وأنا أتابع أخبار المنكوبين في المخيمات جرّاء عوامل الطقس، والفزعة الإنسانية التي خرجت من أهالي الرقة، ولا سيما فزعتهم لمخيمات إدلب الغارقة، وجدت نفسي أمام سلسلة من المشاهد التي تعرّض لها أهل هذه المدينة من ظلمٍ وجور.
أول مدينة سقط فيها قرابة ستين شهيدًا جرّاء قصف منظّم من طائرات الأسد، وأول شهيد مات وهو يحاول رفع علم الثورة كان الشاب علي البابنسي، الذي سقط برصاص النظام وهو يرفع راية الحرية في وجه القمع.
أول مدينة تحرّرت من النظام، وسبق لها أن انتفضت ضد بشار الأسد ورمته بالبيض، فكان عقابها منظّمًا عبر السماح لداعش ببسط سيطرتها تحت مرأى جيش الأسد، وراحوا يُصلبون ويقطعون رؤوس شبابها بلا أي رادع دولي.
أول مدينة أُهمِلت بعد احتلالها من قبل ميليشيا، التي جعلت ما يوازيها أنفاقًا تمتد من شمالها إلى جنوبها، وأول مدينة كانت ذات المليشيا تزجّ بشبابها ونسائها في السجون، وتوجّه إليهم تهمة “الدواعش” لمجرد رفضهم الالتحاق بصفوفها.
حضارات قديمة تركت بصماتها على هذه المدينة: الآشوريون والبابليون، الرومان والبيزنطيون، العرب في العصر الأموي والعباسي، وصولًا إلى العثمانيين، جميعهم مروا على الرقة وخلّفوا إرثًا معماريًا وثقافيًا غنيًا. سورها العظيم يحمي قلب المدينة، ويتوسطه جامع قديم بمئذنة باسقة، شاهدة على عصور من التاريخ والحضارة. الرقة التي تتوسطها باب بغداد التاريخي، وقصر البنات الأثري الذي يروي قصص النبلاء والحضارات المتعاقبة، والرقة التي شهدت على الجسر الطويل الذي دمّره من يسمون أنفسهم “أخوة الشعوب”، تاركين خلفهم ألغامًا مزروعة بين البيوت وأنفاقًا تهدد أجزاء من المدينة بالانهيار.حضارات قديمة تركت بصماتها على هذه المدينة: الآشوريون والبابليون، الرومان والبيزنطيون، العرب في العصر الأموي والعباسي، وصولًا إلى العثمانيين، جميعهم مروا على الرقة وخلّفوا إرثًا معماريًا وثقافيًا غنيًا. سورها العظيم يحمي قلب المدينة، ويتوسطه جامع قديم بمئذنة باسقة شاهدة على عصور من التاريخ والحضارة، فيما ينساب نهر الفرات بمحاذاة كتفها، شريانًا للحياة وذاكرةً لا تنضب. الرقة التي تتوسطها باب بغداد التاريخي، وقصر البنات الأثري الذي يروي قصص النبلاء والحضارات المتعاقبة، والرقة التي شهدت على الجسر الطويل الذي دمّره من يسمون أنفسهم “أخوة الشعوب”، تاركين خلفهم ألغامًا مزروعة بين البيوت وأنفاقًا تهدد أجزاء من المدينة بالانهيار.
وأنا أتفكر في بعض هذه المرويات، أيقنت أن مدينة مثل الرقة، جمعت إرثًا طويلًا من الحضارات العريقة، وجدت نفسها تكابر على جراحها وبيوتها المدمرة، لتفتح ذراعيها لإخوتها من قرى وبلدات، وللمهجّرين في المخيمات الذين جرفتها مياه الأمطار، لتبقى دائمًا مدينة الحياة والصمود، شاهدة على إرثها الكبير، ومصدر إلهام لكل من يعرف معنى أن تنبع طيبة المدينة في وجه الخراب.
هذه الفزعة، على عظمتها، تطرح سؤالًا لا يجوز القفز عنه: إذا راجعنا المشاريع الاقتصادية الضخمة التي يُكثر المسؤولون من الحديث عنها، سنجد أن ملف المخيمات والمهجّرين شبه غائب عن سلّم الأولويات. إن استمرار هذا الملف مفتوحًا بهذا الشكل ليس قدرًا، بل نتيجة تقصير إداري واضح، ويؤكد أن إنهاء ملف المخيمات وإغلاقه جذريًا يجب أن يكون أولوية وطنية عاجلة لا تقبل التأجيل.
الرقة لا تصلح للمحو؛ عصية على نسيان أهلها في المدن التي تعاني النكبات، فكانت الأم التي تحتضن من يلجأ إليها، والسند الداعم لأي عائلة تحتاج العون. قبل دخول أوباش داعش وبقية مجاهدي الارتزاق، قفز عدد سكانها من 800 ألف إلى مليون ونصف بسبب استضافتها عوائل هاربة من جحيم الموت الذي استهدف مدنًا سورية. هذه المقولة ليست لي، وإنما للدكتور إسماعيل الحامض، وأكدها المحامي عبد الله الخليل، وكلاهما اختفيا بين ما قيل إنه تمت تصفيتهما على يد جنود الأسد وبين ما أشيع عن خطفهم من قبل ملثمين تابعين لما أسميه بالجهاد الأحمق.
هذه الرقة، يمكنني القول، قلبت مقولة “ميت لا يحمل ميت”. نهضت بحبٍّ من وسط الدمار والموت، لتمدّ يدها للسوريين الذين يغرقون في المخيمات، وكانت فزعتها لمخيمات إدلب الغارقة شاهدًا جديدًا على أن المدن الحيّة لا تموت مهما أنهكها الخراب.
إنها الرقة التي يجب أن تُكرَّم كمدينة منكوبة، وأن يُبدأ بدعم بنيتها التحتية التي دمّرتها طائرات التحالف أثناء قصفها إرهاب داعش. الرقة ستكون في حالٍ أفضل، وستقدّم العون بشكلٍ أوسع إذا أُعيد ترميمها.
الرقة التي غادرتها وأنا في الرابعة عشرة من عمري، لأعود إليها ثم أُعتقل بسبب منشورات مكتوبة بخط اليد. الرقة التي غادرتها إلى دمشق أولًا، ثم استقررت في بيروت، في الوقت الذي كانت فيه طائرات الأسد تقصف قصر بعبدا وشرق بيروت، وحين كان ميشال عون يحتمي في السفارة الفرنسية خشية الموت على أيدي من دمروا بلدي.
شكرًا للرقة التي نهلت من طيبها في أول طفولتي وأول يفاعتي.
أحمد سليمان
رابط المقال:
https://opl-now.org/2026/02/11/sleimsn-3/

المزيد من المواضيع
دولة المواطنة تمنح الخصوصية للجميع: لا امتياز منفرد ولا سلاح متفلت
الهندسة السياسية: قراءة في إدارة ما بعد الحرب في سوريا
الإتفاق غير مطمئن: ترتيب أمني مع مليشيا مزدوجة المهام وحدود استعادة الدولة