29 أغسطس, 2025

بعد ثورتين… يسيل لُعابنا وتذبل عيوننا كلما قرأنا عن مظاهرة:

الخبر هذه المرة ليس من تونس أو مصر، وإن كنا ما زلنا مندهشين من خلع رئيس كلا البلدين، فثمة جردة حساب طويلة بين شعوب تأثرت بمفاعيل ثورتين كانتا من أسرع الثورات في العالم وأقلها استنزافًا بشريًا.

قبل قليل، صُعقت وأنا أتفحص عينات من صور الأسلحة المستخدمة في ليبيا: طائرات، وطلقات مدفعية، إلى جانب عصابات تم تهيئتها لضرب المدنيين.

الخلطة السلطوية في ليبيا:

  • في ليبيا الآن ثورة فعلية، متداخلة الهموم والشجون؛ فالطموح بطرد طاغية احتل البلاد منذ 42 عامًا يلازمه من يحاول اللعب على تحريك البُعد القبلي وخلافات اندثرت منذ زمن طويل. والواضح أن الإرادة الشعبية متوفرة، ولكن بديلًا قبليًا وحربًا بلا ملامح هدّد فيها نجل المخلوع (القذافي الصغير) جعلنا نراقب بتحسب.
  • طائرات تقصف المتظاهرين، ورشاشات مضادة للدروع والمصفحات تُستخدم في مواجهة المتظاهرين.
  • إشكالية الخلطة السلطوية في ليبيا أنها لا تنتمي للشكل الرسمي كحال الأنظمة الدكتاتورية؛ ففي ليبيا لا يوجد جيش كلاسيكي، ولكن يوجد ما يتخطى منطق العصابات المسلحة. يبدو للمتابع أن لكل مدينة مرجعية قبائلية تخترق ما يُسمى بالجيش.
  • القذافي يتنكر، وخلاياه المرتزقة البلطجية المدربون، وأولئك الذين يطلقون على أنفسهم اللجان “الثورية” (توجد نسختان مطابقتان لهم بمسمى حزب “العبث” السوري والعراقي منذ أيام المقبورين حافظ وصدام حتى الآن). هؤلاء — أي اللجان — أدوات بيد المخلوع القذافي وعائلته. لكن لدينا إيمان عميق بأن ثورة السابع عشر من فبراير في ليبيا انتصرت، والشعب الليبي تسلّم السلطة، وإن لم يُعلن أحد الرحيل.

بدأ السفراء الليبيون تقديم استقالاتهم؛ في لندن يعلن السفير الليبي استقالته من منصبه، وموظفو السفارة ينضمون إلى المتظاهرين، وفي إندونيسيا السفير الليبي يستقيل.

  • من قبل، استقال وزير العدل وتم اعتقال وزير الدفاع في ليبيا، والنظام الليبي سوف يقود البلاد إلى حرب قبلية. وأعتقد بوجود صحوة ليبية للموقف، سينتصر الشعب الليبي كما انتصر قبله الشعبان التونسي والمصري.

الآن، بوسع القذافي المطالبة بإسقاط السلطة. مشكلة هذا الأبله أنه غير مقبول حتى من حراس الخيمة التي يعيش فيها. لن يتبع بن علي، لأن ملفه في السعودية لا يشجعه، كذلك لن يتجرأ على دخول مصر لأنهم سوف يستقبلونه بالأحذية… ربما سيتنكر بزي وينزل إلى الشارع ويطالب بإعدام أولاده لأنهم لم يحفظوا كتابه الأسود.

ماذا عن سوريا؟

  • يسيل لُعابنا وتذبل عيوننا كلما قرأنا خبرًا عن موعد اعتصام أو تظاهر. في الأمس، كانت الأحزاب والجمعيات المدنية تتقدم الأنشطة المطلبية المنادية بالتغيير، أما بفضل الاستثناءات التي تتم بموجبها إدارة شؤون البلدان، تحولت التشكيلات السياسية إلى خطوط محرّمة في كثير من الأمكنة، وأحيانًا تكون حصيلة أي اجتماع علني حملة مسعورة تعتقل كل من تكلم أو وزّع دعوة أو كتب مقالًا أو مجرد أنه استمع إلى محطة أخبار.
  • الواقع العالمي عكس بظلاله على الشعوب العربية، إذ طالما تعيش احتلالًا وقمعًا وفسادًا تمارسه أنظمتها بلا خجل، فاق العد التنازلي لهذه الشعوب مع تنوع أدوات الاتصال التي باتت محرّكًا هامًا لأي تفاعل سياسي وبشري، فكان الإنترنت مكانًا آمنًا لمعظم الإعلانات التي — على ما يبدو — لم تستسغها الأحزاب إلا في حدود معينة.
  • ولأن الدبلوماسية السورية ذات مرجعيات أمنية، فإننا لن نقرأ عن استقالات في أي سفارة، احتجاجًا على تصاعد الهجمة الأمنية منذ بداية هذا الشهر، والتبلي على الشعب السوري الذي وصل حتى إلى معقل السجناء السياسيين في صيدنايا.
  • لن تتحرك هبّة شعبية في سوريا؛ الكلام هنا تأسس على اضطراب المشهد السياسي المعارض، وبكل أسف. لكنني على يقين تام أن شرفاء في مؤسسات الدولة سيهبّون على النظام، معلنين إنهاء مرحلة العبث، وحان الوقت للتأسيس على ميثاق الأمل.
  • أمام النظام السوري فرصة ذهبية: إما اعتقال الشعب السوري كله واعتباره أضعف هيبة الدولة، أو تكليف أحد الوجوه الجديدة بقيادة ما يمكن تسميته فيما بعد بـ”الانقلاب التوافقي”.
  • مع كل هذا وذاك، نلاحظ إعلانات مختلفة تردنا من الداخل: طفرات شبابية ذات بُعد وطني، ولكن في ذات الوقت لا يُفهم منها نواة تشكيل لاحق، إنما جاءت كحامل ظرفي أليم تأسس على احتقان تراكمي نجد تعبيراته إصلاحية، كتلك التعبيرات التي تحمل برامج واضحة لكنها سرعان ما تتحول إلى مجرد أمنيات وأحلام تمتع النظر.

أحمد سليمان

https://opl-now.org

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب