17 يناير, 2026

التركمان واللحظة الدستورية: المرسوم 13 يفتح باب العقد الوطني السوري

أعاد المرسوم الجمهوري رقم (13) لعام 2026، المتعلّق بالحقوق الثقافية واللغوية والمدنية للمواطنين الكرد في سوريا، فتح نقاش وطني واسع حول مفهوم المواطنة المتساوية، وحدود الاعتراف بالتعدد القومي والثقافي داخل الدولة السورية. هذا المرسوم، الذي يُعدّ خطوة غير مسبوقة في تاريخ التشريعات السورية الحديثة، لم يُقرأ فقط بوصفه معالجة لملف كردي تاريخي، بل بوصفه نقطة تحوّل في تعريف الدولة لنفسها ولعلاقتها بمكوّناتها. وفي هذا السياق، جاء بيان المجلس التركماني السوري ليعبّر عن تفاعل سياسي مسؤول مع هذه اللحظة، مطالبًا بضمان الحقوق الثقافية واللغوية للتركمان ضمن إطار الدولة السورية الواحدة، وبما ينسجم مع مبدأ المواطنة المتساوية الذي أرساه المرسوم.

● جذور تاريخية وحضور اجتماعي

يُعدّ التركمان أحد المكوّنات القومية التاريخية في سوريا، وقد استقر وجودهم في البلاد منذ قرون، خصوصًا خلال العهدين الأيوبي والعثماني. اندمجوا اجتماعيًا وثقافيًا في النسيج السوري، وانتشروا في مناطق متعددة تشمل ريف حلب الشمالي والشرقي، ريف حمص، الساحل السوري، ريف دمشق، إضافة إلى وجودهم في المدن الكبرى كدمشق وحلب وحمص.  

وتشير تقديرات سكانية غير رسمية إلى أن عددهم قد يصل إلى مليون ونصف نسمة، في ظل غياب إحصاءات رسمية دقيقة منذ عقود. ورغم احتفاظ شريحة منهم باللغة التركمانية في المجال العائلي والثقافي، فإن الغالبية تتعامل مع العربية كلغة أساسية، ما جعل حضورهم القومي أقل بروزًا في الخطاب السياسي مقارنة بمكوّنات أخرى.

● التركمان والثورة: التزام وطني لا يبحث عن امتياز

منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011، شارك التركمان بفعالية في الاحتجاجات السلمية، ثم في صفوف المعارضة المسلحة، خصوصًا في ريف حلب وريف حمص والساحل. تشكّلت فصائل ذات غالبية تركمانية، لكنها بقيت ملتزمة بالعمل ضمن الأطر الوطنية العامة، سواء في “الجيش السوري الحر” سابقًا أو في التشكيلات العسكرية المنضبطة لاحقًا.  

ويُحسب للتركمان أنهم لم يطرحوا مشروعًا انفصاليًا أو كيانًا خاصًا، بل حافظوا على خطاب يؤكد وحدة سوريا، مع المطالبة بالحقوق ضمن إطار الدولة، لا خارجها. هذا الموقف السياسي المتوازن يمنح مطالبهم اليوم مصداقية إضافية، ويجعلها جزءًا من رؤية وطنية لا مناصرة فئوية.

●التركمان في قلب المأساة 

لم يكن التركمان بمنأى عن العنف الواسع الذي شهده النزاع السوري. فقد تعرّضوا، كغيرهم من السوريين، لانتهاكات جسيمة ومجازر موثقة، من بينها ما جرى في حي التضامن والحجر الأسود في دمشق، حيث سقط مدنيون تركمان ضمن حملات القتل الجماعي والاعتقال، إضافة إلى انتهاكات واسعة في ريف حمص (الزارة والحولة) ومناطق أخرى شهدت عمليات تهجير وقتل على أساس جغرافي وسياسي.  

هذه الوقائع تضع التركمان في قلب المأساة السورية، وتؤكد أن مطالبهم لا تنطلق من شعور بالاستثناء، بل من تجربة مشتركة في الألم، ومن رغبة في ضمان عدم تكرار سياسات الإقصاء والتهميش.

● بيان المجلس: اللغة والدلالات

جاء بيان المجلس التركماني السوري بلغة هادئة وواضحة، مؤكدًا أن الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي شرط أساسي للمواطنة المتساوية، وأن هذا المبدأ يجب أن يُطبّق على جميع المكوّنات دون انتقائية.  

اللافت أن البيان لم يُقدَّم بوصفه اعتراضًا على حقوق الكرد، بل بوصفه امتدادًا منطقيًا للمبدأ الذي أقرّه المرسوم 13. هذا الأسلوب التفاعلي، لا التصادمي، يعكس نضجًا سياسيًا، ويحوّل المطالبة التركمانية إلى جزء من نقاش وطني أوسع، لا إلى ملف موازٍ أو منافس.

من الاستثناء إلى القاعدة

إذا قُرئ المرسوم 13 باعتباره مبدأ عامًا لا استثناءً خاصًا، فإن مطالب التركمان، والسريان، والآشوريين، والشركس لاحقًا، تصبح جزءًا من مسار وطني واحد. فالاعتراف الرسمي بحقوق ثقافية ولغوية لمكوّن وطني يعني عمليًا إعادة تعريف قواعد العلاقة بين الدولة ومواطنيها.  

لم تعد المسألة “استثناءً كرديًا”، بل أصبحت سابقة قانونية وسياسية. ومن الطبيعي، في هذه الحالة، أن تقول مكوّنات أخرى: نحن أيضًا جزء من هذا التعريف الجديد للمواطنة.  

هذا التحوّل لا يُضعف المرسوم، بل يعزّزه، لأنه ينقله من كونه حلًّا لملف تاريخي محدد إلى كونه مدخلًا لإعادة بناء العقد الوطني السوري على أسس أكثر شمولًا وعدالة.

● مقاربة شاملة: إدارة التنوع

التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تعدد المطالب، بل في كيفية إدارتها. فإما أن تُقرأ هذه التفاعلات بوصفها تهديدًا يعيد إنتاج منطق الإنكار القديم، أو تُفهم بوصفها فرصة لصياغة سياسة وطنية واضحة للاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي ضمن إطار الدولة السورية الموحدة.  

في هذا السياق، تبدو مطالب التركمان امتدادًا طبيعيًا للحظة سياسية جديدة، لا خروجًا عليها. لحظة تقول إن وحدة سوريا لا تُصان بإنكار تنوعها، بل بتنظيمه قانونيًا وضمانه دستوريًا، وتحويله من مصدر توتر إلى عنصر استقرار.

المرسوم والمرحلة الانتقالية

على الرغم من الأهمية السياسية والقانونية للمرسوم الجمهوري رقم (13) لعام 2026، فإن مقاربته لا تكتمل من دون الإشارة إلى إشكالية مبدئية تتعلّق بطبيعة المرحلة الانتقالية ذاتها. فمن حيث المبدأ الدستوري، لا تندرج القرارات التأسيسية الكبرى، ولا سيما تلك المتصلة بإعادة تعريف الحقوق الجماعية، ضمن الصلاحيات الطبيعية لرئيسٍ انتقالي، إذ يُفترض أن تصدر عن سلطة منتخبة تعبّر عن الإرادة الشعبية العامة، وتؤسَّس ضمن عقد دستوري جامع.

ومع ذلك، يمكن فهم إصدار هذا المرسوم في سياقه السياسي بوصفه إجراءً مرحليًا اضطراريًا، يهدف إلى طمأنة مكوّن وطني تعرّض تاريخيًا للتهميش، وإلى تثبيت مناخ سياسي أقل توترًا في مرحلة تأسيسية هشّة. وفي هذا الإطار، تكتسب مطالب التركمان معناها بوصفها امتدادًا منطقيًا للمبدأ الذي أقرّه المرسوم، لا منافسة له ولا خروجًا عليه. فالقيمة الفعلية لهذه اللحظة لا تكمن في تحويل المرسوم إلى بديل عن الدستور، بل في استثماره كبوابة لنقاش وطني أوسع حول إدارة التنوّع، ونقل هذه الحقوق من مستوى التدابير المؤقتة إلى إطار دستوري دائم، يعزّز وحدة الدولة عبر تنظيم التعدد لا إنكاره، ويؤسّس لعقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية والشراكة في المستقبل.

أحمد سليمان

الرابط : https://opl-now.org/2026/01/17/turkmen/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب