في عالم اليوم، لم تعد القوة العسكرية أو الاقتصاد وحدهما كافيين لفرض الهيمنة أو تحقيق أهداف استراتيجية، بل أصبح ما يُعرف بـ”سلاح القوة الخفي” محورًا لإدارة الصراعات الدولية. صعود دونالد ترامب إلى البيت الأبيض كشف نموذجًا جديدًا في التعامل مع السياسة العالمية: رفع سقف الضغط عبر العقوبات الاقتصادية والتهديدات العسكرية، ثم تقديم “صفقة رابحة” يتم تصويرها لاحقًا على أنها تنازل أو إنجاز. هذا الأسلوب لم يهدف بالضرورة إلى الحرب، بل إلى إعادة رسم موازين القوى لصالح واشنطن، سواء على الصعيد التجاري، العسكري، أو الجيوسياسي.
تجلى هذا النهج في فرض الرسوم الجمركية على أوروبا والصين، واستخدام الاقتصاد كسلاح ضغط سياسي. على الصعيد العسكري، طالب الحلفاء الأوروبيين بزيادة إنفاقهم الدفاعي، محوّلًا العلاقة مع الناتو من شراكة استراتيجية إلى تفاوض مالي مباشر.
لكن التطبيق الأهم لهذا النموذج يظهر في الشرق الأوسط، حيث تتشابك الملفات السياسية، العسكرية، والاقتصادية، خصوصًا في إيران، فلسطين، سوريا، لبنان، والعراق. هنا يصبح “سلاح القوة الخفي” محوريًا، إذ تُدار الملفات بعناية لتجنب حرب مفتوحة، بينما تُستخدم العقوبات والتهديدات العسكرية لإعادة التفاوض حول النفوذ والموارد.
ترامب لم يكتفِ بالضغط المباشر، بل فكر في استثمار الأراضي والموارد كساحة تفاوضية. مقارباته الاقتصادية لم تقتصر على العقوبات أو التهديدات، بل شملت النظر في مناطق حساسة كأدوات للتفاوض:
●هضبة الجولان: رغم صدور قرارات دولية (1967 و242) تعتبر السيادة الإسرائيلية غير شرعية، اعترف ترامب بسيادة إسرائيل عليها، محاولًا استخدام المنطقة كأداة سياسية وربطها بمكاسب اقتصادية واستثمارية محتملة، على غرار المشاريع الاقتصادية التي طرحها في غزة.
●قطاع غزة: ربط الملفات الاقتصادية بالسياسة، من خلال مشاريع تنموية واستثمارية، كان جزءًا من محاولة تحويل الملفات التقليدية إلى أدوات تفاوضية قابلة للإدارة.
اليوم، في ظل وجود حكومة ناشئة في سوريا، يمكن استثمار هذا النهج لدعم مشاريع اقتصادية وسياسية تجعل دمشق شريكًا في ضبط التوازن الإقليمي، من دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
القضية الفلسطينية لا يمكن فصلها عن أي عملية تفاوضية إقليمية. الاعتراف بدولة فلسطينية، ضبط الانتهاكات الإسرائيلية، وربط مشاريع اقتصادية بقطاع غزة والجولان، يمكن أن تصبح أدوات تفاوضية ضمن استراتيجية أوسع تشمل البرنامج النووي الإيراني والنفوذ في العراق ولبنان، وفي الوقت نفسه تعزيز دور القوى الإقليمية الفاعلة مثل السعودية وتركيا في دعم التسوية والحفاظ على التوازن الاستراتيجي.
لا يمكن أيضًا تجاهل توظيف حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن كأدوات جاهزة لتمثيل أوراق ضغط استراتيجية تحافظ على توازن القوى في مناطق حساسة. السيطرة على مضيقَي باب المندب وهرمز، إلى جانب النفوذ اللبناني، تجعل أي تسوية رهينة تفاهمات دقيقة بين واشنطن وطهران، والسعودية وتركيا، مع مراعاة مصالح موسكو وبكين.
واشنطن، في هذا الإطار، لا تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني بالقوة، بل إلى تعديل سلوكه عبر أدوات الضغط والتفاوض متعدد المستويات، وتحويل النزاعات الإقليمية إلى أوراق تفاوضية. هذا الأسلوب، الذي نجح في التجارة والعلاقات مع الحلفاء، يختبر اليوم في بيئة شرق أوسطية معقدة، حيث الهويات والمصالح الدولية تتشابك، والتهديدات العسكرية قد تُفسر على أنها نوايا تصعيدية حقيقية، ما يرفع احتمالية ردود فعل مضادة.
الملف السوري مثال آخر على تعقيد هذا الأسلوب. في ظل حكومة ناشئة، يصبح بإمكان القوى الدولية استثمار الوضع لدعم مشاريع اقتصادية وسياسية متوازنة، مع الحفاظ على استقرار النظام الداخلي وموازين القوة في المنطقة. أي تدخل مباشر أو محاولة فرض تسوية أحادية سيكون محفوفًا بالمخاطر، لأن النفوذ الإقليمي ممتد عبر عدة دول وأذرع محلية.
في الملفات الإيرانية، التحديات واضحة: التوازن بين الضغط، النفوذ الإقليمي، وحسابات موسكو وبكين يجعل من الصعب تحقيق “حسم سريع” أو صفقة كبرى مباشرة. أي محاولة لإعادة تشكيل المنطقة دون إشراك القوى المحورية ستظل ناقصة، بينما القوة وحدها لن تحسم الملفات المعقدة.
في المحصلة، تكشف تجربة ترامب وممارسات السياسة الأمريكية الحديثة أن القوة الاقتصادية والعسكرية يمكن أن تتحول إلى أداة ضغط تفاوضي قوية للغاية، لكن إدارتها في الشرق الأوسط تتطلب دقة وحساسية متناهية. الصفقة الكبرى، سواء في إيران، فلسطين، سوريا، أو ملفات النفوذ الإقليمي الأخرى، ليست حدثًا مفاجئًا، بل عملية طويلة ومعقدة تتحرك في الظل، حيث القوة الاقتصادية والعسكرية تصبح وسيلة للضغط وإعادة التوازن، وليس مجرد أداة للحرب.
الدرس الرئيس:
إدارة السياسة الدولية اليوم تشبه لعبة شطرنج معقدة، حيث تتحرك كل قطعة بحذر، والصفقات الكبرى تحددها القدرة على التوازن بين الضغط والمكاسب، بين القوة المباشرة والقدرة على التفاوض، وبين مصالح القوى الكبرى والإقليمية. النجاح في هذه اللعبة يعتمد على فهم عميق للتوازنات، لا على فرض الحلول بالقوة وحدها.
أحمد سليمان
المصدر : نشطاء الرأي
رابط الملف:
https://opl-now.org/2026/03/17/سلاح_-القوة-_الخفي/

المزيد من المواضيع
محاولة طمس الرموز الوطنية السورية والانتهاك الثقافي للنشيد الوطني
تعيين مجرمي الحرب في سوريا في مواقع حساسة ينسف ملف العدالة الانتقالية
الحرب الترامبية الكبرى وتقاطعاتها السياسية والاقتصادية المتشابكة