22 يوليو, 2026

حشمة العقول أولًا: قبل مراقبة مظاهر المجتمع… تحتاج الدولة إلى إصلاح مؤسساتها

حين تتراجع الأسئلة الكبرى عن واجهة النقاش العام، كثيرًا ما تتقدم الأسئلة الصغرى إلى الواجهة. فيتحول الجدل حول المظهر إلى قضية عامة، بينما تبقى ملفات العدالة، واستقلال القضاء، وإعادة بناء المؤسسات، وحقوق المواطنين تنتظر من يضعها في صدارة الأولويات.

في هذا السياق، يبرز التعميم الأخير المتعلق بلباس الموظفات، ليعيد إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز قطعة القماش نفسها: أي حشمة تريدها الدولة؟

إذا كان المقصود بالحشمة احترام كرامة الإنسان، وسيادة القانون، ونزاهة الإدارة، وصون المال العام، فإن أولى صورها تبدأ من أداء المؤسسات العامة، لا من مراقبة خيارات الأفراد الشخصية. أما إذا تحولت الحشمة إلى عنوان للتدخل في ما يلبسه المواطنون، فإن النقاش يغادر دائرة الإدارة الرشيدة، ليدخل في مساحة الحريات الفردية التي ينظمها القانون والدستور.

لا خلاف على حق أي مؤسسة في اعتماد قواعد مهنية عامة للهندام داخل بيئة العمل، شريطة أن تكون واضحة، وغير تمييزية، ومستندة إلى القانون. لكن الأولويات التي تختارها الدولة تعكس، في نهاية المطاف، رؤيتها لوظيفتها: هل تنصرف إلى بناء دولة القانون والمؤسسات، أم إلى إدارة تفاصيل الحياة الخاصة للمواطنين؟

من هنا، لا يتعلق النقاش بلباس المرأة وحده، بل بمفهوم الدولة نفسها، وبالحدود الفاصلة بين التنظيم الإداري وحماية الحريات، وبين احترام التنوع الاجتماعي ومحاولة فرض نموذج واحد على مجتمع متعدد.

 

  • من الشاطئ إلى المكتب

ليست هذه المرة الأولى التي تتحول فيها الدولة إلى طرف في تحديد ما يلبسه المواطنون.

ففي حزيران/يونيو 2025، أصدرت وزارة السياحة تعليمات لتنظيم اللباس في الشواطئ والمسابح العامة، متحدثة عن “اللباس المحتشم”، ومفرقة بين الشواطئ العامة وبعض المنتجعات المصنفة. وقد أثار القرار انقسامًا واسعًا، قبل أن توضح الوزارة أن الهدف ليس منع نوع معين من اللباس، وإنما تنظيمه وفق نوع المنشأة والسياق الاجتماعي.

وبغض النظر عن التوضيحات اللاحقة، فإن الرسالة التي وصلت إلى شريحة واسعة من السوريين كانت مختلفة؛ إذ بدا لكثيرين أن الدولة بدأت تتدخل تدريجيًا في الخيارات الشخصية، لا بوصفها شأنًا فرديًا، بل باعتبارها مجالًا للتنظيم الإداري.

قد تختلف الجهتان اللتان أصدرتا القرارين، لكن الرسالة التي تلقاها كثيرون بدت متشابهة: اتساع مساحة تدخل الإدارة في الخيارات الشخصية تحت عناوين فضفاضة.

واليوم يتكرر المشهد مع تعميم يتعلق بلباس الموظفات، فيُستعاد الجدل نفسه، وكأن النقاش العام يُدفع مرة أخرى نحو تفاصيل المظهر، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة.

 

  • الأولويات أولًا

لا أحد يعترض على حق المؤسسات في وضع قواعد مهنية تتعلق بالهندام اللائق داخل أماكن العمل، متى كانت واضحة وعامة وغير تمييزية.

لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول مفاهيم فضفاضة مثل “الحشمة” إلى أداة تمنح الإدارة سلطة واسعة لتفسيرها وفق المزاج أو التوجه السياسي أو الاجتماعي.

فالحشمة ليست مصطلحًا قانونيًا منضبطًا، وإنما مفهوم ثقافي يختلف من بيئة إلى أخرى، ومن جماعة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر.

وعندما يصبح هذا المفهوم أساسًا لقرارات تمس الحريات الشخصية، فإن النقاش ينتقل من تنظيم الوظيفة العامة إلى محاولة تشكيل المجتمع وفق رؤية واحدة، في بلد يقوم أساسًا على التعددية والتنوع الثقافي والاجتماعي.

 

  • دولة القانون

المشكلة الحقيقية ليست في قطعة قماش.

المشكلة أن الدولة، في مراحل التحول، تحتاج إلى إنتاج الثقة، لا إلى إنتاج الجدل.

تحتاج إلى استقلال القضاء، ومحاربة الفساد، وإصلاح الإدارة، وإرساء العدالة الانتقالية، وضمان حقوق جميع المواطنين بلا تمييز.

هذه هي الملفات التي تعيد بناء الدولة.

أما تحويل النقاش العام إلى معارك حول لباس المرأة أو الرجل، فإنه يستهلك طاقة المجتمع في قضايا رمزية، بينما تبقى الملفات الجوهرية دون تقدم ملموس.

ومن حق أي مجتمع أن يناقش قيمه الأخلاقية، لكن ليس من مصلحة أي دولة أن يصبح هذا النقاش بديلًا عن الإصلاح السياسي والإداري.

 

  • ماذا تحتاج سوريا؟

لن تُقاس هيبة الدولة بطول الأكمام، ولا بشكل غطاء الرأس، ولا بنوع لباس السباحة.

هيبة الدولة تُقاس عندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، وأن المؤسسات تعامل الجميع على قدم المساواة، دون أي تمييز.

فالدول القوية لا تنشغل بإدارة تفاصيل الحياة الخاصة بقدر انشغالها بإدارة العدالة، ومحاربة الفساد، وتحقيق الكفاءة، وترسيخ الحقوق والحريات.

 

  • الحشمة الحقيقية

إذا كانت هناك حشمة تستحق الدفاع عنها، فهي حشمة الدولة أمام القانون، وحشمة السلطة أمام مؤسساتها، وحشمة المسؤول أمام المال العام، وحشمة المؤسسة أمام حقوق المواطنين.

أما لباس الأفراد، فيبقى شأنًا شخصيًا ما دام لا يخالف القانون ولا يعتدي على حقوق الآخرين.

فالدول لا تُبنى بفرض نموذج واحد للمجتمع، بل بإقامة دولة يشعر فيها الجميع أن القانون يحميهم بالقدر نفسه، ويحاسبهم بالمعيار نفسه.

 

أحمد سليمان

المصدر: نشطاء الرأي

About The Author

error: الموقع لا يسمح بالنسخ ، من فضلك انسخ رابط المقال وارسلة لمن يرغب