في مشهدٍ يعكس تحوّلًا لافتًا في الوعي العام، لم يعد الاحتجاج مجرد ردّة فعل عابرة، بل أصبح أداة واعية لإعادة تثبيت مفاهيم أساسية في العلاقة بين الدولة والمجتمع. ما شهده الشارع السوري مؤخرًا يتجاوز كونه حدثًا احتجاجيًا، ليأخذ طابعًا تأسيسيًا لمسارٍ عنوانه: استعادة الحق، وترسيخ المواطنة، وفرض الإصغاء كواجب لا كخيار.
إن العدالة، بوصفها قيمة مركزية، لا يمكن أن تتعايش مع بيئة يغلب عليها الفساد الإداري والسياسي. فحين تُتخذ القرارات بمعزل عن القانون، أو تُفصّل بما يخدم مصالح ضيقة، يتحول الدستور إلى نصّ معطّل، وتصبح المؤسسات مجرد واجهات شكلية. من هنا، فإن المطالبة بمكافحة الفساد ليست مطلبًا إصلاحيًا فحسب، بل شرط أساسي لإعادة الاعتبار للدولة نفسها.
وفي قلب هذا الحراك، يبرز مبدأ لا يحتمل التأويل: حرية التعبير ليست منّة من السلطة، بل حق أصيل لا يُنتزع ولا يُمنح، بل يُمارس. الأهم من ذلك، أن السماح بالتعبير لا يكفي إن لم يُقترن بالإصغاء الحقيقي. فالدولة التي تسمح للناس بالكلام دون أن تستمع، إنما تؤجل الأزمات ولا تحلّها.
لقد أسّس هذا التحرك الشعبي لما يمكن تسميته بـ“أحد الحريات”، حيث برزت المواطنة والتشاركية كمرتكزين لأي قرار وطني مشروع. فالسوريون، عبر مشاركتهم الواسعة والمتنوعة، أكدوا أن القرار العام لا يمكن أن يُحتكر، وأن الشراكة في صياغته حق يكفله الدستور ويُثبته الواقع.
وفي سياق موازٍ، يطرح هذا الحراك موقفًا واضحًا ضد أي شكل من أشكال التمييز على أساس الدين أو العرق. فالدولة التي تُبنى على المواطنة لا يمكن أن تقبل بسياسات الإقصاء أو التصنيف، ولا بخطاب التخويف الذي يسعى إلى تشويه أي صوت معارض عبر اتهامه بحمل “أجندات”. هذا النمط من الخطاب لم يعد مقنعًا، بل بات مكشوفًا كأداة لحماية مراكز النفوذ، لا لحماية الدولة.
بل إن المفارقة الأوضح تكمن في أن من يلوّحون بفزاعة “الأجندات” هم أنفسهم من تسللوا إلى مفاصل الدولة، حاملين معهم إرثًا من الممارسات التي كرّست الفساد والاستبداد لعقود طويلة. هذه الذهنية، التي أعاقت تطور المؤسسات وأفرغتها من مضمونها، لم تعد قابلة للاستمرار في ظل وعي شعبي يتنامى، وإصرار واضح على التغيير ضمن الأطر القانونية.
السوريون اليوم لا يبدأون من فراغ، بل يستندون إلى ثقل وطني وتاريخي، وتجربة طويلة في المطالبة بالحقوق، تجعلهم في موقع لا يحتاج إلى “شهادات حسن سلوك” من أي جهة. على العكس، فإن بعض الأصوات التي تحاول الوصاية على هذا الحراك باتت تمثل عبئًا حقيقيًا على مؤسسات الدولة، لأنها تعيق الإصلاح بدل أن تدفع باتجاهه.
ومن هنا، تتعزز المطالبة بنشر قيم العدالة والحرية، كبديل عن سياسات ترهيب المجتمع أو ضبطه عبر الخوف. فالدولة القوية لا تُبنى بإخافة مواطنيها، بل بكسب ثقتهم. والشرعية لا تُفرض بالقوة، بل تُكتسب عبر احترام الحقوق، وتطبيق القانون بعدالة، ومحاسبة من يسيء استخدام السلطة.
في المحصلة، ما يجري اليوم هو بداية مسار، لا نهايته. مسار يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة، ويضع أسسًا جديدة قوامها الشراكة والمساءلة والاحترام المتبادل. “أحد الحريات” ليس مجرد عنوان، بل إشارة إلى لحظة فارقة، بدأ فيها السوريون استعادة دورهم الطبيعي كأصحاب حق، لا كمتلقين لقرارات تُفرض عليهم. الطريق لا يزال طويلًا، لكن الاتجاه بات واضحًا: نحو دولة قانون، لا دولة أشخاص، ونحو مجتمع تُصان فيه الكرامة، لا تُدار فيه بالخوف.
أحمد سليمان
المصدر : نشطاء الرأي
الرابط : https://opl-now.org/2026/03/22/الاحتجاج-الحق-الدستوري/

المزيد من المواضيع
سوريا: انتهاكات بالجملة – الحريات الفردية لا تنفصل عن السياسية
سياسة الصفقات الكبرى وسلاح القوة الخفي
محاولة طمس الرموز الوطنية السورية والانتهاك الثقافي للنشيد الوطني