إيران اليوم لا تطلق الصواريخ كأداة ردع فحسب، بل كرمز لإرادة سياسية عمياء تقود شعبها وعشرات الملايين من العرب نحو دوامة حرب لا تنتهي. المدن المستهدفة اليوم تكشف عن حجم العبث: أبوظبي، الرياض، الكويت، عمّان، قاعدة العديد الجوية في قطر، البحرين، وشمال ووسط إسرائيل بما في ذلك بئر السبع وحيفا وتل أبيب. صواريخ تسقط فوق المدنيين والبنية التحتية، وتحرق أي وهم بالأمن، لتثبت مرة أخرى أن سياسة طهران ليست دفاعًا عن الوطن، بل انغماس كامل في حروب الآخرين على حساب شعوبها وأبناء المنطقة.
في خضم هذا التصعيد، تتجلى هشاشة التوازن الدولي بوضوح. وعود ترامب بالحرية للإيرانيين لا تتحوّل عمليًا إلى ردع فعّال ضد توسّع إيران، خصوصًا مع تهديد كوريا الشمالية بدعم طهران عسكريًا وتقنيًا. هذا الربط يوسّع دائرة التوتر، ويجعل أي محاولة لاحتواء إيران صعبة، بينما تبقى دول المنطقة تحت تهديد مباشر بصواريخ تصل إلى قلب مدنها. الهشاشة ليست فقط عسكرية، بل سياسية: كل خطوة لإيران تعكس سياسة تصدير التوحش، وكل ردّ دولي ناقص يزيد احتمالات مواجهة مفتوحة، ويحوّل المنطقة إلى ساحة صراع دائمة بلا مخرج.
●من حرب الخليج الأولى إلى عقيدة “العمق الاستراتيجي”
في الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988)، المعروفة بحرب الخليج الأولى، خاضت طهران مواجهة قاسية مع نظام صدام حسين. خرجت منها بقناعة راسخة: لا بد من نقل خط الدفاع إلى خارج الحدود. من هنا تعزّز دور الحرس الثوري الإيراني بوصفه ذراعًا عسكرية–أيديولوجية تتولى إدارة النفوذ الخارجي، خصوصًا عبر فيلق القدس. الفكرة لم تكن فقط الرد على تهديدات مباشرة، بل بناء شبكة نفوذ مسلحة في دول متعددة، بحيث يصبح أي ضغط على إيران مكلفًا إقليميًا.
●لبنان: نموذج النفوذ طويل الأمد
في ثمانينيات القرن الماضي، دعمت طهران تأسيس وتطوير حزب الله في لبنان. الحزب تحوّل إلى قوة عسكرية وسياسية مؤثرة، لكنه في الوقت نفسه رسّخ معادلة السلاح خارج إطار الدولة اللبنانية الكامل. بالنسبة لإيران، كان ذلك نجاحًا في بناء حليف استراتيجي على حدود إسرائيل، بينما بالنسبة لمنتقديها كان تكريسًا لازدواجية السلطة داخل دولة ذات سيادة.
●العراق بعد 2003: الفراغ الذي امتلأ سريعًا
مع سقوط بغداد عام 2003، وجدت إيران فرصة لتوسيع حضورها في العراق. دعمت فصائل مسلحة متعددة، بعضها اندمج لاحقًا في هياكل رسمية، وبعضها احتفظ باستقلالية عملياتية. النتيجة كانت مشهدًا عراقيًا معقدًا، تتداخل فيه المصالح الوطنية مع حسابات إقليمية. مرة أخرى، تم توظيف الفراغ لتعزيز النفوذ.
●سوريا: التدخل المباشر ودعم نظام بشار الأسد
منذ عام 2011، وقفت طهران بوضوح إلى جانب نظام بشار الأسد. الدعم لم يكن سياسيًا فقط، بل عسكريًا ولوجستيًا، مع انخراط عناصر من الحرس الثوري ومشاركة حلفاء إقليميين، أبرزهم حزب الله. هذا التدخل كان حاسمًا في تثبيت النظام في مراحل مفصلية من الحرب، لكنه ربط صورة إيران في الوعي السوري بسنوات من الدمار والانقسام والنزوح. هنا لم يعد الحديث عن نفوذ غير مباشر، بل عن حضور عسكري فاعل في صراع داخلي تحوّل إلى حرب إقليمية مفتوحة.
●اليمن: دعم الحوثيين وتوسيع رقعة الاشتباك
في اليمن، دعمت طهران حركة أنصار الله (الحوثيين) سياسيًا وإعلاميًا، مع اتهامات دولية بتقديم دعم عسكري وتقني. ومع تصاعد الحرب منذ 2015، تحوّل النزاع اليمني إلى ساحة صراع إقليمي بين محاور متقابلة. الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت العمق السعودي والإماراتي غيّرت معادلة الأمن في الخليج، وأدخلت الملاحة الدولية في البحر الأحمر ضمن حسابات التوتر. مرة أخرى، توسّعت الجغرافيا، واتسعت معها دائرة المخاطر.
●تعميم الحروب… أي نتيجة؟
إذا كان الهدف من هذه السياسة هو الردع وحماية الأمن القومي الإيراني، فإن الثمن الإقليمي كان باهظًا. لبنان يعيش أزمة سيادية واقتصادية عميقة، العراق يعاني هشاشة سياسية مستمرة، سوريا مدمَّرة ومقسّمة النفوذ، واليمن غارق في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
القصف العابر للحدود أو دعم فاعلين مسلحين خارج إطار الدولة قد يمنح نفوذًا مرحليًا، لكنه يراكم خصومات طويلة الأمد. كل دولة تشعر بأن أمنها مهدد ستبحث عن تحالفات مضادة، وكل شعب يختبر الحرب على أرضه سيحمل ذاكرة سياسية لا تمحى بسهولة.
تالياً، الأمن الحقيقي لا يُبنى بالصواريخ ولا بشبكات الميليشيات، بل باحترام سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن منطق الساحات المفتوحة. وكل مشروع إقليمي يتجاهل هذه الحقيقة قد يحقق مكاسب آنية، لكنه يغامر بمواجهة ارتدادات يصعب احتواؤها في المستقبل.
أحمد سليمان .
المصدر : نشطاء الرأي
الرابط :
https://opl-now.org/2026/02/28/opl-68/

المزيد من المواضيع
العدالة الانتقالية في سوريا: بين التسويات المالية واستياء الضحايا
نحو آلية قانونية واضحة تضمن عودة آمنة ومستقرة للمعارضين والنشطاء
بين القرار والمجتمع: لماذا أصبحت المراجعة ضرورةً سياسية؟