11 فبراير, 2026

من محاربة داعش إلى انهيار قسد وانكشاف مشروع PKK

لم يعد النزاع في الشمال السوري يُقرأ بوصفه صراع جبهات أو خطوط تماس واضحة، بل بات ساحة مفتوحة لتشابك المصالح، وانهيار الوكلاء، وتبدّل التحالفات وفق إيقاع إقليمي ودولي متسارع. من حلب إلى الطبقة، ومن الرقة إلى دير الزور، وصولاً إلى الحسكة، تتكشف حقيقة واحدة: المنظومة التي حكمت الشمال السوري لسنوات تحت مظلة دولية آخذة في التفكك، ليس بفعل هجوم خارجي مباشر، بل نتيجة رفع الغطاء عنها وتركها تواجه تناقضاتها الداخلية.

قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لم تكن في أي مرحلة مشروعاً سيادياً مستقلاً. نشأت وتوسّعت بفضل رعاية أمريكية مباشرة، عسكرية وسياسية، جعلتها أداة وظيفية في الحرب على داعش، لا كياناً سياسياً قادراً على الاستمرار بذاته. ومع تغيّر الأولويات الأمريكية، لم يُعلن التخلي صراحة، بل جرى ما هو أكثر قسوة: الانسحاب الهادئ من موقع الراعي إلى موقع المراقب، وترك قسد أمام استحقاق لم تُعدّ نفسها له.

  • الولايات المتحدة: من إدارة الصراع إلى إدارة الانسحاب

الدور الأمريكي لم ينتهِ فجأة، لكنه تغيّر جوهرياً. واشنطن خفّضت الدوريات المشتركة، قلّصت الدعم اللوجستي، ورفعت يدها تدريجياً عن إدارة التفاصيل اليومية. لم تعد معنية بضمان الاستقرار، ولا بتسويق قسد سياسياً، ولا حتى بترميم علاقتها مع العشائر العربية التي تشكّل العمود الاجتماعي للمناطق التي تسيطر عليها.

 

هذا التحول لم يكن اعتباطياً. فبالنسبة لواشنطن، كانت قسد أداة ظرفية في معركة محددة ضد داعش، لا شريكاً استراتيجياً طويل الأمد. ومع تراجع أولوية ملف مكافحة الإرهاب، تحوّلت قسد من “حليف مفيد” إلى عبء سياسي يصعب الدفاع عنه، خصوصاً في ظل ارتباطها البنيوي بحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنّف إرهابياً لدى حلفاء واشنطن الإقليميين.

 

  • من السيطرة الميدانية إلى الانكشاف السياسي

خسارة قسد لمناطق نفوذها في حلب، ثم تقلّص دورها في الطبقة والرقة ودير الزور، لم تكن مجرد نتائج عسكرية، بل تعبيراً عن فشل بنيوي في التحول من قوة أمر واقع إلى إدارة سياسية.

 

  • ثلاثة عناصر أساسية لهذا الفشل:

– غياب العقد الاجتماعي: لم تنجح قسد في بناء علاقة متوازنة مع العشائر العربية، بل اعتمدت على القبضة الأمنية والاعتقالات، ما جعل أي تراجع عسكري يتحول فوراً إلى انهيار سياسي.  

– اقتصاد حرب مغلق: تشكّلت شبكات تهريب ونفط وجباية خلقت طبقة مستفيدة داخل قسد، منفصلة عن المجتمع المحلي.  

– شرعية مستوردة: اعتمدت قسد على الشرعية الدولية أكثر من الشرعية المحلية، ومع تراجع الأولى، انكشفت هشاشة الثانية.

الحسكة اليوم تمثل ذروة هذا المأزق. فهي عقدة جغرافية تتقاطع فيها حسابات تركيا والعراق وسوريا، ومنطقة حساسة إثنياً وعشائرياً. أي خطأ سياسي أو أمني فيها يتحول إلى انفجار مضاعف.

 

  • فكّ الاشتباه: لا تقاطع بين الدولة وداعش

تُطرح أحياناً تحليلات توحي بوجود تقاطع مصلحي بين أحمد الشرع وداعش. لكن الثابت تاريخياً أن الصراع بين الطرفين جذري، فكرياً وعسكرياً، منذ نشوء التنظيم. خاض تيار الشرع مواجهات مفتوحة مع داعش ودفع ثمناً مباشراً لذلك. وعليه، فإن أي قراءة توحي بتقاطع أو توظيف متبادل تفتقر إلى الأساس التاريخي.

 

  • سوء تقدير قسد: اللعب بنار “الفوضى المُدارة”

الأدق هو التالي:  

لم يكن الرهان – إن وُجد – على داعش بوصفه خصماً للدولة، بل كان استهانة من قسد بطبيعة التنظيم، ومحاولة التعامل معه كقوة يمكن تفريغها من معناها السياسي وتحويلها إلى فوضى مُدارة تُستخدم لإرباك المشهد وإعادة إنتاج دور “الضرورة الأمنية” أمام المجتمع الدولي.

بحكم إدارتها الطويلة للسجون والمخيمات، افترضت قسد أنها تفهم داعش أكثر مما يجب، وأنها قادرة على ضبط إيقاعه عبر:

– إفراجات محدودة  

– توترات محسوبة  

– ثم العودة لتقديم نفسها كجهة وحيدة قادرة على الاحتواء  

لكن هذا السلوك يعكس سوء تقدير قاتلاً لتنظيم لا يقبل الاحتواء ولا يعترف بمنطق التحكم المرحلي. داعش لا يعمل كوحدة سياسية عقلانية، بل كمنظومة ثأرية عقائدية. أي فراغ أو تساهل يتحول عنده إلى فرصة انتقام.

 

  • لماذا سيكون PKK الهدف التالي؟

في ضوء هذا الانفلات، يصبح من المنطقي توقّع الاشتبك المباشر مع حزب العمال الكردستاني نفسه. فـPKK هو:

– العقل المحرّك للبنية العسكرية لقسد  

– الطرف الذي واجه داعش ميدانياً  

– المسؤول عن إدارة السجون  

– والخصم الأول في ذاكرة التنظيم  

التجارب السابقة في سنجار وكوباني تؤكد أن داعش ينقلب دائماً على من يظن أنه قادر على استخدامه أو توجيهه.

 

  • مسعود بارزاني: خطاب عقلاني وسلوك متناقض

تصريحات مسعود بارزاني المطالبة بخروج PKK من سوريا تحمل منطقاً سياسياً واضحاً: وجود PKK يمنح تركيا ذريعة دائمة للتدخل، ويضع الأكراد السوريين في موقع رهينة لصراع لا يخصهم.

لكن هذا الخطاب يصطدم بتناقض ميداني خطير. فقد لوحظت بالتزامن مع هذه التصريحات تحركات لمقاتلين وعائلاتهم قادمين من إقليم كردستان نحو الحسكة وسط هتافات تعبئة وانتقام. إن صحّ ذلك، فهو يقوّض الخطاب السياسي ويعيد إنتاج منطق العسكرة العابرة للحدود.

 

  • العاطفة القومية بدل السياسة

أخطر ما يجري اليوم هو اختزال القضية الكردية في خطاب تعبوي عاطفي يقدّم المظلومية بديلاً عن السياسة. هذا النهج لا يحمي الحقوق، بل يدمّرها، لأنه يعزل الأكراد عن محيطهم السوري، ويحوّل أي نقد سياسي إلى عداء قومي.

هذا لا ينفي عدالة المطالب الكردية، لكنه يضعها في سياق سياسي لا يمكن تجاهله:  

القضية الكردية لا تُخدم بالتهديد ولا بالشعارات، بل بفصلها عن مشاريع PKK وعن وهم السيطرة المسلحة وعن الارتهان للخارج.

 

  • من يملك الشمال؟ سيناريوهان متقابلان

السيناريو الأول: انتقال نحو إدارة محلية متوازنة

– تفاهمات إقليمية  

– قبول اجتماعي  

– إقصاء الميليشيات العابرة للحدود  

– بناء شرعية محلية مستقرة  

السيناريو الثاني: انزلاق طويل في صراع استنزاف

– PKK وقسد أول الخاسرين  

– الحسكة تتحول إلى ساحة تصفية حسابات  

– عودة داعش كفاعل انتهازي في الفراغات الأمنية  

 

القوة الحاسمة لن تكون لمن يملك السلاح، بل لمن يملك الشرعية والقدرة على البقاء دون مظلة خارجية. وحتى الآن، لم يُحسم هذا الخيار بعد.

 

أحمد سليمان

الرابط : https://opl-now.org/2026/01/22/opl-62/ ‎

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب