15 مايو, 2026

خولة برغوث… احتجاز غامض وأسئلة بلا إجابات

خولة برغوث… احتجاز غامض وأسئلة بلا إجابات
ليست القضية اليوم مجرد خبر متداول عن احتجاز كاتبة سورية أمريكية اسمها خولة برغوث، وإن كانت حتى هذه اللحظة أسباب الاحتجاز وتفاصيله القانونية غير واضحة بالكامل، مع ذلك فهو اختبار حقيقي لكل الكلام الذي يُرفع عن القانون والحريات وكرامة الناس بعد سنوات طويلة من الخراب السوري.
بحسب المعلومات المتداولة، جرى احتجاز خولة برغوث منذ يوم الثلاثاء الخامس من هذا الشهر من قِبل فرع إدارة الأمن الجنائي في المعضمية، دون صدور توضيح رسمي كامل للرأي العام يشرح طبيعة القضية أو مبررات استمرار التوقيف بشكل واضح وشفاف.
كما أشارت معطيات متداولة لاحقاً إلى وجود ادعاء وتحقيق جارٍ في القضية، مع تأكيد أن خولة لديها تمثيل قانوني، وإن كان الوصول إلى محاميتها قد تم بشكل محدود خلال فترة التوقيف. وفي المقابل، لا توجد حتى الآن مؤشرات مؤكدة على وجود خلفية سياسية للقضية.
لكن كل ذلك لا يلغي الأسئلة الجوهرية المتعلقة بدرجة الشفافية والإجراءات القانونية المتبعة، ولا يبرر حالة الغموض التي أحاطت بالقضية منذ بدايتها.
وهنا لا يعود السؤال متعلقاً بالاتفاق أو الاختلاف مع خولة، بل بالسؤال الأوضح والأخطر: هل أصبح من الطبيعي أن يُحتجز إنسان وسط هذا الكم من الالتباس والغموض، بينما يُترك الرأي العام نهباً للتسريبات والشائعات والتخمينات؟
ما زاد الجدل أن خولة كانت قد كتبت قبل ساعات من احتجازها منشوراً حاداً انتقدت فيه ما وصفته بتفريغ القيم من معناها، وهيمنة التفاهة والذباب الإلكتروني، وتحول بعض المنصات إلى أدوات للهجوم على أي رأي ناقد أو مختلف. وربطُ الناس بين ما كتبته وبين ما جرى لها لاحقاً كان أمراً متوقعاً وطبيعياً في ظل غياب رواية رسمية واضحة منذ البداية.
لكن حتى مع وجود تحقيق قانوني – إن ثبتت تفاصيله بشكل واضح – فإن ذلك لا يبرر حالة التشهير والإدانة المسبقة التي مارسها البعض. وكأن مجرد تداول شبهة أو ادعاء يكفي لإسقاط قرينة البراءة وتحويل الناس إلى متهمين في المحكمة الشعبية قبل أي حكم قضائي.
مع العلم أن خولة برغوث Khawla Barghouth معروفة بنشاطها السياسي والإعلامي منذ ما قبل الثورة السورية وخلال سنواتها، ما يجعل محاولات التشهير المسبق بها أو الزج باسمها في ملفات مجهولة التفاصيل أمراً مثيراً للاستغراب، خصوصاً قبل صدور أي رواية قانونية أو قضائية واضحة.
الأكثر مفارقة أن بعض الأصوات التي كانت سابقاً تهمس خوفاً عند الحديث عن الانتهاكات، وتطلب من الآخرين رفع الصوت دفاعاً عن الحقوق، باتت اليوم تتعامل بخفة مع قضايا الاحتجاز والغموض القانوني، أو تسارع إلى التبرير والتشكيك والتعتيم بدل المطالبة بالشفافية واحترام الأصول القانونية.
المقلق أيضاً أن كثيرين باتوا يتحاشون الحديث عن القضية. بعض الأشخاص الذين تواصلت معهم للكتابة عن الموضوع لم يناقشوا الوقائع، بل اختصروا موقفهم بجملة واحدة: “لا تكتب.”
وهنا تظهر المشكلة الأعمق؛ حين يتحول الخوف إلى رقابة ذاتية، ويصبح الناس أكثر خوفاً من الكلام من خوفهم من الانتهاك نفسه.
إن أي دولة تريد بناء احترام حقيقي للقانون لا تخشى الشفافية، ولا تترك الناس أمام الغموض والتأويلات. لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الضجيج ولا المزايدات، بل كشف واضح للرأي العام عن حقيقة القضية، وضمان الحقوق القانونية الكاملة لخولة برغوث، واحترام قرينة البراءة، وتمكينها من التواصل الطبيعي مع محاميتها وعائلتها، وإعلان أي إجراءات قضائية – إن وُجدت – بشكل قانوني وشفاف.
أما استمرار الغموض، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الشكوك والأسئلة.

أحمد سليمان
المصدر : نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب