الحركات الفنية والأدبية، خاصةً الدادائية والسريالية العالمية، لم تكن مجرد تيارات إبداعية، بل تحولت إلى مرجع حقيقي يشكل أساسًا لتشكيل الذائقة الجماعية. بدلاً من أن تكون مجرد بدائل، كانت تعبر بشكل اعتراضي عن واقعها، وتصر على أن تكون حاضرة بقوة لتأسيس مستقبل فني وأدبي.
في هذا السياق، تتجلى هذه الحركات الإبداعية في استخدامها للفن والأدب كوسيلة للتعبير عن احتجاجاتها ورؤيتها للعالم. تسعى إلى تحدي التقاليد الفنية وتفكيك التوقعات، مما يمنحها طابعًا اعتراضيًا وتحفيزيًا للتفكير.
من ناحية أخرى، عند النظر إلى التجمعات الثقافية في العالم العربي، نجد أنها تتبنى عادةً لقب “البديل الفوري المطلق” منذ لحظة تأسيسها. تظهر هذه التسمية للتموضع في مكان غير شاغر، بل مزدحم بآلاف الآراء والحركات التي لم ينتبه إليها أحد. ولم يكلّف أحدٌ من ذات التجمعات نفسه بصوغ مفاهيم جديدة للبحث عن بدائل غير تقليدية، مع الأخذ في الاعتبار تبيّن رغبتها في تقديم رؤى فنية وثقافية تتحدى الواقع، لكنها في ذات الوقت لا تطلق تفكيرًا إبداعيًا جديدًا.
في هذا السياق، لن تشكل هذه التجمعات نقطة انطلاق حقيقية وحية لإيجاد “مستقبل أدبي/ثقافي”، مصحوبًا بحوار مفتوح مع الواقع السياسي، والذي يستند إلى التجديد والتحول، خصوصًا إذا اعتمدت الإنكار لتاريخ قريب مؤثر ومعاصر، أي ما يمكن أن أصفه بـ”الحالة الآن”، فستكون مليئة بالفجوات. روادها يفتقدون إلى تجارب تمتد لثلاثة عقود، وبالتالي فإن مصير أي تيار أو حركة من هذا التوجه هو الاستئناس بعالم فردي من شأنه النوم في بؤر غير صحيحة، وربما في مستنقعات الظلام.
الإلغاء المتبادل:
في تعليق قرأته للسيد يونس عطاري داخل أحد التجمعات الثقافية، لا شك أنه أخطأ في التعميم، وهو أمر غير مقبول، خاصةً عندما قال: “توجهات الأدب أصبحت تأخذ طابعًا سياسيًا”.
أعتقد أن بوسع الأدب أن يناقش واقعًا سياسيًا أعوج، ولكنه يفشل في أداء وظيفته إذا انخرط في خط سياسي. فمن عاديات الأمور أن تكون الثقافة، والأدب على وجه الخصوص، حاضنةً للسياسة، بما يمكننا تسميته تهذيب السياسة وأنسنتها، بدلًا من تركها تغوص في التوحش. لكن، كما أسلفت، لا يجوز إقحام الأدب في السياسة على طول الخط. بمعنى ما، فإن التعارض هنا يكون شرطًا واضحًا.
وفي الإشارة إلى تعليق آخر، فقد أصاب حين قال إن “الفن لا وصي عليه، لا قواعد ضابطة له”. كلام كهذا دقيق، ولكن أعتقد أنه لو أن السيد “عطاري” أورد أمثلة، لكان ذلك مفيدًا جدًا لتوجيه الحوار بدلًا من التهجم على نص أو كاتب.
وأيضًا أصاب حين قال: “الجمعيات والحركات الفنية ذوّبها التاريخ الإبداعي، حيث الإبداع حرية وانفلات”.
مع أنني أجد بداية تعليقه قد اتسمت بالتسرع، إلا أنه كان من المفيد أيضًا أن يتم التعامل مع هذه التصريحات بشكل أكثر تحفظًا.
هنا، يمكن أن أضيف: “ماذا بقي من السريالية والدادائية غير الأثر المرجعي الملهم طيلة عقود من الزمن، وللآن؟”
مجلة “شعر”، والتجارب المختلفة في مصر وسوريا، شكلت تحديات وتجارب تجاوزت القيود وأعلنت عن نفسها. تجسدت فيها لحظات من التمرد والتجربة المستقلة.
اعتاش الزمن العربي السياسي على رصيد القمع، وعمل على تعميمه تحت مسميات لا حصر لها، وبكل قسوة، لكن الشعر استطاع أن يتفلت على الرغم من ازدهار القمع، فقد وجد نفسه ملاذًا للتحرر والتجربة المختلفة.
الحركات والتيارات تعكس واقعًا متوافقًا ومتعارضًا في آن واحد، إلا أن إلغاء الفرد للجماعة، أو العكس، يمثل قمعًا واضحًا.

المزيد من المواضيع
عقيدة القتل: حين تصبح الجريمة وظيفة مبررة والإنكار مخرجًا
الزيادات الحكومية في سوريا… ارتباك إداري أم رسائل سياسية؟
روايات متناقضة وغموض قانوني… ماذا يجري في قضية خولة برغوث؟