17 مايو, 2026

بين تدوير المسؤولين وغياب المؤسسات

في مشهدٍ يعكس عودة أنماط الحكم القائمة على الشخصنة والولاء أكثر من بناء المؤسسات، لم يعد مستغرباً أن يُنقل حاكم المصرف المركزي عبد القادر حصرية إلى منصب سفير في دولةٍ ككندا، وهي دولة تعجّ بالسوريين من أصحاب الكفاءات والخبرات القادرين على تمثيل بلدهم دبلوماسياً بكفاءة سياسية وقانونية وثقافية عالية.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق باسم الشخص بقدر ما يتعلق بطبيعة الإدارة نفسها: هل يجوز أساساً انتداب حاكم مصرف مركزي ـ وهو موقع يفترض أنه تقني ومالي شديد الحساسية ــ إلى مهمة سياسية ودبلوماسية لا تمتّ لاختصاصه بصلة؟ وهل أصبحت مؤسسات الدولة مجرد مقاعد قابلة للتبديل والتدوير وفق منطق الثقة والولاء، لا وفق الكفاءة والتخصص؟

ما تعكسه التعيينات الأخيرة لا يبدو مجرد تغييرات إدارية عادية، بل إعادة إنتاج لنمط حكم يقوم على إدارة الدولة بعقلية الحلقة الضيقة، حيث تغيب الحدود الواضحة بين المؤسسات، ويمكن نقل مسؤول مالي إلى موقع دبلوماسي أو إداري بسهولة، لا انطلاقاً من الخبرة التخصصية، بل وفق معيار القرب من مركز القرار ومستوى الثقة السياسية.

كما يظهر بوضوح اعتماد شبكات النفوذ والعلاقات الشخصية بديلاً عن المسارات المؤسساتية الطبيعية، في ظل ضعف استقلالية المؤسسات وتركّز القرارات الجوهرية داخل دائرة محدودة تتحكم بالمفاصل الأساسية للدولة. وفي هذا النموذج، تتحول المناصب أحياناً إلى أدوات لإدارة التوازنات داخل السلطة، لا إلى مواقع تُمنح بناءً على الحاجة الفعلية والكفاءة المهنية.

والمفارقة أن المشهد لا يقتصر على تدوير الوجوه التقليدية داخل الحلقة نفسها، بل يمتد أحياناً إلى تقديم شخصيات جديدة بوصفها “حلولاً إصلاحية”، رغم أن معايير الاختيار ذاتها تبقى ضبابية. ومن الأمثلة المطروحة اسم صفوت رسلان، الذي عاش خارج سوريا كلاجئ لنحو خمسة عشر عاماً، وهذا بحد ذاته ليس موضع انتقاد أو تقليل من شأنه، فآلاف السوريين في الخارج يمتلكون خبرات محترمة وتجارب مهمة. لكن السؤال يبقى مشروعاً حول طبيعة الترويج لشخصية تُقدَّم اليوم كخبير في التنمية، رغم انقطاعها الطويل عن الواقع الاقتصادي السوري، والعمل خلال سنوات اللجوء في ألمانيا ضمن مجالات بعيدة عن اختصاصه الأساسي. فهل يكفي ذلك لتقديمه بديلاً مقنعاً في سياق إعادة تشكيل المواقع العليا في الإدارة الاقتصادية؟

المشكلة هنا لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بطبيعة الدولة التي يجري بناؤها: هل نحن أمام مؤسسات حقيقية تقوم على التخصص والاستقلالية والمحاسبة؟ أم أمام منظومة تعيد توزيع المواقع بين مجموعة ضيقة من الأسماء، بحيث تبقى الوجوه نفسها حاضرة مهما تبدلت المقاعد والعناوين؟

فالدولة الحديثة لا تُدار بمنطق “توزيع الأشخاص على المناصب بهدف تركيز القرار داخل دائرة ضيقة”، بل بمنطق المؤسسات والتخصص وتكافؤ الفرص. أما حين تصبح المناصب مجرد أدوات لإعادة تدوير النفوذ والثقة السياسية، فإن النتيجة الطبيعية تكون إضعاف المؤسسات، وتآكل الكفاءة، وتعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

وهكذا تتحول الدولة تدريجياً من مؤسسات قائمة على الاختصاص والمحاسبة، إلى منظومة مغلقة تعيد إنتاج نفسها باستمرار، وكأن البلاد تفتقر إلى السوريين القادرين على إدارة الاقتصاد والدبلوماسية والإدارة العامة بكفاءة أعلى واستقلالية أكبر.

أحمد سليمان

المصدر: نشطاء الرأي 

www.opl-now.org

 

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب