11 فبراير, 2026

الحرب الليزرية الأولى 

Painting by Andre Breton

Painting by Andre Breton

لم تعد الحروب، كما عرفها القرن العشرون، تُخاض بالجبهات الطويلة، ولا بالسيطرة على التلال، ولا بحشود الجنود التي تتقدم ثم تتراجع. ما نشهده اليوم هو انتقال جذري في طبيعة الصراع، انتقال لا يغيّر أدوات القتال فحسب، بل يعيد تعريف معنى الحرب نفسه. نحن أمام ما يمكن تسميته، دون مبالغة، الحرب الليزرية الأولى: حرب تُدار عن بُعد، تُراقَب فيها المدن كما تُراقَب الشاشات، وتُحسَم فيها المعارك قبل أن يسمع المدنيون دويّ الرصاص.

في هذا النمط الجديد، لم تعد حرب الشوارع فوضى عمياء، بل عملية حسابية دقيقة. بضع أزرار، أنظمة استشعار، خوارزميات تحليل حركة، وأقمار صناعية تراقب التفاصيل الصغيرة: من يتحرك؟ متى؟ كيف؟ ولماذا؟ كل خطوة تُسجَّل، كل خطأ يُحوَّل إلى إحداثية، وكل سلوكٍ متكرر يصبح نمطًا قابلًا للاستهداف. هنا، لا مكان للمصادفة، ولا للبطولة الشعبوية التي طالما استُهلكت في خطاب المليشيات.

 

في الجهة المقابلة، ما يزال بعض الفاعلين يعيشون بعقلية قديمة، عقلية السلاح الفردي والذخيرة المحدودة. مقاتلون يعبّئون بنادقهم ببضع طلقات، أو يحشون قاذفاتهم بما يُسمّى «صواريخ غبية»، لا تملك قدرة التمييز، ولا تحقّق هدفًا عسكريًا محددًا. هذه الأدوات، التي تُستخدم بكثافة في الأحياء السكنية، لا تُنتج نصرًا، بل تُنتج قتلى مدنيين، وخرابًا واسعًا، ومتعة سادية زائفة لا تتجاوز لحظة الضغط على الزناد.

الفجوة هنا ليست فجوة تسليح فقط، بل فجوة فهم. الحرب الليزرية لا تهتم بعدد الطلقات، بل بنوعية البيانات. لا تسأل كم مقاتلًا تملك، بل كم إشارة التقطت، وكم هدفًا صُنِّف، وكم قرارًا اتُّخذ في الزمن الحقيقي. من يقاتل خارج هذا المنطق لا يكون شجاعًا، بل معزولًا عن العصر، يُقاتل حربًا انتهت قبل أن تبدأ.

هذه حرب تنهي أصحابها أولًا. ليس لأن الطرف الأقوى أكثر أخلاقية، بل لأنه أكثر برودة. الطرف الذي يدير الحرب من غرف عمليات معقّمة لا يدفع الثمن الاجتماعي، ولا يرى الخراب بأم عينه. إنها حرب بلا ثمن داخلي على من يموّلها، لأنها مأجورة، تُدار بالوكالة، وتُنفَّذ فوق مجتمعات لا تملك قرار الحرب ولا السلام. لهذا السبب تحديدًا تُرفَض كل الدعوات إلى التسوية، وكل الاتفاقات السلمية. السلام هنا خطر، لأنه يقطع التمويل، ويُنهي الوظيفة، ويُسقط الذريعة.

السذاجة الكبرى هي الاعتقاد بأن تعنيف المجتمعات يمكن أن يكون طريقًا لتحقيق مطالب سياسية أو حقوقية. التاريخ، بكل وحشيته، يقول العكس. العنف، حين يتحول إلى أسلوب تفاوض، لا يُنتج اعترافًا، بل يُنتج عزلًا. لا يُنتج شراكة، بل يُنتج وصاية. من يظن أن ترويع المدنيين سيجبر العالم على الإصغاء، يخلط بين الضجيج والتأثير، وبين الألم والشرعية.

في هذا السياق، لا يزجّ هؤلاء بأنفسهم فقط في حروب عبثية، بل يجرّون مجتمعات كاملة إلى مسارات انتحارية. أطفال يولدون في ظل الخوف، مدن تُختزل إلى أهداف، ونسيج اجتماعي يُمزَّق باسم قضايا لا تُناقَش مع أصحابها. الحرب الليزرية لا تدمّر الخصم وحده، بل تدمّر البيئة التي يُفترض أن يعيش فيها «المحرِّرون» أنفسهم.

يرى مراقبون أن ما يجري اليوم يشبه، في جوهره، تجربة التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، لكن بنسخة أكثر تطورًا وأقل ضجيجًا. آنذاك، كان التحالف يضم عشرات الدول، يجمع بين الضربات الجوية والدعم الميداني. اليوم، المعادلة تغيّرت: لا حاجة لقوات برية كبيرة، ولا لانتشار مباشر. هناك شبكة مراقبة متقدمة، تعتمد على أجهزة استشعار ليزرية ورقمية موزّعة في الفضاء، قادرة على رصد التحركات الدقيقة، وتحليلها، ثم إرسال الإحداثيات إلى غرف عمليات متخصصة تدير المعركة بأقل قدر ممكن من الخسائر في صفوفها.

هذه الغرف لا ترى البشر كأفراد، بل كنقاط بيانات. كل هاتف، كل سيارة، كل مسار مشي يمكن أن يصبح معلومة. البرمجيات الذكية هنا عنصرًا حاسمًا في القرار العسكري. الزمن بين الرصد والتنفيذ يتقلص إلى ثوانٍ، ما يجعل أي محاولة للمناورة التقليدية ضربًا من الوهم.

في هذا المشهد، يصبح من يقاتل بعقلية القرن الماضي مجرد تفصيل هامشي. الشعارات لا توقف الأقمار الصناعية، والخطابات الحماسية لا تربك الخوارزميات. حتى فكرة «الاستنزاف» تفقد معناها، لأن الطرف الأقوى لا يستنزف مجتمعه، بل يستنزف خصمه فقط، ويُدير الصراع كملف تقني لا كقضية وجودية.

الحرب الليزرية الأولى لا تُكسب بالعدد، ولا بالضجيج، ولا بادعاء المظلومية. تُكسب بالفهم العميق للتحول، وبالاعتراف بأن زمن الفوضى المسلحة يلفظ أنفاسه الأخيرة، مهما طال أمده. المجتمعات التي تُستنزف اليوم باسم المقاومة أو الحماية أو الثورة، ستطالب غدًا بالحساب. لن تسأل عن عدد الرصاصات، بل عن عدد الأرواح التي ضاعت بلا معنى، وعن من قرر، ومن موّل، ومن استفاد.

في النهاية، ليست هذه الحرب انتصارًا للتكنولوجيا بقدر ما هي إدانة للعجز السياسي. حين تغيب الحلول العادلة، يُستدعى السلاح. وحين يفشل السلاح التقليدي، تُستدعى الليزر والخوارزميات. لكن الحقيقة تبقى واحدة: لا حرب، مهما بلغت دقتها، قادرة على إنتاج سلام. الحرب الليزرية قد تكون الأولى من نوعها، لكنها لن تكون الأخيرة، ما لم يُكسر هذا المنطق من جذوره، ويُعاد الاعتبار للإنسان، لا كنقطة على شاشة، بل كغاية لا كوسيلة.

 

أحمد سليمان

الرابط  https://opl-now.org/2026/01/25/opl-63/

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب