مرّ ما يقارب عام على سلسلة من الاتفاقات، وجولات من التصعيد العسكري والهدن المؤقتة، وما زالت السجالات والتفسيرات بين الدولة السورية ومليشيا «قسد» مستمرة على مستويات متقاربة ومختلفة في الوقت نفسه. في كل مرة يُوقّع اتفاق، نلاحظ خروج بعض ممثلي «قسد» ليعلنوا فهمهم للبنود بشكل مغاير عما تم الاتفاق عليه، وتتكرر هذه الظاهرة حتى الآن، ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل هذه استراتيجية لإحلال السلام، أم مجرد كسب وقت واستفزاز يليه تصعيد عسكري، يرافقه تدخلات خارجية تعقّد الحلول، ثم يبدأ الحوار من جديد مع إضافات تعتبرها «قسد» مكاسب لها؟
خلال العام الفائت، شهدت مناطق مدن الجزيرة السورية سلسلة تفاهمات غير مستقرة بين الدولة السورية ومليشيا «قسد». تراوحت هذه التفاهمات بين تنسيق أمني محدود، تهدئة موضعية، وجولات تصعيد أعقبتها إعادة ضبط الترتيبات. لم تُنتج أيًّا منها اتفاقًا نهائيًا، وإنما شكلت إدارة مؤقتة للأزمة في غياب حل سياسي حاسم.
تجدر الإشارة أيضًا إلى اتفاق تم التوصل إليه خلال أحداث حلب، في منطقتي الشيخ مقصود والأشرفية، والذي شكل سابقة مهمة في تاريخ التفاهمات بين الدولة والمليشيا، حيث نصّ على ضبط خطوط التماس وتبادل بعض نقاط السيطرة دون المساس بالقوة العسكرية الفعلية للمليشيا، ما وضع نموذجًا مبكرًا لإدارة النزاعات الجزئية بترتيبات أمنية محدودة.
الاتفاق الأخير يأتي في ظل سياق إقليمي ودولي ضاغط: الحضور الأميركي غير المستقر، القلق التركي الدائم، ومحاولة دمشق لاستعادة الحد الأدنى من سيادتها في مدن الجزيرة السورية. الاتفاق الجديد هو الحلقة الأحدث في سلسلة ما يمكن تسميته «مرحلة اللا-حسم»، حيث يُدار النزاع بدل أن يُحلّ.
في هذا الإطار، ومع الأوضاع الكارثية والقلق الذي يعيشه السوريون عمومًا، يظهر الاتفاق كإعادة إنتاج ترتيب أمني مؤقّت يخفّف الاحتكاك ويؤمّن مصالح الدولة والمليشيا في الوقت نفسه، مع ترك بعض العناصر الجوهرية للسيطرة الفعلية والمستقبلية مفتوحة على التأويل.
أولًا: شرح مفصّل للبنود المعلَنة
1. وقف إطلاق النار وإعادة الانتشار
يشمل الاتفاق تثبيت وقف إطلاق النار بين الدولة السورية ومليشيا «قسد» في مدن وبلدات الجزيرة السورية، ولا سيما الحسكة والقامشلي ومحيط دير الزور والرقة. هذا البند يجمّد الصدام لكنه لا يحسمه، وإعادة الانتشار تمنح الدولة حضورًا أمنيًا ورمزيًا، بينما تبقى المليشيا تحتفظ بالقدرة على التحكم الميداني في مناطق واسعة.
2. استعادة المظاهر السيادية للدولة
يتضمن الاتفاق دخول مؤسسات الدولة الرسمية إلى بعض المدن: نقاط للجيش والأمن، إعادة فتح دوائر خدمية، ورفع العلم السوري. السيطرة الفعلية على الأرض، خاصة في الأرياف ومناطق الموارد، تبقى خارج هذا الإطار، ما يجعل العملية رمزية أكثر منها عملية استعادة سيادة كاملة.
3. دمج العناصر العسكرية: الواقع مقابل التصورات
يتضمن الاتفاق إدماج أربع ألوية عسكرية من مليشيا «قسد» ضمن هيكلية وزارة الدفاع السورية. ووفق ما تداوله الإعلام والمصادر المحلية، فإن هذه الألوية يُقدَّر قوامها بنحو 22 ألف مقاتل: ثلاثة ألوية في محافظة الحسكة تضم قرابة 16 ألف عنصر، ولواء واحد في عين العرب بنحو 6 آلاف عنصر، معظمهم من «وحدات حماية الشعب» التي شكّلت العمود الفقري لـ«قسد».
في المقابل، لا يتجاوز الحضور المباشر لوزارة الدفاع السورية على الأرض دخول نحو 100 عنصر تابعين لها، بصلاحيات محدودة تتركز على الجوانب اللوجستية، التنسيق، ومراقبة الوضع الأمني، دون منحهم سلطة القرار الميداني أو السيطرة العملياتية.
صحيح أن الألوية الأربع تُدرج نظريًا ضمن هيكلية الوزارة وتتلقى تعليمات عامة من الدولة السورية، إلا أن هذا الإطار يبقى إشرافيًا وسياديًا شكليًا، ولا يغيّر بصورة جوهرية من واقع السيطرة الفعلية للمليشيا على قواعدها وبنيتها القيادية ومناطق نفوذها.
4. المؤسسات المدنية: مليشيا بواجهة إدارية
ما يُسمّى مؤسسات مدنية تابعة لـ«قسد» ليست كيانات مستقلة، بل امتداد للهيكل المليشياوي، مزدوج المهام (عسكرية وإدارية). دمجها ضمن الدولة يضمن استمرار الهيمنة نفسها بأدوات جديدة، لا إنشاء إدارة مستقلة أو حيادية.
5. الموظفون: تثبيت الهيمنة وحرمان المكونات المحلية
ينص الاتفاق على الإبقاء على الموظفين العاملين ضمن هذه المؤسسات، ما يحرم أبناء مدن الجزيرة من غير المنخرطين في منظومة المليشيا من حق المشاركة في الإدارة العامة، ويعيد إنتاج السيطرة نفسها على الموارد والوظائف. تقديرات غير رسمية تشير إلى عشرات الآلاف من الموظفين، مع احتمالات إدراج الآلاف كموظفين بهدف زيادة الامتيازات.
6. الموارد والمعابر: جوهر النفوذ المؤجّل
تنص البنود على عودة إدارة المعابر والموارد الاستراتيجية (نفط وغاز) إلى الدولة. التطبيق الفعلي لهذا البند لا يزال جزئيًا، ما يجعل السيطرة الاقتصادية محور النفوذ الحقيقي، بينما تبقى السلطة الرمزية للدولة محدودة.
7. تحييد حزب PKK وإعادة التموضع
يشير الاتفاق إلى إخراج العناصر غير السورية المرتبطة بحزب PKK، ولا سيما القادمين من تركيا، بما يعني تحييد نشاط الحزب داخل الأراضي التركية. غير أن هذا التحرك يقابله إبقاء هذه العناصر داخل الجغرافيا السورية، وهو ما ينقل ثقل أي توترات أو نزاعات مستقبلية محتملة بين الحزب وتركيا، أو بينه والدولة السورية، إلى داخل سوريا نفسها.
في هذا السياق، تصبح مدن الجزيرة السورية ساحة محتملة لأي احتكاك أمني يقع ضمن إطار اتفاق أضنة، مع ما يحمله ذلك من كلفة سيادية وأمنية مباشرة على السكان المحليين، الذين يجدون أنفسهم مرة أخرى خارج معادلة القرار، لكن في قلب تداعياته.
ثالثًا: إضافات التسريب الأخيرة – البنود العملية الجديدة
الحسكة ورأس العين:
وفق المعلومات، ستبقى رأس العين تحت إدارة «قسد»، فيما سيبقى الجيش السوري في الشدادي بعد الانسحاب العسكري من مدينتي الحسكة والقامشلي، مع بقاء معبر سميالكا فعالًا.
الجانب العسكري:
تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاث ألوية للحسكة ولواء في عين العرب ، بمجموع نحو 22 ألف مقاتل، مع بقاء صلاحيات الجيش محدودة على الجوانب اللوجستية ومراقبة الوضع الأمني.
الموظفون:
تثبيت جميع الموظفين العاملين ضمن مؤسسات «قسد»، مع استمرار قبض الرواتب قبل إعادة المفصولين بسبب انحيازهم للثورة.
المناصب السيادية:
يتم تعيين المناصب الرئيسية مثل محافظ الحسكة ومساعد وزير الدفاع ونائب مدير الأمن بالتوافق بين دمشق و«قسد»، مع بقاء السيطرة الفعلية للمليشيا على القرارات اليومية.
الخطوات التنفيذية:
حسب نص الاتفاق (27–30 يناير)، يبدأ اليوم الأول بدخول سيارات أمنية إلى الحسكة والقامشلي، تليها إدارة حقول النفط والرملان والسويدية ودمج موظفي وزارة الطاقة، ثم استلام مطار القامشلي وعمليات معبر سميالكا، قبل إعادة هيكلة الفرقة العسكرية والموظفين.
هذه البنود الجديدة تؤكد أن الاتفاق يظل ترتيبًا أمنيًا مرحليًا رمزيًا، مع استمرار النفوذ الفعلي للمليشيا، وإبقاء عناصر السيطرة الجوهرية خارج نطاق الدولة.
رابعًا: قراءة تحليلية – هدنة بلا سيادة
على الأرض، المشهد واضح: الدولة تستعيد مظاهر سيادية محدودة، بينما تواصل مليشيا «قسد» التحكم اليومي الفعلي: أمن محلي، قرار ميداني، وإدارة الملفات الحساسة، لا سيما في الأرياف ومناطق الموارد.
الاتفاق ليس شراكة سيادية، ولا اندماجًا حقيقيًا، بل ترتيب أمني براغماتي هدفه خفض الاحتكاك ومنع الانفجار. الدولة ترفض رسميًا أي صيغة فيدرالية أو الاعتراف بالقوة العسكرية المستقلة. والمليشيا تشتري الوقت وتثبت مكاسبها بانتظار تبدّل التوازنات الإقليمية.
أمام هذا الواقع، يفتح الاتفاق مسارين محتملين:
- المسار الأول:
أن يتحول الترتيب الأمني إلى مرحلة انتقالية حقيقية، تُستكمل فيها استعادة القرار السيادي، وتُفكك البنية المليشياوية، وتُفتح الإدارة أمام أبناء مدن الجزيرة على أساس المواطنة والحقوق. هذا يتطلب إرادة سياسية واضحة وقدرة على إدارة التفكيك التدريجي.
- المسار الثاني:
أن يبقى الاتفاق إطارًا هشًّا لإدارة النفوذ، تُعاد فيه إنتاج المليشيا بواجهات قانونية وإدارية، مع ترحيل الأسئلة الجوهرية إلى أجل غير مسمّى. في هذه الحالة، لا يكون الاتفاق حلًّا، بل تأجيلًا منظّمًا للصراع، مع ما يحمله من مخاطر على الاستقرار وحقوق السكان.
بين هذين المسارين، تبقى مدن الجزيرة السورية اليوم في منطقة رمادية. الاتفاق غير مطمئن، ليس لأنه أوقف النار، بل لأنه لم يحسم من يملك القرار، ولا كيف تُستعاد الدولة بوصفها إطارًا جامعًا للحقوق لا مجرد حضور رمزي.
أحمد سليمان
صادر عن نشطاء الرأي
الرابط : https://opl-now.org/2026/02/01/opl-65/

المزيد من المواضيع
مدينة تؤازر إخوتها… الرقة
دولة المواطنة تمنح الخصوصية للجميع: لا امتياز منفرد ولا سلاح متفلت
الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا