إن تحويل قضية سيادية إلى أرقام في بورصة سياسية واقتصادية ليس مجرد انزلاق لغوي، بل تهديد مباشر لأسس النظام القانوني الدولي. حين يُختزل الاحتلال في قيمة مالية، يصبح القانون الدولي مهددًا بفقدان جوهره، وتتحول السيادة إلى سلعة قابلة للمساومة.
هذا الملف لا يقف عند حدود النقد السياسي، بل يتضمن ملحقًا قانونيًا موجّهًا إلى منظمة الأمم المتحدة، يذكّرها بمسؤولياتها في حماية قراراتها وصون مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة. فالمسألة ليست نزاعًا سياسيًا عابرًا، بل اختبار حقيقي لمصداقية الشرعية الدولية وقدرتها على الصمود أمام منطق القوة والمنفعة.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب منح ما أسماه “حقوق السيادة” لإسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، مقرونًا بتوصيف اقتصادي فجّ للمنطقة، معتبرًا أن قيمتها قد تصل إلى “تريليونات الدولارات”. هذا التصريح يتجاوز الموقف السياسي ليشكّل تحديًا مباشرًا للنظام القانوني الدولي، وإعلانًا صريحًا لتغليب منطق القوة والمنفعة على مبادئ السيادة والقانون.
إن خطورة هذا التصريح لا تكمن في مضمونه فحسب، بل في المنهج الذي يستند إليه: تحويل الأرض المحتلة إلى أصل مالي، والحقوق السيادية إلى أرقام قابلة للتقييم، في تجاهل متعمّد لقواعد مستقرة في القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم جواز اكتساب الإقليم بالقوة. وفق هذا المنطق، لا تعود الأرض كيانًا قانونيًا محميًا، بل تصبح سلعة، ويغدو الاحتلال مسألة قابلة لإعادة التوصيف إذا ما اقترن بعائد اقتصادي مغرٍ.
يتجاهل هذا الإعلان بشكل صريح قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981، الذي نصّ بوضوح على أن فرض القوانين والولاية الإسرائيلية على الجولان “باطل ولاغٍ وليس له أي أثر قانوني”. وهذا القرار لا يزال ساري المفعول، ولم يُلغَ أو يُعدَّل وفق الآليات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
ولا يقتصر الأساس القانوني لوضع الجولان على هذا القرار فحسب، بل تعزّزه أيضًا قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وآخرها القرار الصادر في مطلع كانون الأول/ديسمبر 2025، الذي أعاد التأكيد على عدم شرعية الاحتلال وعلى السريان الكامل للقرار 497. وبهذين القرارين معًا، تكون المسألة محسومة قانونيًا بشكل قاطع، ولا تترك أي مجال للتأويل أو الاجتهاد السياسي.
وإذا كان التصريح الأميركي يمثل خرقًا واضحًا، فإن الصمت الدولي، ولا سيما صمت الأمم المتحدة، يضاعف خطورته. فالمنظمة الدولية، التي يقع على عاتقها واجب حماية قراراتها وصون النظام القانوني الذي أنتجته، بدت عاجزة عن اتخاذ موقف مؤسسي فعّال يرقى إلى مستوى الانتهاك الحاصل. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل باتت قرارات رؤساء الدول العظمى أمرًا واقعًا، بينما أصبحت قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة غير محصّنة من التجاهل؟ وهل فقدت الأمم المتحدة قدرتها على حماية مبدأ المساواة القانونية بين الدول الأعضاء؟
الأخطر أن أسلوب ترامب في تقييم الحقوق على أساس الثروة والمنفعة الاقتصادية يفتح الباب أمام مخاطر مستقبلية جسيمة داخل الجغرافيا السورية نفسها. فوفق هذا النهج، تصبح مناطق أخرى – ومنها الجزيرة السورية الغنية بالموارد الطبيعية – عرضة لابتزاز سياسي أو محاولات لإعادة تعريف وضعها القانوني، طالما أمكن ربطها بقيمة اقتصادية أو استراتيجية. وهذا لا يعني وجود وقائع قائمة بالضرورة، لكنه يشكّل سابقة خطيرة تُضعف ممانعة القانون الدولي أمام مشاريع التفكيك وتقويض وحدة الدول.
إن المسألة في جوهرها ليست نزاعًا سياسيًا، ولا موقفًا من دولة بعينها، بل اختبار حقيقي لجدوى القانون الدولي ذاته. فإما أن تبقى السيادة مبدأً قانونيًا غير قابل للتصرف، أو تتحول إلى مفهوم هشّ يُعاد تعريفه وفق موازين القوة والمصلحة.
الجولان، وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة النافذة، أرض سورية محتلة. وهذا الوصف لا يتغير بتصريح، ولا يُلغى باعتراف أحادي، ولا يسقط بالصمت الدولي.
ملحق قانوني – مذكرة موجّهة إلى منظمة الأمم المتحدة
الأساس القانوني:
تستند هذه المذكرة إلى ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما المواد (1)، (2)، (24) و(25)، التي تُنيط بالمنظمة مسؤولية حفظ السلم والأمن الدوليين وضمان احترام قراراتها من قبل الدول الأعضاء دون انتقائية.
كما تستند إلى قرار مجلس الأمن رقم 497 لعام 1981، الذي حدّد الوضع القانوني لهضبة الجولان بوصفها أرضًا محتلة، واعتبر أي إجراء يهدف إلى تغيير هذا الوضع باطلًا ولاغيًا.
ويتعزّز هذا الأساس بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في مطلع كانون الأول/ديسمبر 2025، الذي أعاد التأكيد على عدم شرعية الاحتلال وعلى السريان الكامل للقرار 497، بما يقطع الطريق على أي محاولات لإعادة توصيف الوضع القانوني للجولان خارج إطار الشرعية الدولية.
الوقائع:
صدر عن رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة تصريح علني يتضمن اعترافًا أحاديًا بما سُمّي بـ “حقوق السيادة” على إقليم خاضع لوضع قانوني محدّد بموجب قرارات مجلس الأمن، دون سند قانوني دولي ودون اتباع الآليات المعتمدة داخل منظومة الأمم المتحدة.
التوصيف القانوني:
لا يغيّر هذا التصريح الوضع القانوني للإقليم، إلا أن خطورته تكمن في آثاره السياسية والعملية، وفي ما قد يترتب عليه من إضعاف القوة الإلزامية لقرارات مجلس الأمن. إن امتناع الأمم المتحدة عن اتخاذ موقف قانوني واضح قد يُفهم على أنه إخلال بواجبها في حماية الشرعية الدولية وصون قراراتها من التآكل.
مسؤولية الأمم المتحدة:
تتحمل المنظمة، بموجب الميثاق، مسؤولية:
1.التأكيد المستمر على سريان قراراتها وعدم سقوطها بالاعترافات الأحادية.
2.حماية الوضع القانوني للأراضي المحتلة وفق القانون الدولي.
3.منع تكريس سوابق تُضعف مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة
المطلوب من الأمم المتحدة:
إن الشرعية الدولية لا تُصان بالصمت ولا بالبيانات العامة، بل بمواقف مؤسسية واضحة حين تُنتهك قواعدها الأساسية. فأي اعتراف أحادي يتعارض مع قرارات مجلس الأمن لا يُعد شأنًا سياسيًا عابرًا، بل مساسًا مباشرًا بالقوة الإلزامية للنظام الدولي القائم على القواعد.
وإزاء ذلك، تتحمّل الأمم المتحدة مسؤولية قانونية في حماية قراراتها ومنع تقويضها بالوقائع السياسية، وصون مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، بما يضمن المساواة القانونية بين الدول الأعضاء.
وبناءً عليه، تندرج الواجبات القانونية المترتبة على الأمم المتحدة في المحاور التالية:
•إعادة التأكيد المؤسسي على الوضع القانوني لهضبة الجولان.
•رفض أي محاولات لإضفاء شرعية قانونية على اعترافات أحادية مخالفة للقانون الدولي.
•حماية مصداقية النظام الدولي القائم على القواعد.
إشارة:
إن هذه المذكرة تسعى إلى صون الشرعية الدولية ومنع إفراغها من مضمونها. فالقانون الدولي لا يكتسب فاعليته إلا بتطبيقه على الجميع دون استثناء، وإلا فقد جوهره ومصداقيته.
أحمد سليمان
الملف صادر عن نشطاء الرأي
الرابط : https://opl-now.org/2025/12/20/sleiman-61/

المزيد من المواضيع
الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّين
لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران
هل العدالة تُوقَّع برصيد بنكي؟