25 يناير, 2026

دراسة في الهوية والذاكرة وتمثّلات السلطة على العملة الوطنية

الرمزية النقدية في سوريا: عملة جديدة بلا نقاش… وحضارات غائبة عن المشهد

تُعدّ العملة الوطنية وثيقة رمزية يومية تعكس رؤية الدولة لذاتها، وتقدّم سردية بصرية حول الهوية والذاكرة المشتركة. وفي سوريا، حيث تعرّضت الهوية الوطنية لتشويه عميق خلال عقود من الاستبداد والصراع، تكتسب دراسة الرموز النقدية أهمية خاصة، لأنها تكشف عن علاقة معقّدة بين السلطة والتاريخ، وبين ما يُراد ترسيخه وما يُراد إخفاؤه.

ومع طرح الإصدار النقدي الجديد في الأسواق بعد عام 2024، برزت تساؤلات واسعة حول مضمون هذه الرموز، خصوصًا أن العملة طُرحت من دون أي نقاش عام، أو مراجعة من خبراء التراث والهوية، أو مشاركة من لجان مختصّة. وهنا تكمن الإشكالية: ليس في شكل العملة فحسب، بل في غياب العملية المؤسسية التي تسبق عادة إصدار أي رمز سيادي بهذا الحجم.

العملة بوصفها خطابًا رمزيًا

تُظهر التجارب الدولية أن العملة ليست مجرد ورق مطبوع، بل هي:

  • أداة سردية تروي قصة الدولة
  • وسيلة تطبيع يومي لرموز السلطة
  • مرآة للهوية الوطنية كما تتخيّلها النخب
  • أرشيف بصري يختزن الذاكرة الجماعية

وفي دول شهدت تحوّلات سياسية كبرى، مثل العراق ورواندا ودول البلقان، جرى التعامل مع تصميم العملة بوصفه جزءًا من إعادة بناء الهوية، عبر نقاشات عامة ومراجعات مؤسسية واسعة.

الرمزية النقدية قبل 2024

اتسمت العملة السورية خلال العقود الماضية بثلاث سمات رئيسية:

  • مركزية السلطة السياسية عبر صور القادة أو الرموز الأيديولوجية
  • تغييب الذاكرة الحضارية رغم غنى سوريا بآثار تمتد لآلاف السنين
  • حضور رموز القوّة والعسكرة التي كرّست خطاب الهيمنة بدل الهوية

هذا التوجّه جعل العملة أداة سياسية أكثر منها ثقافية.

التحوّل: خطوة إيجابية… لكنها بلا رؤية

مع سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024، ظهرت عملة جديدة أُقصيت منها الرموز المرتبطة بالمرحلة الماضية، واستُبدلت بنباتات وزهور وزخارف.

ورغم أن هذا التغيير بدا، في ظاهره، محاولة للقطع مع ثقافة تمجيد القوّة والعنف، فإن غياب النقاش العام، وغياب مشاركة المختصّين والخبراء، جعلا هذا الإصدار خطوة غير مكتملة.

فالعملة طُرحت في الأسواق من دون رؤية ثقافية واضحة، ومن دون أن تستند إلى ذاكرة حضارية جامعة، أو إلى تصوّر شامل للهوية السورية، بما يتجاوز ردّ الفعل السياسي إلى مشروع رمزي طويل الأمد.

سقوط المرحلة الحيوانية من العملة… ولكن

ينظر كثير من السوريين، وأنا منهم، إلى استبدال صور «الأسد الأب والابن» المرتبطة بمرحلة الاستبداد والتوحّش، بنباتات وورود، بوصفه تحوّلًا رمزيًا إيجابيًا يعبّر عن رغبة في القطيعة مع ثقافة تمجيد القوّة.

غير أنّ هذا التحوّل يبقى منقوصًا ما لم يُستكمل باستحضار الذاكرة الحضارية الشاملة لسوريا؛ تلك الذاكرة التي لا تختصرها حقبة سياسية، ولا يختزلها نظام حكم.

فسوريا، بجغرافيتها المتنوّعة ومدنها المتعدّدة، تُعدّ واحدة من أغنى مناطق العالم بالتراث الإنساني المتراكم، وهو ما كان الأجدر أن ينعكس على رمز سيادي كالعملة الوطنية.

من دمشق القديمة، أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، إلى مدينة حلب القديمة، ومن تدمر وبصرى الشام المدرجتين على قائمة التراث العالمي لليونسكو، يتجلّى الامتداد الروماني والبيزنطي والإسلامي بوضوح.

وإلى جانبه تبرز قلاع كبرى مثل قلعة الحصن وقلعة صلاح الدين وقلعة حلب، بوصفها شواهد على تطوّر العمارة العسكرية وتحوّلات السلطة عبر القرون.

وفي إدلب وسهل الغاب تظهر إيبلا وأفاميا وشيزر، بما تمثّله من مراكز سياسية واقتصادية مبكرة.

أما في الجزيرة السورية، فتشكّل الحسكة ومحيطها خزانًا فريدًا لآثار نشوء المدن الأولى، من تل حلف وتل براك وتل ليلان إلى تل موزان (أوركيش).

وعلى ضفاف الفرات، تبرز ماري ودورا أوروبوس وقلعة الرحبة وجعبر والرصافة، وفي الرقة يبرز قصر البنات شاهدًا على تاريخ المدينة الوسيط.

وفي الساحل السوري تتجلّى الحضارة الفينيقية والبحرية في أوغاريت وعمريت وأرواد وقلعة المرقب، إلى جانب المرافئ القديمة التي ربطت سوريا بالعالم.

إن إدراج رموز هذه المدن والمعالم على العملة الوطنية لا يحمل بعدًا جماليًا فقط، بل يؤدّي وظيفة ثقافية وتربوية عميقة، تعيد وصل السوريين بتاريخهم المشترك.

تحليل واستنتاج

تكشف العملة الجديدة عن رغبة في الابتعاد عن رموز القوّة، لكنها في الوقت نفسه تُظهر غياب رؤية ثقافية واضحة.

فالرموز النباتية، رغم جمالها، لا تعبّر عن الامتداد الحضاري السوري، ولا عن تنوّع جغرافيته، ولا عن ذاكرته العميقة الممتدة من أوغاريت إلى ماري، ومن تدمر إلى أوركيش.

والأهم أن إصدار عملة جديدة من دون نقاش عام أو مراجعة خبراء يطرح سؤالًا جوهريًا حول كيفية اتخاذ القرارات الرمزية في مرحلة يُفترض أنها انتقالية نحو دولة أكثر شفافية ومشاركة.

خطوة غير مكتملة

إن العملة المطروحة اليوم في الأسواق السورية تمثّل خطوة أولى في الابتعاد عن رموز الاستبداد، لكنها تبقى خطوة غير مكتملة، لأنها لم تُبنَ على رؤية حضارية أو نقاش وطني.

وإذا كانت السلطات تتغيّر، فإن الحضارات والطبيعة تبقى، وتبقى معها الحاجة إلى رموز تُعيد وصل السوريين بتاريخهم العميق، وتفتح أفقًا لهوية وطنية جامعة تتجاوز السياسة نحو الإنسان.

أحمد سليمان

الرابط:

 https://opl-now.org/2025/12/30/opl-55/ ‎

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب