يشكّل صدور المرسوم الجمهوري المتعلق بحقوق المواطنين السوريين الكرد لحظة فارقة في تاريخ الدولة السورية الحديث. فبعد عقود طويلة من السياسات الإقصائية والإنكار الرسمي للهوية الكردية، يأتي هذا المرسوم ليقدّم مقاربة مختلفة جذريًا، لا تقوم على منطق الامتياز أو الاستثناء، بل على الاعتراف المتأخر – وإن كان مهمًا – بأن المواطنة المتساوية هي الأساس الوحيد الممكن لبناء دولة مستقرة وعادلة.
بعيدًا عن لغة الاحتفال، يمكن قراءة هذا المرسوم بوصفه تحولًا في فلسفة الدولة تجاه مكوّن أساسي من شعبها، وبداية مسار قد يعيد رسم العلاقة بين السوريين ودولتهم، إذا ما تُرجم إلى سياسات وتشريعات وممارسات واقعية.
أولًا: الاعتراف بالشراكة الوطنية بوصفها مبدأ تأسيسي
للمرة الأولى في تاريخ التشريعات السورية، يُعرّف المواطنون الكرد صراحة بأنهم “جزء أصيل من الشعب السوري”.
هذه الصياغة ليست تفصيلًا لغويًا، بل تحوّل في تعريف الهوية الوطنية نفسها.
فهي تنقل الكرد من موقع “المسألة” أو “الملف” إلى موقع الشريك في صياغة مستقبل البلاد.
وهو اعتراف لم تعرفه سوريا في أي من مراحلها السابقة، بما فيها الحقبة التي اتسمت بالخطاب القومي الأحادي.
ثانيًا: تثبيت الهوية الثقافية واللغوية ضمن الإطار الوطني
ينص المرسوم على أن الثقافة واللغة الكردية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة.
هذا الإقرار يضع حدًا لسياسات التذويب التي سادت لعقود، ويؤسس لمفهوم جديد للوحدة الوطنية يقوم على التعدد لا الإلغاء.
وهو مبدأ يتطلب إعادة نظر شاملة في المناهج التعليمية، والخطاب الإعلامي، والسياسات الثقافية.
ثالثًا: اللغة الكردية كلغة وطنية
اعتبار اللغة الكردية “لغة وطنية” خطوة غير مسبوقة في تاريخ الدولة السورية.
فهي تعيد الاعتبار للغة الأم في الفضاء العام، وتفتح الباب أمام تدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الغالبية الكردية.
هذا الإجراء لا يعالج فقط إرث التهميش، بل يرسّخ مبدأ أن التنوع اللغوي ليس تهديدًا لوحدة الدولة، بل عنصر قوة لها.
رابعًا: إنهاء آثار إحصاء 1962 – تصحيح لظلم تاريخي
إلغاء التدابير الناتجة عن إحصاء الحسكة لعام 1962 يمثل أحد أهم بنود المرسوم.
فقد حُرم مئات الآلاف من الكرد من الجنسية السورية لعقود، ما أدى إلى حرمانهم من أبسط حقوقهم المدنية.
إعادة الجنسية لهم ليست مجرد خطوة إدارية، بل تصحيح قانوني وأخلاقي لسياسة تُعد من أكثر السياسات تمييزًا في تاريخ سوريا الحديث.
خامسًا: النوروز في الذاكرة الوطنية السورية
اعتماد عيد النوروز عطلة رسمية مدفوعة الأجر يحمل دلالة رمزية عميقة.
فهو يدمج رمزًا ثقافيًا كرديًا في الذاكرة الوطنية السورية، ويعيد تعريف الأعياد الرسمية بوصفها مساحة مشتركة لا حكرًا على مكوّن واحد.
إنها خطوة صغيرة في الشكل، لكنها كبيرة في معناها السياسي والاجتماعي.
سادسًا: إطار قانوني لمناهضة التمييز وخطاب الكراهية
يشدد المرسوم على تجريم التحريض على الفتنة القومية وحظر التمييز على أساس العرق أو اللغة.
هذه المادة، إذا طُبّقت بجدية، يمكن أن تشكّل أساسًا لبناء ثقافة مواطنة تتجاوز الانقسامات التي غذّتها عقود من الخطاب الرسمي والإعلامي.
بداية مسار جديد لا نهاية الطريق:
لا يمكن لهذا المرسوم وحده أن يمحو عقودًا من التهميش، ولا أن يعالج جميع الإشكاليات السياسية والقانونية المرتبطة بالحقوق القومية والثقافية للكرد السوريين.
لكن يمكن اعتباره خطوة تأسيسية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وتفتح الباب أمام مسار طويل من الإصلاحات الضرورية.
إن الاعتراف الرسمي بحقوق الكرد السوريين ليس منّة سياسية، بل شرط أساسي لبناء دولة حديثة تستند إلى المواطنة المتساوية.
وإذا ما تُرجم هذا المرسوم إلى سياسات واقعية، فقد يشكّل بداية إعادة بناء سوريا على أسس أكثر عدلًا وشمولًا، ويبعث برسالة طمأنة إلى جميع مكوّنات المجتمع السوري بأن مستقبل البلاد يمكن أن يكون مختلفًا عن ماضيها.
أحمد سليمان
كاتب ومحرر نشطاء الرأي
الرابط: https://opl-now.org/2026/01/16/rechte-der-syrischen-kurden/

المزيد من المواضيع
التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني السوري
الفاشية بلباس ديني: إيران تُطبّق عقوبة الإعدام بحقّ المحتجّين
لا واشنطن ستُسقط الملالي… ولا الرموز وحدها تُنقذ إيران