1 فبراير, 2026

لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران

إيران لا تحتاج منقذًا خارجيًا، بل مشروعًا سياسيًا واقتصاديًا ودستوريًا يواجه الاستبداد الديني ويصنع قيادة من الداخل.

في كل موجة احتجاج داخل إيران، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: لماذا لا تدعم الولايات المتحدة رضا بهلوي للإطاحة بنظام الملالي؟
السؤال مفهوم، لكنه يكشف مأزقًا أعمق من مجرد موقف أمريكي. إنه مأزق المعارضة الإيرانية نفسها، حين تختصر السياسة في اسم، والتغيير في رمز، والمستقبل في استدعاء الماضي.

لنكن واضحين: واشنطن لا تدعم رضا بهلوي، لا لأنها تجهله، ولا لأنها تخشى “قوته”، بل لأنها لا ترى فيه مشروعًا قابلًا للإدارة.
السياسة الأمريكية، بكل ما فيها من نفاق أحيانًا، صادقة في هذه النقطة: الرمزية لا تكفي، والكاريزما الإعلامية لا تُسقط أنظمة، والمنفى ليس بديلًا عن الداخل.

رضا بهلوي يملك اسمًا ثقيلًا في التاريخ الإيراني، لكنه لا يملك وزنًا سياسيًا ميدانيًا. لا حزب، لا تنظيم، لا قيادة جماعية، ولا شبكة داخلية قادرة على الصمود تحت القمع.
والولايات المتحدة، التي خبرت كوارث “إسقاط الأنظمة بلا بدائل”، لا تراهن على أشباح جميلة، بل على لاعبين قادرين على الإمساك بالأرض حين تنسحب السلطة.

لكن الخطأ الأكبر ليس في واشنطن. الخطأ في انتظارها.
فالشارع الإيراني المعارض، بكل شجاعته وتضحياته، ما زال يبحث عن “المنقذ” بدل أن يصنع القيادة.
هذا الانتظار الطويل لشخص واحد، أيًا كان اسمه، هو أحد أعمدة بقاء نظام الملالي.
فالاستبداد لا يخاف الرموز، بل يخاف البُنى. لا يخشى الشعارات، بل يخشى التنظيم. لا يرتعب من الحنين، بل من مشروع سياسي واضح المعالم.

وهنا يجب التوقف عند طبيعة النظام نفسه:
نظام ديني-أمني قائم على سطوة عقائدية تُشرعن القمع، وتحوّل الدولة إلى جهاز عقائدي يراقب المجتمع ويعيد تشكيله.
هذا النظام لا يواجه المعارضة كخصم سياسي، بل كـ“انحراف ديني” يجب سحقه.
لذلك يضرب أي محاولة لبناء تنظيم عابر للهويات، ويشجع الانقسامات، ويترك الرموز تتضخم في المنفى لأنها بلا أنياب.
رمز في الخارج أفضل له من قيادة في الداخل.

واشنطن تفهم ذلك جيدًا. لذلك تفضّل الغموض البنّاء: تترك النظام يتآكل من الداخل، تراقب التصدّعات في النخبة، تزن الاحتجاجات، ولا تحرق أوراقها بدعم شخصية واحدة.
من وجهة نظرها، دعم رضا بهلوي اليوم يعني أمرين خطيرين:
أولًا، منح النظام ذريعة ذهبية لتخوين كل معارض بوصفه “أداة أمريكية”.
ثانيًا، ربط مستقبل إيران باسم واحد، فإذا سقط، سقط معه الرهان كله.

لكن خلف الحسابات الأمريكية، هناك حقيقة أكثر إيلامًا:
لا توجد حتى الآن كاريزما سياسية توافقية داخل المشهد الإيراني المعارض.
لا شخصية تجمع بين الشرعية الشعبية، والقدرة التنظيمية، والوضوح السياسي، والاستعداد لتحمّل كلفة القيادة.
وهذا الفراغ لا تملؤه الأسماء التاريخية، بل تملؤه المشاريع.

المشكلة ليست في رضا بهلوي كشخص، بل في تحويله إلى اختصار للتغيير.
فالثورات لا تنتصر لأن ابن الشاه عاد، ولا لأن صورة جميلة انتشرت، بل لأنها بنت قيادة جماعية قادرة على تحويل الغضب إلى سياسة، والدم إلى دستور، والشارع إلى دولة.

وهنا يظهر السؤال الحقيقي، لا السؤال المريح:
لماذا لم تنتج المعارضة الإيرانية، حتى الآن، قيادة سياسية توافقية من رحم الاحتجاجات نفسها؟
لماذا ما زالت الكاريزما تُستورد، ولا تُصنع؟
ولماذا يُنتظر الخارج ليختار، بدل أن يُفرض عليه خيار لا يستطيع تجاهله؟

والأهم: لماذا لم يتحول الغضب الشعبي إلى
مشروع إصلاح اقتصادي ودستوري
يقدّم بديلًا واضحًا عن الاستبداد الديني؟
فإيران اليوم لا تحتاج فقط إلى رمز، بل إلى رؤية:
رؤية تُعيد توزيع السلطة، وتفصل الدين عن الدولة، وتبني اقتصادًا قادرًا على تحرير المجتمع من قبضة الحرس الثوري وشبكاته.
رؤية تُنهي احتكار رجال الدين للشرعية، وتفتح الباب أمام دستور جديد يضمن الحقوق، ويمنع إعادة إنتاج الاستبداد تحت أي اسم.

واشنطن، شئنا أم أبينا، لا تصنع الثورات الناجحة، بل تلتحق بها عندما تنضج.
لم تلتحق بجنوب أفريقيا إلا حين صار مانديلا حقيقة سياسية، لا أيقونة أخلاقية فقط.
ولم تراهن على أوروبا الشرقية إلا حين ظهرت قيادات تمتلك الشارع والمؤسسات معًا.
وهي لن تراهن على إيران إلا حين ترى مشروعًا سياسيًا قادرًا على الإمساك بالدولة، لا مجرد إسقاط النظام.

الرسالة إلى الشارع الإيراني يجب أن تكون قاسية وصادقة:
التحرر لا يأتي باسم واحد، ولا بصورة واحدة، ولا بخطاب واحد.
التحرر يُبنى حين تتحول الشجاعة الفردية إلى عمل جماعي، وحين تتحول الاحتجاجات إلى رؤية، وحين يظهر مشروع سياسي لا يطلب الدعم من واشنطن، بل يفرض نفسه عليها.

رضا بهلوي قد يكون جزءًا من النقاش، لكنه ليس الإجابة.
والولايات المتحدة لن تمنح إيران الحرية، لأن الحرية لا تُمنح. تُنتزع، ثم تُدار.

أما السؤال الذي يجب أن يُقلق طهران لا واشنطن، فهو هذا:
متى يولد في إيران مشروع سياسي يملك من الكاريزما ما يوحّد، ومن العقل ما يحكم، ومن الجرأة ما يقطع مع الاستبداد الديني، ويقدّم إصلاحًا اقتصاديًا ودستوريًا لا يمكن للعالم تجاهله؟

حينها فقط، سيتغيّر موقف العالم. ليس حبًا بإيران، بل احترامًا لقوة لا يمكن تجاوزها.

أحمد سليمان

الرابط:

https://opl-now.org/2026/01/10/iran/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب