23 مايو, 2026

الزيادات الحكومية في سوريا… ارتباك إداري أم رسائل سياسية؟

في الوقت الذي يعيش فيه السوريون واحدة من أقسى الأزمات الاقتصادية والمعيشية في تاريخ البلاد، جاءت قرارات الزيادة الأخيرة على الرواتب والتعويضات لتفتح باباً واسعاً من الجدل الشعبي والسياسي، ليس فقط بسبب محدودية أثرها الاقتصادي، بل أيضاً بسبب الصياغات التي حملتها التعليمات التنفيذية، والتي أعادت إلى الواجهة أسئلة حساسة تتعلق بمفهوم العدالة الإدارية والمساواة بين المواطنين داخل الدولة الواحدة.
فبحسب التعليمات التنفيذية الصادرة عن وزارة المالية السورية للمرسوم رقم 68 لعام 2026، شملت الزيادات قطاعات الصحة والتعليم والتعليم العالي والأوقاف والجهات الرقابية، مع منح تعويضات إضافية للعاملين في المناطق النائية وشبه النائية، إضافة إلى تعديل آليات احتساب أجور الساعات الإضافية وتعويضات الامتحانات.
لكن الجدل الأوسع بدأ بعد تضمين التعليمات التنفيذية بنداً يستثني العاملين السابقين ضمن المؤسسات التعليمية والإدارية في إدلب وشمال حلب من بعض الحسومات والاشتراكات المالية إلى حين صدور تعليمات جديدة، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول خلفية هذا الاستثناء الإداري، وحدود انسجامه مع مفهوم الدولة الموحدة والمؤسسات الوطنية الجامعة، خصوصاً في ظل حاجة السوريين اليوم إلى خطاب إداري وقانوني يعزز المساواة لا الانطباعات المناطقية.
المشكلة هنا لا تتعلق برفض تحسين أوضاع أي منطقة سورية، فكل السوريين يستحقون حياة كريمة ورواتب عادلة، بل تتعلق بطريقة إدارة الملف والخطاب المرافق له. إذ إن الدولة، وخصوصاً في مرحلة انتقالية حساسة، مطالبة بإنتاج شعور وطني جامع، لا بتعميق الانطباع بأن هناك مناطق تحظى بمعاملة مختلفة أو امتيازات خاصة، سواء كان ذلك مقصوداً أم نتيجة ضعف في الصياغة الإدارية والسياسية.
كما أن غياب الشفافية زاد من حجم الالتباس، فوزارة المالية لم تنشر جداول “الزيادة النوعية” بالتفصيل، كما لم توضّح بشكل كافٍ خلفيات بعض البنود وآليات تطبيقها، ما فتح المجال أمام الإشاعات والتأويلات والتفسيرات المتناقضة. وفي ظل تراجع الثقة العامة بالمؤسسات، تصبح أي ثغرة في التوضيح سبباً مباشراً لتوسيع حالة الاحتقان الشعبي.
وتكشف هذه القضية أيضاً أزمة أعمق داخل الإدارة الحكومية الحالية، تتمثل في ضعف الكفاءة الإدارية والسياسية لدى بعض المسؤولين، واستمرار تأثير المحسوبيات ومنطق اللون الواحد في إدارة الملفات الحساسة. فبدلاً من تقديم نموذج إداري جامع يعيد الثقة بمؤسسات الدولة، تظهر بعض القرارات وكأنها تصدر بعقلية جزئية لا تراعي حساسية المرحلة الانتقالية وتعقيداتها الوطنية والاجتماعية.
فالمرحلة الانتقالية يفترض أن تكون فرصة لترميم الانقسام السوري، لا إعادة إنتاجه بصيغ جديدة. وأي خطاب أو قرار يوحي بوجود تمايز مناطقي أو إداري، حتى لو كان مؤقتاً أو تقنياً، ستكون له انعكاسات سياسية واجتماعية خطيرة في بلد أنهكته سنوات الحرب والانقسام والاستقطاب.
اقتصادياً أيضاً، فإن الزيادات المطروحة، رغم أهميتها النسبية لبعض الشرائح، ما تزال عاجزة عن مواكبة الانهيار الكبير في القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات الأساسية. فالمواطن السوري لا يقيس القرارات بالأرقام النظرية فقط، بل بمدى انعكاسها الحقيقي على حياته اليومية، وقدرته على تأمين الغذاء والدواء والسكن والتعليم.
كما أن استمرار الغموض في ملف الرواتب والتعويضات، وغياب المعايير الواضحة والموحدة، يهددان بتحويل أي زيادة مالية إلى مصدر توتر اجتماعي جديد، بدلاً من أن تكون خطوة نحو الاستقرار وتحسين الواقع المعيشي.
واليوم، لا يكمن التحدي الحقيقي أمام الحكومة الانتقالية في إصدار المراسيم والقرارات فحسب، بل في قدرتها على إدارة الدولة بعقلية وطنية شاملة، قائمة على العدالة والمساواة والشفافية والكفاءة، بعيداً عن المحسوبيات والانطباعات المناطقية التي تضعف الثقة العامة وتعمّق الشعور بالإقصاء لدى شرائح واسعة من السوريين.
وفي النهاية، فإن السوريين لا ينتظرون زيادات انتقائية أو معالجات مؤقتة، بل ينتظرون دولة يشعر فيها الجميع أنهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأن المؤسسات تُدار بعقلية المواطنة وسيادة القانون، لا بمنطق النفوذ والتمييز والإدارة الانتقائية للملفات الوطنية.

أحمد سليمان
المصدر: نشطاء الرأي
www.opl-now.org

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب