أول من أشاع ثقافة التنكيل بالجثث كانت جماعة «الأسد أو نحرق البلد». وقد ترافق ذلك مع فنون قتلٍ تميّزوا بها: عند ارتكاب المجازر، ورمي البراميل المتفجرة، وقصف الغوطة بالسلاح الكيماوي، وبقر بطون النساء الحوامل. ثم جاءت «داعش» بإعدامات غرائبية تمثّلت في الحرق، والصلب، وقطع الرؤوس، ودفن الناس وهم أحياء. ولا ننسى أيضًا ملفات «قيصر» وصوره المروّعة، وصولًا إلى مسالخ صيدنايا، ثم ملف دمشق الذي أُعلن عنه مؤخرًا. فرّ بشار الأسد، لكن ثقافته الإجرامية ما زالت حاضرة في عقول بعض من لا يختلفون عنه.
وكنا نظن أن «قسد» لن تلحق بركب هذه السياسة، إلا أنها فعلت؛ بل جمعت بين ما قامت به تلك العقول، ولكن بأثرٍ دعائي أشد فظاعة، حين عرضت جثثًا مشوّهة لخصومها من الجيش الحر على شاحنة مفتوحة، أُلقيت فيها جثث العشرات، وجالوا بها في شوارع منطقةٍ خاضعة لسيطرتها. وقبيل انسحابها من مدينة الطبقة، جرت عمليات إعدام بحق سجناء لديها، إضافة إلى حوادث خطف أطفال وفتيات قاصرات، والزجّ بهم في الخطوط الأمامية في حربٍ عبثية لا تعبأ بالحياة.
وقد تجلّى ذلك في مشاهد مصوّرة جرى تداولها من أحياء الأشرفية، والرقة، والحسكة. وتشير معطيات وشهادات ميدانية وتحقيقات صحفية إلى أن قيادات في «قسد»، وهي قوة يُنظر إليها على نطاق واسع بوصفها مرتبطة تنظيميًا بحزب PKK بفرعيه التركي والسوري، انسحبت من بعض المناطق، تاركة خلفها أطفالًا وفتيات جرى استغلالهم، وفق تلك الشهادات، في أعمال قنص من فوق أسطح الأبنية بعد تلقّيهم تعليمات مباشرة. إن مثل هذه الممارسات تعبّر عن سلوكٍ وحشي يكرّس ثقافة عدميّة في إدارة الصراع، ثقافة لا تختلف في جوهرها عن نماذج تاريخية سوداء عرفها العالم، وفي مقدّمها الحقبة النازية في ألمانيا، حين جرى تحويل الإنسان إلى أداة قتل قبل تصفيته في أفران الغاز.
أسأل نفسي: بشار الأسد، في حربه التي امتدّت أربعة عشر عامًا ضد ثورتنا، استطاع أن يدمّر ثلث مساحة البلاد، واستنجد بميليشيات متعددة لتساعده على التوحّش. لم يترك بلدًا في العالم إلا وأدخله في المأساة: إمّا حليفًا، أو داعمًا، أو شاهد زور في المؤتمرات الدولية. وكانت النتيجة مقتل أكثر من مليون سوري، ومثل هذا العدد إمّا مجهولو المصير في السجون السرّية، أو جرى تصفيتهم دون إعلان، أو ماتوا دون أن يُعرف سبب موتهم.
يا للهول… أكاد أُصاب بالصرع كلما استعدت هذه الصور المتكررة من التوحّش. لقد بات هذا النوع من الإجرام وكأنه ثقافة تُتداول بين الميليشيات التي دخلت سوريا في السنوات الماضية. نرى اليوم امتدادًا لنهج الأسد، أقرب إلى خرافةٍ جسّدها «داعش»، الذي بدأ من المبدأ ذاته، لكن مع «تحديث» إجرامي غلّفه بتأويل ديني: سبي النساء، والزواج من القاصرات، ومعيارية القتل المعنوي والمادي معًا، مقرونة بفقهٍ يُفصَّل على قياس الجريمة.
هي نسخة أخرى من بدعة «ربنا هو الأسد»، لكنها متوافقة تمامًا مع فقه «داعش» الذي تفرّد بها.
أعود إلى بداية سؤالي : هل سنحتاج إلى بناء البيوت أولا أم بناء المشافي ؟ او بناء البيوت واضافة عيادة منزلية داخل كل بيت ؟ . اعتقد الخيار الثاني أهم نسبيا ، . وياليت الذين يخططون لإعادة اعمار سوريا يضعون في اعتباره هذه الخاصية .
لكن الغريب ، أننا لليوم لم نسمع عن مشاريع بناء لتعيد النازحين في المخيمات ، بل هناك من أعلن بأنهم يستعدون لبناء سجون حديثة . ليس غريبا هذا الطرح . اذا كانوا بالفعل سيقومون بتطبيق العدالة وزج المجرمين بدون تمييز في هذه السجون . لكن في ذات الوقت ، هل التخطيط لسعادة السجناء ورفاهيتهم ضرورية ؟ لا أدري ، ربما شروط الدولة التي قيل لنا بأنه ستكون افضل من سنغافورة يجب أحداث السجون المرفقة قبل تطبيق العدالة .. ما يعني يجب استقبال السجناء في اماكن إقامة تحتوي على ملاهي كي يتمكنوا من النوم في شروط إنسانية مميزة تتخطى الصورة النمطية عن السجون.
لا بأس يا قوم ، نحن في مغارة عميقة ولا نعرف متى نخرج منها، ولكننا لسنا في غابة بالطبع ، مع ذلك أجد من الضروري أن نفكر بإعادة بناء النفوس قبل الحديث عن إعادة بناء للمدن .. كي يتم تدويرها من قبل الذين لم يجدوا عدالة ولم يحصلوا على حقوق أساسية تعوضهم معنويا عن فقدان أبنائهم.
إذا تحولت البلاد إلى غابة، فلا تكن حيوانًا :
ما جرى في ذلك البناء مشهد مكثّف لانهيار المعايير الأخلاقية، حين تُستباح الإنسانية باسم الحرب. وفق الرواية المتداولة، كانت المرأة مصابة في رأسها وميتة عند اقتحام الجنود للمكان. أحدهم رفعها فقط لسحب حقيبة الذخيرة التي كانت ترتديها، وخلال ذلك ناداه شخص آخر طالبًا منه رميها من الأعلى لتسقط على الأرض.
منطقيًا، لا يوجد أي مبرر لرمي جثة. ما الفائدة العسكرية من ذلك؟ ما الذي سيجنيه الفاعل سوى إشباع نزعة تشفٍّ أو استعراض قوة فارغة؟ وحتى لو افترضنا – جدلًا – أنها كانت على قيد الحياة، فإن القواعد الواضحة لأي نزاع مسلح تفرض اعتقالها ومعاملتها كأسيرة حرب، وإخضاعها للتحقيق، لا التنكيل بها أو التعامل معها كغنيمة.
في الحالتين، المشهد بالغ البشاعة. إنه يعيد إلى الذاكرة سلسلة انتهاكات موثّقة، من تنكيل بالجثث إلى تصفية أطفال وشبان حاولوا الهرب بعد رفضهم الانخراط في صفوف «قسد». واليوم، يظهر فيديو جديد من منطقة عين العرب يوثق إعدام أكثر من 21 مدنيًا، أغلبهم أطفال ونساء، بدم بارد على أيدي عناصر «قسد»، بينما يتفاخر أحد الجنود بلغة ساخرة بعد تنفيذ الجريمة.
هذه ليست حوادث منعزلة أو تصادفية، بل نمط سلوك متكرر يعكس انهيار المعايير الأخلاقية واستغلال السلطة العسكرية لإرهاب المجتمع. كل مرة تُرفع شعارات مثل “الضرورة العسكرية” لتبرير هذه الأعمال، تتحول القسوة إلى ممارسة روتينية، ويصبح الغضب الإنساني أداة لتبرير التنكيل. القتل العمدي للأطفال والشبان يكاد يصبح معتادًا، وكأن الإنسانية نفسها صارت سلعة قابلة للبيع أو المزاح.
مشاهدة هذه الصور تقطع الصلة بالمعنى الطبيعي للعدالة أو الحرب. هنا، الجسد البشري ليس قيمة، بل وسيلة لإظهار القوة، وكسر الروح، وإرسال رسالة سياسية بلا رحمة. المشهد يصدم الضمير، ويعيدنا إلى سؤال قاتم: متى ستقف المحاسبة، ومن سيحاسب من؟
السؤال الجوهري هنا لا يتعلق بالفعل وحده، بل بالسياق الذي أُنتج فيه. لو كانت مليشيا «قسد» تمتلك أخلاقيات حرب فعلية، لما نشرت قناصات من فتيات مراهقات داخل الأبنية السكنية وبين المدنيين. كان الأجدر بها أن تُبعد النساء والأطفال عن خطوط النار، وتترك لهم حقهم في التعليم والحياة الطبيعية، بدلًا من زجّهم في صراعات دموية بين أبناء البلد الواحد، في لحظة مصيرية تمر بها سوريا بأكملها.
إن استخدام النساء القاصرات كمقاتلات، ثم تقديمهن كرموز دعائية، ليس بطولة ولا “تحررًا”، بل جريمة مزدوجة: جريمة بحق الطفولة، وجريمة بحق المجتمع. والأسوأ أن هذه الممارسات تفتح الباب أمام مشاهد انتقامية لاحقة، يتحول فيها الجسد – حيًا كان أو ميتًا – إلى أداة للرسائل السياسية والعسكرية.
التشفي بالجثث، أيا كان الفاعل، يجب أن يُدان بوضوح، ويجب عدم السماح بتكراره أو تبريره، لأن أخطر ما في الحروب ليس عدد الضحايا فقط، بل تحوّل الانتهاك إلى ثقافة عسكرية مقبولة. هناك قوانين دولية واضحة تنظم التعامل مع القتلى والأسرى، وقبل القوانين هناك معايير أخلاقية وإنسانية لا تسقط حتى في أكثر النزاعات قسوة.
إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تقتصر على إسمنت وحديد. إعادة بناء الإنسان شرط أساسي لأي مستقبل قابل للحياة. ومن دون ترميم القيم، ستنهض المدن فوق أنقاض نفوس مدمّرة، وسنعيد إنتاج العنف بأشكال جديدة. ولهذا أكرر مقولتي أكثر من مرة: إذا تحولت البلاد إلى غابة، فلا تكن حيوانًا.
أحمد سليمان
الرابط : https://opl-now.org/2026/01/22/opl-61/


المزيد من المواضيع
مدينة تؤازر إخوتها… الرقة
دولة المواطنة تمنح الخصوصية للجميع: لا امتياز منفرد ولا سلاح متفلت
الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا