15 مايو, 2026

رهانات فلول المليشيات والأسد سقطت: التحولات الدولية تنحاز إلى الاستقرار والسلم الأهلي

حتى الآن، ما تزال بعض بقايا البنى العسكرية المرتبطة بالنظام السابق وقيادات من المليشيات المحلية تتصرف وكأن المشهد السوري قابل للعودة إلى ما قبل سنوات الانهيار الكبرى. لكن قراءة التحولات الإقليمية والدولية الحالية تشير إلى اتجاه مختلف تماماً: الأولوية أصبحت للاستقرار الأمني وضبط الحدود ومنع إعادة إنتاج الفوضى، لا لإحياء مشاريع النفوذ القديمة.
الخطأ الذي تقع فيه هذه الأطراف أنها تفسر بعض الترتيبات الانتقالية أو عمليات الاحتواء السياسي على أنها اعتراف دائم بشرعيتها أو ضمانة لبقائها داخل مؤسسات الدولة المستقبلية. بينما الوقائع في تجارب ما بعد الحروب تقول شيئاً آخر. ففي معظم الدول التي خرجت من نزاعات أهلية، جرى استيعاب شخصيات وقوى مسلحة ضمن ترتيبات مؤقتة هدفها منع الانفجار الأمني، وليس منح تلك القوى حق الوصاية على الدولة.
النموذج اللبناني بعد اتفاق الطائف مثال واضح على ذلك، حيث تحولت قيادات مليشياوية إلى جزء من التركيبة السياسية لفترة طويلة، لكن ضمن توازنات إقليمية ودولية فرضت لاحقاً إعادة ضبط المشهد تدريجياً. غير أن الحالة السورية أكثر تعقيداً بكثير، ليس فقط بسبب حجم الدمار والانقسام، بل بسبب التشابك الدولي والأمني العابر للحدود.
فالساحة السورية خلال السنوات الماضية لم تعد شأناً داخلياً صرفاً، بل تحولت إلى نقطة تقاطع لمقاتلين وتنظيمات وشبكات نفوذ جاءت من العراق وإيران وتركيا وآسيا الوسطى، منها تشكيلات تتستر خلف مشاريع قومية وطائفية وعقائدية متعددة، حاولت تثبيت وجود طويل الأمد داخل الجغرافيا السورية. إلا أن البيئة الإقليمية التي سمحت بذلك سابقاً لم تعد كما كانت.
إيران نفسها، التي اعتمدت لسنوات سياسة التمدد المفتوح، تواجه اليوم ضغوطاً اقتصادية وأمنية داخلية متصاعدة، وأصبحت أكثر ميلاً إلى تقليل الأكلاف الخارجية وضبط ساحات النفوذ بدلاً من توسيعها. وكذلك فإن تركيا والعراق باتا ينظران إلى ملف الحدود والجماعات المسلحة من زاوية الأمن القومي المباشر، لا من زاوية الاستثمار السياسي طويل الأمد. وهذا ما يفسر تزايد الحديث الدولي عن ترتيبات أمنية وحدودية أكثر تشدداً داخل سوريا ومحيطها.
في المقابل، تبدو بعض القيادات المسلحة وكأنها تراهن على إطالة الفوضى أملاً في فرض نفسها مجدداً كلاعب لا يمكن تجاوزه. لكن هذا الرهان يصطدم بواقع مختلف: المزاج الشعبي نفسه تغيّر. فبعد سنوات الحرب، لم يعد جزء واسع من السوريين مستعداً لقبول استمرار اقتصاد المليشيات أو مناطق النفوذ المسلحة أو شبكات التهريب العابرة للحدود.
ومن المرجح خلال المرحلة المقبلة أن تتحرك تدريجياً ملفات قانونية وحقوقية مرتبطة بجرائم الحرب والانتهاكات والفساد والاختفاء القسري، سواء بحق شخصيات مرتبطة بالنظام الإجرامي السابق أو بقيادات من قوى الأمر الواقع المختلفة. هذا المسار لن يكون سريعاً، لكنه مرشح للتوسع مع تراكم التوثيق والضغوط الحقوقية الدولية.
كذلك يبرز ملف شديد الحساسية يتعلق بشبكات الأنفاق والبنى العسكرية السرية، إضافة إلى ملف الألغام والمخلفات الحربية التي لم تُزل من مناطق واسعة كانت خاضعة لسيطرة قوى متعددة، ما يزيد احتمالات سقوط مزيد من الضحايا المدنيين مستقبلاً. كما تتصاعد الأسئلة حول شبكات التهريب التي استنزفت موارد البلاد، سواء عبر تهريب النفط والثروات من مناطق الجزيرة السورية، أو عبر خطوط التهريب الممتدة نحو الحدود العراقية والتركية واللبنانية.
ويبرز أيضاً الدور الذي لعبته بعض المليشيات المرتبطة بإيران، وعلى رأسها ما يعرف بـ«حزب الله»، بعد الكشف عن بنى وأنفاق عسكرية عابرة للحدود واستخدام أجزاء من الأراضي السورية كممرات ومنصات تخدم مشاريع عسكرية إقليمية تحت شعارات “المقاومة”. إلا أن هذه الشعارات فقدت كثيراً من حضورها بعد انخراط تلك القوى المباشر في الحرب السورية ودعمها العلني للنظام السابق، وما رافق ذلك من مساهمة في تدمير البنية التحتية وتعميق الانقسام الداخلي.
هذا الملف تحديداً لم يعد يُنظر إليه كقضية سورية داخلية فقط، بل كتهديد أمني إقليمي مرتبط بالسلاح والمخدرات وتهريب الأفراد والاقتصاد الموازي. ولذلك فإن أي محاولة لإعادة إنتاج نفوذ المليشيات عبر هذه الشبكات ستبقى تحت ضغط أمني وشعبي متزايد.
المشهد السوري دخل مرحلة مختلفة: مرحلة تقليص الفوضى لا توسيعها. ومن لا يزال يعتقد أن بإمكانه إعادة عقارب الساعة إلى سنوات السلاح المفتوح والسلطات الموازية، يتجاهل أن موازين القوى الإقليمية والدولية نفسها تغيّرت، وأن الدول الداعمة سابقاً أصبحت تبحث عن إغلاق الملفات المكلفة لا إعادة إشعالها.

أحمد سليمان

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب