً وسياسياً منذ بداية الأزمة، ترى في سوريا بوابة لاستعادة نفوذها الدولي، وقد رسّخت وجودها عبر قواعد عسكرية دائمة في طرطوس وحميميم، مستثمرةً في خطاب “محاربة الإرهاب” لتبرير تدخلها.
أما الولايات المتحدة، فقد تبنّت استراتيجية أكثر تشعباً، دعمت فيها فصائل معارضة، وشاركت في ضربات جوية ضد تنظيم داعش، لكنها أيضاً نسجت تحالفات مع ميليشيات محلية مثل “قسد”، ما خلق حالة من التداخل المعقّد بين أهداف مكافحة الإرهاب ومصالح النفوذ الإقليمي.
هذا التنافس الدولي انعكس على الخطاب الإعلامي الإقليمي، حيث باتت بعض المنابر تنقل رسائل غير مباشرة تخدم أجندات خارجية، وتُستخدم كأدوات لتوجيه الرأي العام، لا سيما في ظل غياب إعلام مستقل قادر على تقديم رواية متوازنة.

في المحصلة

تحوّل الإعلام المرئي حول سوريا من منصة للنقاش العام إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والطائفية، مدفوعة بتشابك داخلي مع تدخلات خارجية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما نشهده هو انزلاق مؤقت في وظيفة الإعلام، أم تحوّل بنيوي نحو خطاب لا يرى في الكلمة سوى أداة للصراع؟

أحمد سليمان

*صادر عن نشطاء الرأي

https://opl-now.org/2025/08/29/smopl-28/ ‎

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب